نور علي راشد، لم يعرف منذ العام 1958 بأنه مصور الحكام وكبار الشخصيات والمسؤولين في العديد من دول العالم بصورة عامة وفي دولة الإمارات العربية المتحدة بصورة خاصة فحسب، بل انه كان المصور الشخصي للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان منذ ما يزيد على الخمسين عاماً،

وبمعنى آخر تمكن المصور المخضرم القادم من قرية صغيرة تدعى (جوادر) كانت تابعة للسلطنة العمانية آنذاك من معاصرة المرحلة الانتقالية التي شهدتها البلاد قبل وبعد الاتحاد أي من إمارات موزعة على ساحل خليج عمان والخليج العربي إلى اتحاد متين ضمها جميعا لتتلألأ كالعقد الفريد.

كانت بحق نقلة تاريخية منحت الشاب نور فرصة استثنائية نجح بواسطة عدسته السحرية في اقتناصها واستثمارها فيما بعد، ليساهم بفاعلية في توثيق سلسلة لا تعد حلقاتها ولا تحصى من الاجتماعات الرسمية والمؤتمرات المحلية والإقليمية والعالمية بالإضافة إلى اللقاءات التي جمعت بين زايد وأهم رؤساء الدول في العالم،

ناهيك عن المناسبات والاحتفالات السياسية والثقافية والاجتماعية والرياضية المقامة بين فترة وأخرى والتي شكلت فيما بعد جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الدولة، ويكفي أن تلقي نظرة خاطفة على أرجاء سكن نور علي ليلفتك الكم الهائل من الصور وشرائط النيجاتيف المتناثرة في غير ترتيب في كل ركن وزاوية معلنة سخطها وتمردها على ضجة المكان والزمان تمكنا من تحرير بعضها من أسر طال أمده.

سر الاحتراف

أكد نور علي راشد أنه كان بمثابة من يغرد خارج سرب العائلة، حينما أعلن رغبته في احتراف التصوير الفوتوغرافي خلال أربعينات القرن الماضي، بحيث اشتغل والده وجميع اخوته في مجال التجارة وإدارة الأعمال وبرعوا في ذلك، وحاول في بداية سني شبابه أن يسير على خطاهم غير أن عشق الكاميرا تمكن منه بعد أن أهداه أكبر أشقائه كاميرا في إحدى المناسبات، إلا أن حضوره لمعرض فوتوغرافي حافل بصور الحرب العالمية الثانية قلب موازين مشروعاته المستقبلية رأساً على عقب،

فقد أذهلته بروباغاندا الحرب، خصوصاً تلك التي نظمتها كل من بريطانيا وأميركا، ليقرر بعدها احتراف التصوير ويثور على وضعه كتاجر، وأرسله والده إلى بعض أصدقائه ممن يقيمون في دبي والشارقة في محاولة لإقناعه بالعدول عن رأيه مشترطاً عليه أن يتخلى عن الكاميرا في سفره، إلا أنها كانت في مقدمة الأغراض التي حرص نور على حزمها في حقيبة السفر.

قبل وبعد الاتحاد

يسترجع نور في جامعة حياته ذكريات جميلة تعود لخمسينات القرن العشرين، عندما وطأت قدمه أرض الإمارات قبل اتحادها لأول مرة، وبمجرد الإعلان عن وصول الرحلة البحرية التي أقلته من مومباي مروراً بقطر والبحرين ثم الكويت فالبصرة والموانئ الإيرانية وصولاً إلى دبي والشارقة أحس أنه يلج عالماً مدهشاً بكل ما يحويه من شواطئ رملية أخاذة وصحاري عسجدية ممتدة على مد البصر وبيوت عتيقة وحواري مؤنسة وأناس طيبين للغاية يخالطهم حكامهم وولاة أمرهم يوماً بيوم بغير ما تكلف أو جور وتعد،

بل على العكس تماماً، بحيث أبدى الحكام المحليون حرصاً منقطع النظير على إحقاق الحق واستتباب الأمن الأمر الذي لمسته في شخصية المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ووالده من قبله، وشهد العام 1958 أولى المهام الرسمية التي كلف بها نور والمتمثلة في تغطية مراسم الاحتفال الخاصة بتنصيب راشد بن سعيد حاكماً لدبي، وتوالت بعدها العديد من المناسبات والأحداث التي عكف المصور المحترف على توثيقها بالأبيض والأسود.

وأشار إلى أنه في الثاني من ديسمبر من العام 1971 كان الحدث الأهم في تاريخ البلاد لأنه موعد الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة واختيار الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، رئيساً لها وراشد بن سعيد نائباً له، حيث شهدت دار الاتحاد بشارع الضيافة في دبي في مثل هذا اليوم تجمهر الجموع الغفيرة من شيوخ وحكام وعامة الشعب للحضور والمشاركة في هذا اليوم التاريخي، ويضيف أنها كانت المناسبة الأبرز على الإطلاق التي يشارك فيها منذ احترافه للتصوير الفوتوغرافي،

معبراً عن أحاسيس متناقضة اجتاحته طوال السويعات التي كان ينهمك خلالها في تصوير الحكام وهم يتباحثون ويتشاورون ويتبادلون التهاني في الختام، وبالفعل استحق الحدث كل هذا الزخم والاهتمام لأن العالم بأسره لا يزال يشيد بهذا الاتحاد ويضرب به مثالا يحتذى به في الوحدة والتكامل والتجانس.

ذكر من بين المواقف التي تشهد على وطنية زايد وشجاعته وجرأته في قول الحق في الوقت ذاته ان سموه قام بجولة قبيل الإعلان عن قيام الاتحاد شملت بريطانيا، وخلال مؤتمر صحافي عقد هناك بحضوره شخصياً والملكة اليزابيث، طرح عليه أحد المراسلين الصحافيين البريطانيين سؤالا ما إذا كان انسحاب بريطانيا من إمارات الدولة سيعرض البلاد لمخاطر وتهديدات جيرانها لها؟ رد زايد بحزم وجرأة: (فلتنسحب القوات البريطانية من بلادي لأثبت للعالم أننا كحكام وشعب متحدين قادرين على أن نواجه أعتى قوة في العالم بالتباحث والدبلوماسية).

زايد الإنسان

زايد الحاكم لم يتناقض وزايد الإنسان لحظة واحدة طوال فترة حكمه، بهذه العبارة استهل نور علي حديثه عن زايد مردفاً أن رفقته التي امتدت لعشرات السنوات المتلاحقة للشيخ زايد كشفت له عن جوانب عديدة من شخصية سموه التي قد يجهلها الكثير من عامة الناس، فخلال هذه الفترة الطويلة استطاع مصورنا أن يرافق زايد في أغلب سفراته ورحلاته متباينة المآرب والبلدان، ويحضر مجالسه التي يعقدها لالتقائه بأبناء شعبه.

قال نور إن الشيخ زايد كان يؤمن بضرورة العطاء ومد يد العون والمساعدة للآخرين دون انتظار أخذ المقابل، مما يفسر مساهماته الجليلة في إقامة وترميم الكثير من الصروح والآثار التاريخية في العديد من دول العالم، وخصوصاً العربية منها مثل سد مأرب في اليمن ومكتبة الاسكندرية والمشاريع الحيوية في كل من المغرب والسودان وفلسطين عدا المعونات المادية والعينية والمعنوية المتواصلة للدول والمناطق المنكوبة من العالم والتي تقع تحت خط الفقر والحرمان العالمي.

وساق مثالا على إنسانية زايد ونظرته الحضارية للآخر مهما بدا مغايرا له في اللون والدين والايدولوجيا، ففي زيارة رسمية قام بها زايد بن سلطان إلى سويسرا في إحدى السنين فتح في نهاية الزيارة أبواب مجلسه لاستقبال جميع من يرغب في تلقي المساعدة والمعونة من سموه،

فما كان من الموظف المسؤول عن توزيع المعونات النقدية إلا أن سارع في الاستجابة للأشخاص الذين اصطفوا في طوابير طويلة بالترتيب حتى جاء دور رجل سويسري يبحث عن مساعدة مادية وفجأة امتنع الموظف عن تزويده بالمال، فبادر بسؤاله عن سبب امتناعه هذا، وأجاب الموظف ان هذا الشخص يهودي الديانة ولا يستحق من وجهة نظره أموال المسلمين،

ولم يلق هذا الحديث استحسان زايد الذي علق حينها (سوف يحصل كل محتاج لجأ إلينا على المال والديانة هنا ليست مقياساً لاستحقاقهم له)، ثم أمره بمتابعة توزيع المال والبدء حيث توقف ليتسلم في مقدمة المتلقين السويسري اليهودي نصيبه كاملاً.

«ابن الإمارات»

ولم يتردد نور في أن يضرب بشخصه مثالاً حياً على كرم وعلو أخلاق وشهامة الشيخ زايد، ففي مختلف المناسبات والأعياد وبعد أن ينفض الجمع وينجز نور عمله على أكمل وجه، يناديه سموه ويقربه منه موجها إليه سؤالاً عما إذا كان ينقصه شيء أو يحتاج إلى أي مساعدة من أي نوع كانت،

ودائماً ما كان يشد من عزيمته ويرفع معنوياته بأحلى العبارات وأحب الألقاب إلى قلبه، حتى أنه معظم الوقت كان لا يدعوه إلا بلقب (ابن الإمارات)، لأنه عاصر ماضيها العتيق الأصيل وطفرتها الحضارية والعمرانية الحديثة وشارك في مسيرتها بكل عطاء وحماسة الشباب، ولم يقدر يوما أن يغادرها فقد كان يحن إليها حنين الطائر المهاجر إلى موطنه لاسيما وأنه حظي بالتقدير والترحاب البالغين.

زايد والتعليم

حول تشجيع التعليم والتفوق العلمي من خلال دفع عجلة التعليم إلى الأمام بين نور على أن لزايد نظرة ثاقبة ورؤى تستشعر حاجة المستقبل ومتطلباته في كل المجالات والميادين، ولاسيما قطاع التعليم، بحيث أعلى من مكانة المعلم وكان كادر المدرسين قبل قيام الاتحاد يتشكل في معظمه من العرب من مصر وفلسطين وسوريا وغيرها،

ولفت نور إلى أنه خلال زيارة الشيخ زايد لمدارس عديدة في إمارات الدولة سواء للبنين أو البنات كان يصر إصراراً شديداً على أن يتعرف إلى طاقم المعلمين فيها ويستمع إلى مقترحاتهم وأفكارهم حول تطوير عملية التعليم وسبل تهيئة الظروف المناسبة لذلك، ابتداءً بالمدرسين واحتياجات الطلبة، وحتى بذل الجهود لاستكمال البنية التحتية المتواضعة في بداياتها، مبدياً رغبته في أن تواكب المدارس في الدولة حركة التطور والحداثة أسوة بنظيراتها في الدول المجاورة.

قسم اللغة

ومن بين انجازات الراحل العلمية والثقافية في إطار التعاون الحضاري مع دول العالم، وعملاً بالحديث الشريف (اطلبوا العلم ولو في الصين)، بادر إلى تأسيس قسم لتعليم اللغة العربية مزود بأحدث الأجهزة والمعدات والمباني على نفقته الخاصة، وذلك في جامعة بكين في الصين، واستطاع هذا القسم على مدى سنوات طويلة تخريج دفعات من الطلبة الصينيين المتمكنين من اللغة العربية وقواعدها النحوية، عملوا فيما بعد في السلك الدبلوماسي في قنصليات وسفارات بلدانهم في الدولة العربية، ومن بينها دولة الإمارات العربية المتحدة.

شخصية كاريزماتية

وصف نور علي راشد شخصية الشيخ زايد بأنها شخصية كاريزماتية بحق، الأمر الذي يمكنك أن تلحظه مباشرة في كل قول من أقواله كما في أفعاله كلها وحتى لفتاته وإيماءاته، لذلك فإن الجميع يستشعر وجوده ليومنا الحاضر بالرغم من مرور عام كامل على وفاة سموه، ويرجع السبب إلى سلسلة الانجازات والنجاحات المتتالية التي حققها خلال فترة رئاسته التي تجاوزت الثلاثة عقود في جميع الميادين والقطاعات الحيوية من تجارة وصناعة واقتصاد وثقافة وخدمات بشقيها التعليمية والصحية.

حوار: لولوة ثاني