ربما يكون قد روّج للديمقراطية باعتبارها أفضل الأنظمة السياسية، ولكنها ولفترة طويلة كانت شكلاً نادراً للحكم الفعلي. من الصعب لأي نظام أن يطبق المثل الأعلى للديمقراطية بأن على القوي أن يحسن معاملة الضعيف وان أي استغلال للسلطة يجب أن يشجب بصدق ومن دون تحفظ.
ثمة خمسة معايير ضرورية وتتمثل في الانتخابات الحرة، وجود معارضة سياسية حرة ومنظمة، قبول مبدأ تبادل السلطة، وجود نظام قضائي مستقل، وحرية وسائل الإعلام، فحتى الدول الديمقراطية والتي قد تزعم أن لديها كل هذه المعايير مجتمعة، من أمثال فرنسا وبريطانيا رفضت ولفترة طويلة منح النساء حق التصويت وتجاهلت الحقوق المتعلقة بسكان المستعمرات.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات، إلا أن الديمقراطية أصبحت عالمية تقريباً، بداية بالولايات المتحدة، خلال فترة رئاسة وودرو ويلسون، ومن ثم على نحو واسع عقب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي.
وتم الإعلان عن نهاية التاريخ، إذ لم يعد هناك شيء يحول دون تحقيق كل الدول في يوم ما كلتا الحسنيين، وهما اقتصاد السوق والديمقراطية التمثيلية.
ولكن تلك الأهداف تحولت إلى مبادئ لا تقبل الجدل، بحيث تتيح للرئيس جورج بوش إضفاء الشرعية على العمليات العسكرية في العراق، كما تجيز له اللجوء إلى التعذيب في السجون السرية على أراض أجنبية، وتبرير المعاملة غير الشرعية للمعتقلين في غوانتانامو، المدانة من قبل تقرير لجنة الأمم المتحدة وقرار البرلمان الأوروبي.
ورغم هذه المخالفات الكبيرة، إلا أن الولايات المتحدة لا تشعر بتأنيب الضمير حيال تنصيب نفسها الوسيط العالمي للمراقبة الديمقراطية، وقد جرت العادة في إدارة بوش أن تصف الخصوم بعدم الديمقراطية أو بالدول المارقة ومراكز الطغيان، والوسيلة الوحيدة لتغيير ذلك هي تنظيم انتخابات حرة.
ولكن مع الانتخابات الحرة هذه تعتمد كل الأمور على النتيجة النهائية، فقد انتخب هوغو شافيز رئيساً لفنزويلا مرات عدة منذ 1998، وفق معايير ديمقراطية مضمونة من قبل مراقبين دوليين.
وسيخضع مجدداً لصناديق الاقتراع في ديسمبر عام 2006، وقد يحقق ذلك مصلحة كبيرة له، واستمرت الولايات المتحدة، التي رعت انقلاباً ضعيفاً في ابريل عام 2002، في الهجوم عليه، واصفة إياه بأنه خطر على الديمقراطية.
أظهرت إيران وفلسطين وهاييتي أنه لم يعد من الكافي أن يتم الانتخاب بشكل ديمقراطي، فالانتخابات الإيرانية في يونيو 2005 لاقت استحساناً عالمياً. فالكم الهائل من الناخبين كان بإمكانه الاختيار بين المرشحين والذين يمثلون آراء مختلفة ضمن نطاق الإسلام السياسي الرسمي.
والغرب كان يفضل علي أكبر رافسنجاني الذي خاض حملة رائعة وكان من المتوقع انتصاره، لم يذكر أحد التهديد النووي، ولكن كل شيء تغير فجأة عقب انتصار محمد أحمدي نجاد، والذي أدلى بتصريحات غير مقبولة لدى الغرب عن إسرائيل.
وقد حدث الأمر ذاته في فلسطين، فقد أصرّت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أن تجرى انتخابات ديمقراطية حقيقية، تحت إشراف جيش من المراقبين الأجانب، لتقوم في النهاية برفض النتائج، لأن الفائز لم ينل إعجابهم، وهو حركة «حماس» الإسلامية التي كانت المسؤولة فيما مضى عن هجمات ضد مدنيين إسرائيليين.
في يوم من الأيام قال وينستون تشرشل إن «الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم باستثناء تلك الأشكال الأخرى، والتي جرّبت من حين لآخر.
يبدو أن ما يثير استياء الناس الآن هو عجزهم عن تحديد نتائج انتخابات ما بشكل مسبق، ليت هناك ضمانا على إيجاد دول ديمقراطية يمكن تفصيلها على المقاس.
ترجمة: كوثر علي