تركوا التطور والتقنيات وعزلوا أنفسهم بعيداً عن كل ما يمت للحياة العصرية بصلة، وآثروا رمال الصحراء وقساوتها على رقي دبي وتقنياتها، هناك على بعد عشرات الكيلومترات توقفوا وجلسوا، حيث لا حياة اعتادوها ولا حداثة ولا حتى بيتاً يؤويهم، ففي فناء الصحراء فرحوا وغنوا، ومع سواد الليل ونجومه استأنسوا، وعلى الرمال جلسوا، والخيل والجمال أيضاً جلست معهم وربما كان استغرابها لذلك المشهد أكثر من غيرها.

أكثر من خمسة وسبعين سيارة من ذوات الدفع الرباعي حملت 460 طالباً وطالبة من الجامعة الأميركية في دبي، واقتحمت فيهم رمالاً لا أمان لها، لتأخذهم إلى عمق الصحراء على بعد خمسين كيلومتراً، وتلقي بهم على الرمال يتدبرون أنفسهم في أجواء غريبة وممتعة، وتجربة غنية بالفائدة والمعرفة، إذ استمروا هناك من الواحدة ظهراً وحتى العاشرة مساءً.

لم يكن بمقدور من تعود على الرخاء والمدنية بكل ما فيها من خدمات أن يتعامل مع الصحراء بتجردها من الكماليات، إذ استعان الطلبة المغامرون في رحلتهم الصحراوية ببعض ما يخفف عنهم عناء الأجواء الجديدة، لا سيما «البوفيه» المفتوح الذي اعتادوا عليه، علاوة على النراجيل التي تناثرت روائحها في فضاء الصحراء وتركت أثراً للمدنية في ذلك المكان المتجرد من أبسط مقوماتها.

طلبة الجامعة الذين تمتعوا بمسيرتهم فوق الكثبان الرملية في مغامرة كانت حديثة بالنسبة لمعظمهم، لم يخفوا أنهم تمكنوا من نسيان أو تناسي بعض من روتين حياتهم الدراسية في سبيل الاستمتاع بأجواء أخرى غير اعتيادية، تمنحهم الفائدة والتسلية، لا سيما وهم يمثلون أكثر من سبعين جنسية من العالم،

فكانت التجربة كما وصفوها الدواء الذي يحتاجونه للشفاء من أجواء ربما أدخلت الملل والروتين إلى نفوس بعضهم. هذه المغامرة اختارتها لهم إدارة الجامعة لتزيل عن كاهل بعضهم شيئاً من التعب، وتمنحهم الاسترخاء في أجواء مفعمة بالتجديد والانطلاق، وعن طريق شركة سياحية تم تنظيم المسيرة بحيث يدفع الطالب ثلث تكلفة الرحلة والباقي تكفلت به الجامعة.

أما الشركة السياحية تلك فوفرت للطلبة المشاركين خيمة واحدة كبيرة، تحيط بهم وتتيح لهم مناظر أخاذة للسماء بنجومها الكثيرة المشعة، وفي داخل الخيمة وجدت طاولات صغيرة ومقاعد عربية ونراجيل ومأكولات متنوعة، وشعلة نار كبيرة تمنحهم شعوراً إضافياً بالرومانسية، وتجعلهم ينطلقون بقوة أكبر مع الغناء والاستمتاع.

هوايات متنوعة

هناك حيث لا أثر للحياة العادية التي اعتادوها ظلوا لساعات يمرحون ويلعبون ويمارسون رياضات وهوايات متنوعة، فركبوا الجمال وتزلجوا فوق كثبان الرمال، وانطلقوا في رحلة «سفاري» بالسيارات، وسمروا معاً وأكلوا وشربوا، وبعد أن ازداد الظلام حدة تركوا أماكنهم دون أن يتركوا شيئاً خلفهم، ففي لفتة إنسانية قرروا جميعاً تنظيف الموقع وحمل النفايات إلى مكانها، رغم تمنيهم لو لم يعودوا في تلك الليلة إلى طبيعة حياتهم، ولكن ظروف الشركة التي وفرت لهم هذه المغامرة وطبيعة الصحراء المستضيفة أجبرتهم على الانتهاء بعد عشر ساعات مليئة بالذكرى.

مناف قدور الطالب في كلية إدارة الأعمال ورئيس الهيئة الطلابية القائمة على ترتيب إجراءات الرحلة أكد أن التجربة لا يمكن أن تمحى من ذاكرة جميع من شارك فيها، إذ تكون في كل عام رحلة «سفاري» لطلبة الجامعة، وهذه المرة كانت مميزة بكل ما فيها حيث التنظيم والإعداد الكافيان،

علاوة على توفير تسهيلات كثيرة تمكنَّ الطلبة من التغلب على قساوة الصحراء. وأضاف ان المكان الذي خيَّم فيه الطلبة بدا تراثياً يحكي حضارة الشعب الإماراتي القديمة، إذ انتاب الجميع شعور مغاير كثيراً لما كان متوقعاً، وأيقن الطلبة أن بساطة العيش أكثر ألفة ومحبة من التعقيد والتطور، فهناك حيث لا أزمة سير ولا هواء تلوثه أدوات العصر الحالي، ولا ضجيج أيضاً، كانت المتعة أكبر.

وأوضح أن الاسترخاء في تلك الأجواء جدد عند الطلبة دافعية للدراسة، وخلق لديهم تصوراً حقيقياً عن الحياة العربية القديمة، لا سيما الطلبة الأجانب منهم والذين يمثلون نصف المشاركين، إذ انهم تعرفوا على قدم الحضارة العربية وروح البداوة الحقيقية، حيث تواجد في المكان مشرفون من أبناء البلد يتزينون بزيهم التقليدي، فكانت الرحلة فرصة لنقل الصورة الحقيقية عن العربي الكريم والبسيط والصديق والمتسامح.

وعن انطباعات الطلبة حول الرحلة قال قدور انه وبعد العودة وضع صندوقاً لرصد ملاحظات الطلبة، فجاءت جميعها راضية كثيراً عن فعالياتها، والتساؤل الوحيد الذي وجدناه هو لماذا لم تتواصل الرحلة حتى الصباح، وهذا ما أكده الطالب عزت خلوف الذي أضاف ان المكان كان غاية في الجمال ولم يتوقعه أحد، وخصوصاً مع أدواته الصحراوية الجميلة بعيداً عن الدراسة وأجواء الجامعة الروتينية.

أما عن أدوات الحداثة الغريبة عن البيئة الصحراوية، والتي نقلها طلبة أميركية دبي إلى هناك فقال خلوف ان الطلبة استمتعوا مع السيارات القوية والدراجات النارية والإنارة الكهربائية اللافتة، إضافة إلى الموبايلات و«البوفيه» المفتوح والنراجيل، والتي بدت تغرد في غير سمائها.

وتطرق الطالب جاد الصعبي إلى التنظيم الجيد الذي لازم مسيرة الطلبة في الصحراء، والذي جعل جميع المواقف التي عاشها وزملاؤه جميلة ولا تنسى، فمنذ دخلوا الصحراء انتابهم شعور أنهم على أعتاب عالم آخر مختلف كلياً، إذ شعر برهبة كبيرة لحظة سيرهم على الرمال.

رخاء وهدوء

وأكدت الطالبة بسمة مرهون أن التجربة منحت الطلبة وقتاً طويلاً للاختلاط والتعارف أكثر من وقت الفراغ القليل أثناء الدراسة، فهي ليست عملاً روتينياً، مشيرة إلى أن لكل حياة جوها الخاص، وصحيح أن التكنولوجيا والتقنيات مهمة كونها تسهل حياة الآخرين، إلا أن في الصحراء رخاء وهدوء ونقاء تفتقده دبي المتطورة، ولفتت إلى أن وقت العودة كان بالنسبة لها مخيفاً بسبب الظلام الذي لم يتح لها رؤية شيء.

وأوضحت الطالبة سهية شيخ حسن أنها استمتعت هناك بالتزلج على الكثبان الرملية، وركوب الجمال والخيل والدراجات النارية، ورغم أن هذه الرحلة هي الثانية بالنسبة لها إلا أنها لا تزال تخشى صعود ونزول الرمال أثناء سير السيارة، فهي فتاة لا تحب المغامرات لكنها تستمتع مع لقاء الطلبة في أماكن غير الجامعة والكافتيريا.

بينما أبدت الطالبة باربرة برخش ارتياحها لكل ما في الرحلة من مغامرات، ولجو الألفة الذي تمتع به الطلبة، موضحة أنها رأت في الصحراء جمالاً وغزلاناً وهي المرة الأولى التي تعيش فيها هذه الأجواء، ورغم أن برد الليل كان قارصاً إلا أن المشاركين لم يشعروا به لكثرة الفعاليات ومتعتها التي أنستهم البرد والظلام، فهي لم تملَّ هذه الرحلة لكنها تعبت، وقد تعلمت من مشاركتها وضع حزام الأمان الذي وقاها الارتطام من كثرة الانحدارات والارتفاعات الرملية.

أما زميلتها الطالبة إيفا كمون فأكدت أن الأجواء التي عمت المكان جسدت ما يعيشه جيل الشباب اليوم وبأدوات قديمة، حيث امتزاج جنسيات مختلفة في حالة من الألفة والاحترام، ونقلوا معهم قوانين الجامعة الأميركية ولم يسمحوا لشيء أن يخرج عن المألوف، إذ كان من بين المشاركين عدد من الطلبة المصلين الذين أدوا صلاتهم بشكل طبيعي، وشاركوا الجميع فرحتهم.

تجربة مثالية

وتختتم الطالبة زينة قدور رواية الرحلة الطلابية الصحراوية بالتأكيد أنها أضافت إلى شخصيتها الجرأة والمحبة والثقافة، فالتجربة كانت مثالية وتكللت بالنجاح والتوفيق، واستطاع الطلبة قهر ظروفهم الدراسية وروتين حياتهم بشيء من التسلية والمتعة، أما المفاجأة بالنسبة لها فكانت ركوبها للجمل الذي لطالما ظلت تبتعد حتى عن رؤية صورته لأنها مخيفة كما تقول.

وتعلق داله تاجي فاروقي مسؤولة أنشطة الطلبة في الجامعة الأميركية بدبي على هذه المبادرة بأنها نوع من الأنشطة الخارجية التي تتيح للطلبة فرصة لاختبار تجارب جديدة وفريدة تساعدهم على تطوير مهاراتهم واهتماماتهم خارج نطاق الدراسة، مؤكدة أن مثل هذه الرحلات تهدف إلى تعريف الطلبة بالعادات والتقاليد لدولة الإمارات، بالإضافة إلى تكوين اهتمامات أخرى لديهم خارج إطار المحاضرات.

وأضافت ان هذه الأنشطة تساعد من ناحية أخرى الطلبة في استكشاف كافة جوانب الحياة الجامعية خارج نطاق الدراسة، بما يسهم في صقل مهاراتهم القيادية والاجتماعية وبناء شخصية مستقلة، ونحن نفتح الباب أمامهم للاستمتاع بالحياة والاحتفاظ بذكريات جميلة تبقى معهم إلى الأبد

متابعة: عنان كتانة