قالت لي بعد أن خنقتها العبرة: «يئست من ابني، لا يمكن أن ينصلح حاله، لقد حاولت معه بشتى الطرق، ولكني في كل يوم أكتشف أنه أخطأ خطأ جديداً».

كانت هذه المكالمة قد استمرت نصف ساعة، تشرح لي فيها هذه الأم المسكينة قصة معاناتها مع ابنها المراهق الذي ما إن أطلت عليه مرحلة المراهقة حتى بدت عليه بوادر الانحراف، وسرعان ما تحولت تلك البوادر إلى وقائع حقيقية من الأخطاء والانحرافات التي اكتشفت شواهدها في محفظته يوماً وعلى ثوبه يوماً آخر وذات يوم في هاتفه النقال.

وأياً كان تقدير الأم لمستوى تلك الأخطاء ومدى فداحتها، فقد شكلت لديها هاجساً عظيماً يوحي لها بفقدان ابنها إلى الأبد، وضياع عمر طويل من التربية والحرص على تنشئته التنشئة الصالحة. لقد شعرت تلك الأم بخيبة أمل عظيمة في ابنها الذي طالما تمنت أن تراه ذلك الشاب المتميز بين أقرانه، يشرفها ويرفع رأسها، ولكن كل تلك الأحلام تلاشت مع ما رأته من تصرفات لم تعهدها من قبل في ابنها.

ترى، لماذا وصلت هذه الأم إلى هذه المرحلة؟ ما الذي جعلها تفقد أملها في ابنها هكذا وهي التي سهرت عليه وأرخصت من أجله الغالي والنفيس؟

إنني أرجع السبب إلى أمور عدة، أهمها:

أولاً: ضعف مستوى الثقة بالنفس، انها قادرة على إنجاز مهمة التربية بنجاح، مما يشكل ضعفاً داخلياً حقيقياً يهز عضد الأم ويضعف من عزيمتها التربوية. ثانياً: الجهل بالمرحلة العمرية التي سينتقل إليها الابن وبالتالي عدم معرفة ما الذي يمكن أن يطرأ عليه، فلا يكون الوالدان مستعدين لتلبية حاجة الأبناء في تلك المرحلة. ثالثاً: يظن الكثير من الناس أن عملية التربية فطرية فقط ولا يحتاج الإنسان إلى تعلمها، هو يكرِّر ما كان يقوم به والداه في تربيته.

رابعاً: التشاكي اليائس بين الآباء والأمهات الذين يعانون من مشكلات مع أبنائهم في اجتماعاتهم وحديثهم يشكل خطراً كبيراً في تكريس اليأس في نفوس الوالدين، فكلما شكوا لأحد من أقاربهم أو زملائهم ما يعانونه مع ابنهم فإنهم يجدون أن رد فعل الآخرين هو الشكوى أيضاً من أبنائهم وترديد الكلمات السلبية مثل: «هذا الجيل ما فيه خير».

وتمتلك لحظة اليأس التي يعيشها الوالدان أو أحدهما تأثيراً سلبياً مدمراً في العلاقة بأبنائهم وذلك لسببين رئيسيين:

أولهما: أن الشعور باليأس يضعف طاقة الإنسان ويوقف تقدمه في سبيل حل المشكلة وذلك إيقاناً من الشخص أنه وصل إلى آخر الطريق.

ثانيهما: أن إدراك الابن ليأس والديه من تصحيح أخطائه وتقويمه يجعله أكثر إصراراً عليها وأشد تمسكاً بها وذلك لشعوره بالنصر.

وكلا الأمرين يشكلان خطراً كبيراً. إننا نحتاج في تربيتنا لأبنائنا إلى وجود المحرك الأقوى في دفع الإنسان للعطاء ألا وهو التفاؤل، ألم يقل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: «تفاءلوا بالخير تجدوه»، فمن أراد أن يرى الخير في أبنائه فليتفاءل بأنه سيجد ذلك فيهم بإذن الله، ولا تيأس من روح الله فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الظالمون. فمهما بلغ أبناؤنا من مبلغ في انحرافهم وعصيانهم ـ ولا أكبر من الكفر ـ فإن قلب المربي يجب ألا تتسلل إليه ذرة من يأس، بل يبقى أمله كبيراً بقدر هدفه الكبير في تربية أبنائه.

فكيف نصنع الأمل في قلوبنا كمربين؟

أولاً: لا بد من العلم علم اليقين أن الهداية من الله تبارك وتعالى، فبقدر أملك بالله يكون أملك في هداية ابنك «إن القلوب بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء».

ثانياً: إنه وإن انحرف أبناؤنا أو ضلّوا فلا بد أن هناك جوانب إيجابية وبوادر صلاح موجودة فيهم وعلينا اكتشافها «ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها».

ثالثاً: ان الهداية قد تأتي في وقت لا نتوقعه. ولذلك يجب علينا قراءة سير من اهتدوا في الوقت الذي كان يظن أنهم أفجر الناس، فذاك عمر رضي الله عنه من كان أكثر منه إيذاءً للمسلمين؟

رابعاً: ان اتزاننا النفسي في التعامل مع أبنائنا وقت حدوث الخطأ أو اكتشافه، يجعلنا أكثر قدرة على حل المشكلات بأسلوب تربوي متقن. خامساً: أن الإنسان مهيأ فطرياً أن يكون أباً أو أماً، ولكن هذا لا يغني عن التعلم وأخذ الخبرة من الآخرين، من أصحاب العلم في شؤون التربية.

وكل ما أرجوه أن نسمع نداءً جميلاً في داخلنا كلما في أنفسنا أننا قادرون على التربية، وفي أبنائنا أنهم أهل بأن يكونوا صالحين