يمكن القول دون مبالغة إن هذا الكتاب «كوبرا 2.. القصة الحقيقية لغزو واحتلال العراق» لكاتبيه مايكل جوردون والجنرال برنارد ترينور يمثل محاكمة شاملة وعادلة لعملية الغزو الأميركي للعراق.

ومما يكسبه المزيد من المصداقية ما يكشفه من حقائق وخبايا تتعلق بتفاصيل ما جرى في جميع مراحل عملية الغزو سواء خلال الإعداد لها أو بعد حدوثها.

حيث يكشف الكتاب أسراراً عسكرية تتعلق بكيفية صياغة استراتيجية الحرب في العراق ومن خلال كم هائل من المعلومات والمذكرات والمراسلات السرية التي تمكنا من الحصول عليها يبين الكاتبان كيف أدى ذلك إلى خلاف بين جميع الجنرالات الأميركيين وبين هؤلاء ووزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد.

وكيف أدت هذه الظروف إلى فشل على أرض الواقع، وهى حقائق يؤكدها الكثير من التطورات التي تجري حاليا بما يدحض الأسس التي قامت عليها عملية الغزو. كما يكشف الكاتبان الكثير من الجوانب المثيرة للدهشة عن الأدوار التي قام بها عدد من الدول الشرق أوسطية لتسهيل مهمة الغزو.

يمثل هذا الكتاب الذي يتزامن نشره مع الذكرى الثالثة لعملية الغزو فرصة حقيقية لمراجعة السياسة الأميركية التي ما زالت تتوالى أخطاؤها في العراق عقب الخطأ الكبير الذي بنيت عليه العملية من الأصل.

ولقد لقي الكتاب صدى واسعاً واهتماماً كبيراً في الأوساط الأميركية بشكل خاص، والغربية بشكل عام، إزاء حيوية الجوانب التي يتناولها ويكشف عنها حتى قبل نشره في 14 مارس الماضي.

حيث تم استضافة كاتبيه يوم 12 مارس في أحد أهم البرامج الإخبارية الأسبوعية التي تعرض على الشاشات الأميركية صباح كل يوم أحد وهو برنامج «واجه الصحافة».

كما نظم مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية في الولايات المتحدة ندوة مع المؤلفين في 18 مارس لمناقشة الكتاب كان من بين المشاركين فيها المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط، دينيس روس.

وباختصار تتلخص النتيجة التي يمكن أن يخلص إليها قارئ الكتاب في أن عملية الغزو كانت فاشلة بكل المقاييس وأن مهندسها رامسفيلد وفريقه ينبغي أن يرحلوا.

وهنا فإن رامسفيلد يحظى بنصيب الأسد من الانتقادات اللاذعة بشأن طريقة تعامله مع عملية غزو العراق بما انتهت إليه من نتائج كارثية من وجهة نظر الكثير من المراقبين والمحللين في الولايات المتحدة وغيرها..

ويتهم الكتاب رامسفيلد والجنرال تومي فرانكس الذي قاد القوات الأميركية خلال عملية الغزو، بتبني خطة بالغة التفاؤل غاب عنها العديد من الاعتبارات الموضوعية بفعل الرغبة المحمومة في إتمام عملية الغزو، الأمر الذي أدى إلى إهمال أو عدم الأخذ في الحسبان توقع حدوث مقاومة.

حيث بنيت الخطة على أساس أن النصر سيتحقق بمجرد سقوط بغداد وبعدها ستتوالى الأمور على خير ما يرام، وذلك رغم تقرير استخباري أميركي شدد على أهمية استراتيجية حرب العصابات في التكتيك العسكري العراقي، غير ان الرغبة في الإقدام على الغزو بأي ثمن ومهما كانت النتائج أدت إلى إهمال هذا التقرير وغيره من التقارير.

قصور فهم..

كما يشير الكتاب إلى أن رامسفيلد وفرانكس لم ينجحا في فهم هيكلية السلطة السياسية في العراق، الأمر الذي انتهى إلى حالة تجعل من مقولة إن أوضاع العراق في ظل حكم صدام أفضل مقارنة بما هي عليه في ظل الاحتلال الأميركي مقولة لا يرقى إليها الشك.

وحسبما يذكر الكاتبان، فقد سيطر كل من رامسفيلد وفرانكس خلال عملية غزو العراق على عملية التخطيط وأنه فيما كان نائب الرئيس ديك تشيني يقوم بدور للتخفيف من تفاؤل البنتاغون.

فيما يتعلق بخطط مرحلة ما بعد الغزو فإنه لم يشكك أبدا في واقعية ما كان يتوقعه رامسفيلد، الأمر الذي انتهي إلى فشل ذريع يكشف عنه الكاتبان من خلال واقعة بسيطة تتمثل في أنه بعد نحو أسبوع واحد من الاستيلاء على بغداد.

وفيما يشير إلى سيطرة نظرية رامسفيلد بشأن سهولة الغزو، فإن البيت الأبيض ووزارة الدفاع والقيادة المركزية راحوا يركزون على سحب القوات التي قامت بالعملية واستبدالها بأخرى أقل تسلحاً، مما كان يشير إلى المفاهيم والإدراك الخاطئة التي سيطرت على المخططين للغزو.

من ناحية ثانية فإن أهمية الكتاب تأتي من الخبرة التي تعكسها شخصيتا مؤلفيه.. فمايكل جوردون كبير المراسلين العسكريين لصحيفة «نيويورك تايمز» شارك في تغطية الحرب الدائرة على العراق، وغزو أفغانستان، والعديد من النزاعات العسكرية الأخرى. كما ان برنارد ترينور عسكري متقاعد ضمن فريق تابع لسلاح البحرية.

ويعمل محللاً عسكرياً لشبكة «إن بي سي» فضلاً عن عمله كمراسل عسكري سابق ل«نيويورك تايمز» خلال الفترة من 1986 وحتى 1990، ومدير برنامج الأمن القومي في هارفارد من 1990 وحتى 1996 وإليه ينسب البعض فضل كونه مصدر المعلومات الرئيسي في الكتاب ونقله هواجس البيروقراطية العسكرية في البنتاغون وحتى في العراق.

كما ان الكاتبين قدما من قبل كتاب حرب الجنرالات عن حرب الخليج الأولى مما يشير إلى خبرتهما بالقضية التي يتناولانها ويعزز إمكانية تقديمهما المزيد بشأنها.

وينطلق الكاتبان من فرضية أساسية مؤداها أن غزو العراق كان قرارا بخوض حرب لم يكن هناك ضرورة لها وأنه فيما حظيت الحرب بتغطية لم تحظ بها أي حرب أخرى من قبل، فإنها كانت الحرب التي تعبر عن مستوى محدود من الفهم للجوانب المرتبطة بها قل نظيره في أية عملية أخرى شبيهة بها.

ترويج الخطر

من البداية.. يصطحب الكاتبان القارئ في رحلة يطلعانه فيها على كل الخبايا. ففي نهاية 2001 وإثر سقوط كابول في ظل ظروف استثنائية واجهتها إدارة بوش الابن فوجئ كبار القادة العسكريين في البنتاغون باستدعائهم إلى اجتماع غير عادي. ومن هذه النقطة يشير الكتاب إلى الدور المحوري الذي لعبه رامسفيلد في الإعداد لعملية وتهيئة الأجواء لعملية غزو العراق.

لقد تمثل الدرس الذي انتهى إليه رامسفيلد إثر هجمات سبتمبر هي أن الولايات المتحدة يجب أن تبدأ حربها على طالبان ومعسكرات القاعدة في أفغانستان، غير ان هذه الحرب يجب ألا تنتهي هناك.. فالبنتاغون بحاجة إلى اتخاذ مجموعة خطوات تعتمد على استخدام القوة بما يجعل من الأعداء يدركون أن الولايات المتحدة تخوض حربا شاملة ضد الإرهاب والدول المارقة التي تدعمهم.

وعلى ذلك فإنه إثر انتهاء العمليات في أفغانستان كانت الولايات المتحدة تبحث عن المكان التالي والزمان الذي يمكن أن تمارس فيه هذه الرؤية.

لقد كانت الخطة 1003 المتعلقة بعمليات عسكرية ضد العراق جاهزة ويجري مناقشتها في البنتاغون، غير أن أحداث سبتمبر ارتقت بالعراق إلى مرتبة متقدمة في الأجندة الأميركية ليتحول من نطاق كونه مجال خطة إلى كونه مجال تحرك فعلي.

ويستعرض الكاتبان في هذا السياق جوانب من تطورات حرب الخليج الأولى وكيف توقفت القوات الأميركية وقوات التحالف التي شاركت في إخراج القوات العراقية من الكويت عند الحدود ولم تواصل مهمتها لإسقاط نظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين وسط احتمالات قوية بسقوطه على أيدي قادة جيشه وهو الأمر الذي أشار اليه الرئيس بوش الأب.

واذا كان العراق على قائمة المستهدفين في الخطط الأميركية وهو أمر معلوم للجميع ، فإن الجديد الذي يقدمه الكاتبان في هذا المجال هو الكشف عن الكيفية والتفاصيل المتعلقة بعملية تركيز الأضواء عليه فيما بعد أحداث سبتمبر بما انتهى إلى عملية الغزو.

وهنا يشير الكاتبان إلى أن الوثائق التي اطلعا عليها تكشف عن تواطؤ بين رامسفيلد وبول وولفويتز بشأن طرح العراق في صدارة الأخطار على الولايات المتحدة. وحسبما يذكر الكاتبان فإنه في 15 سبتمبر 2001 دعا الرئيس بوش كبار مساعديه إلى اجتماع لمدة يومين في المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد لتحديد سبل الرد الأميركي على أحداث سبتمبر.

وفيما طرح رئيس المخابرات الأميركية جورج تينيت خططه بشأن بدء العمليات في أفغانستان وطرح شيلتون قائد العمليات المشتركة خططا أولية بشأن التدخل العسكري في أفغانستان، في ذات الوقت الذي راح فيه كولن باول وزير الخارجية يقترح أساليب مختلفة يمكن العمل من خلالها على إقناع طالبان بتسليم أسامة بن لادن..

وسط هذه الأجواء فإن رامسفيلد كان يركز على ضرورة إقحام العراق في الموضوع. وبتعبير الكاتبين فقد «شجع» رامسفيد ووولفويتز على طرح العراق كأحد الأخطار.

وتشير الوثائق إلى أن رامسفيلد ووولفويتز توجها إلى الاجتماع وعلى أجندتهما طرح ثلاثة أخطار تواجه الولايات المتحدة وهي طالبان وأسامة بن لادن والعراق.

ويبدو من سياق تناول الكاتبين لتفاصيل الاجتماع أنه كان هناك ترتيب مسبق بين الاثنين على الزج بالعراق.. فلدى طرح رامسفيلد سؤالا بشأن ما يجب القيام به حيال صدام فإن وولفويتز الذي كان جالسا في مقعد خلفي، راح يضغط لجهة المواجهة مع العراق في إطار الحرب الجديدة للإدارة الأميركية مع الإرهاب.

وبعد الاجتماع وفي لقاء على هامش الاجتماع وجد وولفويتز نفسه في نقاش مع بوش وفيما راح الرئيس يبدي تحفظا على الخطط بشأن العراق فإن وولفويتز حرص على أن يزينها له مقدما رؤى تفصيلية بشأن ما يمكن القيام به عسكريا.

العراق والإرهاب

ويبدو أن الرئيس في ختام اجتماعات كامب ديفيد لم يكن مرتاحا أو مستقرا على رأي بشأن الحديث عن إقحام العراق في الأمر، فراح يسأل شيلتون بشأن ما إذا كان قد أخطأ بالتركيز على القاعدة بدلا من صدام، غير أن شيلتون أكد للرئيس بأنه أصاب عين الصواب.. فغزو العراق يمكن أن يثير قدرا كبيرا من الجدل - باعتبار أنه لا يوجد اتفاق بشأن الأسباب التي تدعو إلى ذلك..

فضلا عن أن مثل هذه العملية يمكن أن تفرز حالة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وتقوض التحالف الذي يجري بناؤه من أجل الحرب على الإرهاب، فضلا عن أنه لا يوجد أي سبب ـ والكلام لشيلتون ـ يدعو إلى الاعتقاد بدور للعراق في هجمات سبتمبر.

فماذا كان رد بوش؟ لقد راح بوش يردد : إن هذا هو ما اعتقده أيضا. مضيفا : سوف نصل إلى هذا الهدف ـ صدام ـ ولكن في الوقت والمكان اللذين نحددهما نحن!

غير أن الأمور تطورت فيما بعد على نحو يشير إلى تحقق هدف رامسفيلد من الزج باسم العراق في الحرب على الإرهاب، الأمر الذي تعزز بوجود استعداد لدى الرئيس للاستجابة لهذا الأمر، فرغم أن بوش الابن ظل مواصلا التركيز على القضاء على تنظيم القاعدة، فإنه في الوقت ذاته راح يرسل إشارات تشير إلى أن العراق ما زال أمرا قائما في ذهن.

ففي 16 سبتمبر استدعى بوش مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس وطلب منها استمرار التركيز على أفغانستان وفي ذات الوقت رسم خطط تقوم على أساس وجود دور ما للعراق في هجمات سبتمبر.

وهو ما يكشف عن آلية افتعال الخطر العراقي وأن الأمر لا يعدو كونه يتعلق برؤية بوش وفريقه لإدارة أزمة أحداث سبتمبر باعتماد مقولة أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم إزاء اتهامات التقصير التي طالت كافة أركان الإدارة آنذاك، وباعتبار أن تضخيم الخطر العراقي، وهو خطر قائم في ذهن المواطن الأميركي في كل الأحوال، قد يمثل طوق النجاة من هذه التهمة!.

وفي اليوم التالي عقد بوش اجتماعا مع مجلس الأمن القومي تم خلاله مناقشة الهدف التالي للحملة على الإرهاب بعد أفغانستان وهنا أعاد بوش التأكيد على قراره بشأن خططه المستقبلية وأنها يجب أن تتعامل مع العراق بما في ذلك خطة للاستيلاء على حقول النفط،.. وعلى هذا النحو جرت مخططات استهداف العراق.

تصعيد عقائدي

وفيما يشير إلى اتساع دائرة المحافظين الجدد وأن الأمر لا يقع في دائرة المبالغة يكشف الكتاب في سياق تناوله لهذا الجانب عن اتساع نفوذ ريتشارد بيرل حيث أنه في ظل تولي رامسفيلد وزارة الدفاع ضمن بيرل وضعا مؤثرا لنفسه كرئيس للجنة سياسة الدفاع في البنتاغون.

والتي تعد لجنة استشارية وتقدم مشورات لرامسفيلد بشأن القضايا العسكرية وقضايا خطط الدفاع. وهنا يوضح الكاتبان أن بيرل وجد ما يحقق فيه ذاته من خلال هذه الظروف وينفذ خططه وأجندته.

ففي 19 سبتمبر وفيما كانت الولايات المتحدة تعيش أجواء الصدمة جراء الهجمات وحيث الإجراءات الأمنية على أشدها دعا بيرل أعضاء اللجنة إلى اجتماع لمدة يومين لمناقشة الشأن العراقي. وفي القاعة الخاصة بمؤتمرات وزير الدفاع، اجتمع الحشد ليستمعوا إلى عدد من الزائرين على رأسهم أبرز منظري تيار المحافظين الجدد .

وهو برنارد لويس الأستاذ المتقاعد في جامعة برنستون والمعروف بمواقفه المؤيدة للقيام بعمل عسكري ضد العراق والذي يحظى بتقدير تشيني وبيرل، إلى جانب أحمد الجلبي رئيس ما يسمى بالمؤتمر الوطني العراقي والذي يعتبر المظلة الرسمية للمعارضة العراقية لنظام صدام في المنفى.

وخلال اللقاء راح لويس يبث مزاعمه التي أصبحت فيما بعد بمثابة عقيدة للإدارة الأميركية، وانتهت بها إلى ما لا تحمد عقباه حيث دعا لويس إلى ما أسماه «تحرير العراق»، وهي الدعوى التي تمت على أساسها عملية الغزو، زاعما في الوقت ذاته أن دول المنطقة لن تجد أمامها سوى القبول باستخدام القوة.

وهنا فإن مما تجدر الإشارة إليه أن موقف لويس تجاه العراق في ظل حكم صدام حسين اتسم بالعداء خاصة إزاء مجموع سياساته التي اتخذت الطابع القومي الذي بدا متعارضا مع السياسات الأميركية وبدا أن له تأثيره غير الإيجابي على إسرائيل.

وعلى هذا حرص لويس على رسم صورة مخيفة لصدام محذرا بعد حرب الخليج من أنه قد يعاود هجماته على جيرانه وأنه قد يستعمل أسلحة التدمير والتخريب التي يملكها وبسبب شعوره بالأمان في خندقه المحصن، فإنه حسب مزاعم لويس، من غير المستبعد أن يصل به الأمر إلى المخاطرة بعدوان جوي على إسرائيل بواسطة الأسلحة الكيمائية أو البيولوجية وسترد إسرائيل من دون شك .

وستحصل عواقب لا يمكن توقعها. وإلى لويس ينسب البعض مقولة استقبال العراقيين للجنود الأميركيين بالورود حيث أشار إلى أن الشعب العراقي سيكون مؤيدا للولايات المتحدة حال إقدامها على الغزو لدرجة الابتهاج.

ثم كان أحمد الجلبي المتحدث التالي، وهنا يشير الكاتبان إلى ارتباط اسمه بفضائح مالية في الأردن. ويبدو أن الخارجية الأميركية آنذاك وعلى رأسها كولن باول كانت في واد ثان .

وهو ما يكشف عنه تطورات الأزمة الأمر الذي يؤكده خروج باول من فريق بوش فيما بعد، فحسبما يشير الكتاب فقد كان تقييمها للجلبي سلبيا، فهو بالنسبة لها شخص مخادع.

وليس له سوى قدر محدود من النفوذ داخل العراق، غير انه كان ينظر له بشكل مختلف من قبل صقور الإدارة الأميركية فبيرل وولفوويتز وآخرون في مكتب نائب الرئيس تشيني كانوا ينظرون إليه على أنه شخص موهوب.

وله قدرة على العمل المنظم. ومن المفارقات أنه تم الانقلاب أميركيا على الجلبي فيما بعد، بما أشار إلى أنه لم يكن سوى أداة لتسهيل مهمة الغزو بالشكل التي تبدو معها على أنها مهمة تحرير وليست احتلالاً الأمر الذي سنعرض له بالتفصيل في أجزاء مقبلة من مناقشتنا للكتاب.

المهم أن الكاتبين يشيران، في إطار استعراض أجواء تهيئة الأرضية للزج بالعراق إلى واجهة الأزمة، إلى أن الجلبي في عرضه للموقف الداخلي في ظل نظام حكم صدام، حرص على الحديث عن وضعية هذا الأخير على أنه يمثل قوة محتلة، ما يمثل دعوة لتحرير العراقيين من هذه القوة. كما عمل على تقديم صورة توحي بهشاشة وضع الرئيس العراقي..

فهو محاط بالحراس ويخشى الاغتيال أو التآمر بالانقلاب عليه. وفي مجال تزيين الصورة حرص الجلبي على الإيحاء بأن الأمور خارج نطاق سيطرة صدام..

فالشمال فعليا يتمتع بقدر من الاستقلال، والجنوب يعيش عزلة فعلية، كما أن حرسه الجمهوري يعيش حالة سيئة والضباط لا يتلقون رواتبهم، ورغم أن جيشه يمتلك الدبابات والطائرات وأسلحة الدمار الشامل فإن صدام يمكن الإطاحة به من خلال انقلاب مدعوم بقوات أميركية جوية.

وضمن جهوده لزيادة جرعة الإغواء بتدخل أميركي أخذ الجلبي يرسم صورة متفائلة مشيرا إلى أن مثل هذا التحول يمكن أن يوفر ظروفا أفضل في العراق وينتهي إلى عراق مستقر وحديث وموال للغرب يأخذ بنظام حرية السوق.

في ختام الاجتماع، كان تأكيد رامسفيلد على أنه من الضروري المضي قدما في عملية الإطاحة بطالبان بأقصى سرعة ممكنة، غير أن ذلك لا يجب أن يتم اعتباره أمرا كافيا، فالولايات المتحدة بحاجة إلى القيام بالكثير من أجل التأكيد على أن هناك ثمنا غاليا ينبغي دفعه لمن خطط لهجمات سبتمبر، وأن تكشف بما لا يدع مجالا للبس أنه ليس هناك مجال للأمان للحكومات التي تساند الإرهابيين.

ومن الملاحظات الجديرة بالاعتبار هنا والتي يشير إليها الكاتبان أنه حتى هذه المرحلة لم يكن قد تبلور بعد أي حديث عن ضرورة العمل على تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط وهو المبدأ الذي تم التركيز عليه فيما بعد في إطار تطوير أهداف الغزو الأميركي للعراق لتشمل إعادة هندسة الأوضاع في المنطقة ككل.

الاستعداد للحرب

وبناء على هذه الأجواء بدأ العمل فعليا على إعداد الخطط العسكرية للقيام بعملية غزو العراق. وقامت هذه الخطط على أساس استراتيجية تعتمد الاستيلاء على جزء من جنوب العراق، بحيث تقوم القوات الأميركية بالسيطرة على ميناء أم قصر ومدينة البصرة التي يسكنها أغلبية شيعية .

وحتى الناصرية على طول نهر الفرات على أساس أن يتيح مثل هذا الأمر للولايات المتحدة السيطرة على حقول نفط الرميلة وعزل صدام عن المنفذ البحري الوحيد الذي يعتمد عليه. وكانت التقديرات الأولية لعدد القوات التي يمكن لها القيام بالعملية تتراوح بين 75 ألفاً إلى 100 ألف جندي.

وفي ذات الوقت فقد دعا وولفوويتز وعدد من المحافظين الجدد إلى تسليح المقاومة العراقية واعتبروا أن قوة مكونة من نحو عشرة آلاف فرد على الأقل بمساعدة القوات الجوية الأميركية يمكن ان تقيم أحد الجيوب في جنوب العراق.

ثم تطورت الخطط فيما بعد وبالتحديد اعتبارا من 21 نوفمبر نحو الغزو الكامل للعراق. وهنا يقدم الكتاب بعض تفاصيل رؤى رامسفيلد بشأن هذه العملية ودور فرانكس مقدما لمحة تفصيلية بشأن حياة وطباع هذا الأخير.

لقد كانت المشكلة التي واجهت الولايات المتحدة في سياق الإعداد لتنفيذ عملية العراق هي ما اصطلح على تسميته فيما بعد بتحالف الراغبين في ضوء حاجة الولايات المتحدة لمساعدة مجموعة من الدول سواء لتوفير قواعد أو الحصول على حق مرور طائراتها عبر أراضي هذه الدول.

وفي مارس 2002 لم تكن الولايات المتحدة قد قطعت شوطا كبيرا على هذا الطريق ورغم ذلك كان صقور الإدارة يسعون إلى إتمام العملية بأي السبل وعلى ذلك، فإنه في لقاء بين رامسفيلد وفرانكس، كان السؤال الذي وجهه وزير الدفاع هو مدى إمكانية القيام بالعملية خلال ربيع 2002. لقد كان السؤال بمثابة الصاعقة على فرانكس.

. فقد كان رامسفليد يعتقد بضرورة ان تكون الحرب على أفغانستان والعراق جزءا من عملية واحدة، أو بمعنى آخر ضربة مزدوجة في إطار حرب ادارة بوش على الإرهاب.

ومن أجل تسهيل الأجواء أمام العملية كان الاستقرار على الاستعانة بخبرات تشيني في ضوء خبراته السابقة كوزير دفاع خلال فترة حرب الخليج الأولى من أجل إقناع الدول المختلفة بضرورة مساهمتها وتقديم المساعدة لإنجاز العمليات ضد العراق.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق