مع كل درجة كانت ترتقيها كوندي في سلم المناصب الأمنية والسياسية، كانت تثبت في كل مرة قدرة فائقة على الجمع بين مهام صانع السياسة ومهام من يدير دفة تلك السياسة.
ومع ذلك، فإن هذه الحلقة الجديدة من الكتاب الذي بين أيدينا تعرض لموقفين يصلان إلى حد التناقض ظهرا غداة هجمات 11 سبتمبر، وجوهرهما يتعلق بأسلوب الرد على تلك الهجمات والوسائل التي يجب أن يتم اللجوء إليها وتوظيفها فيما بات يعرف بالحرب ضد الإرهاب.
ومن الواضح للعيان أن موقف وزيرة الخارجية الأميركية، إن لم نقل تفكيرها السياسي برمته، قد تجذر أثناء هذه الأزمة الخانقة، التي عاشتها القوة العظمى الوحيدة في العالم.
و ظهرت معالمه من خلال العديد من المواقف المعلنة لرايس والتي وضعت نفسها من خلالها ضمن الفئة المتشددة من تيار المحافظين الجدد المسيطر على مقاليد الأمور في إدارة بوش الحالية.
كانت المحادثات الأميركية ـ السوفييتية بشأن الصواريخ إحدى المهام الأساسية المكلفة بها كوندي. وفي القمة التي عقدت في مزرعة بوش في تكساس وافق بوش وبوتين على إجراء خفض كبير في ترسانتهم النووية، غير انهما لم يصلا إلى اتفاق بشأن معاهدة الصواريخ البالستية المضادة للصواريخ المثيرة للجدل.
وذلك رغم أجواء المحادثات التي بدت مواتية على مدى أيام القمة الثلاثة. ورغم ما أبداه الزعيمان من تقدير كامل لكل منهما إلا أن قضية هذه المعاهدة بقيت معقدة تستعصي على الحل. ومع ذلك فإن هذه القضية لم تقف عقبة أمام تطور علاقات الدولتين.
ومع تقدير الدور الذي لعبته كوندي والذي تتيه به المؤلفة، إلا انه لا يمكن إنكار أن هناك مجموعة من المتغيرات أفرزت هذا التطور على رأسها انهيار الاتحاد السوفييتي وبالتالي تراجع موقفه كقوة عظمى على رأس النظام الدولي، فضلا عن تطورات أخرى عديدة شهدها هذا النظام مع بداية حقبة التسعينات.
وهي التطورات التي تعرض لها المؤلفة في سياق الحديث عن دور كوندي في إدارة سياسة الولايات المتحدة ويأتي على رأسها أحداث 11 سبتمبر التي أدت إلى توافق أميركي روسي بشأن ما درج على تسميته بمكافحة الإرهاب والتي بمقتضاها أطلقت الولايات المتحدة يد روسيا في الشيشان مقابل قيام روسيا بدعم الأهداف الأميركية في إطار هذه الحملة رغم ما بدا من تعارض بين الدولتين في بعض الأحيان.
* واشنطن وموسكو
المهم أن المؤلفة تشير إلى أنه بعد 11 سبتمبر فإن التحالف الحيوي بين البلدين بشأن مكافحة الإرهاب كان له تأثيره على مسار محادثات التسلح. فإدارة بوش مضت قدما بشأن خطط الانسحاب من معاهدة الصواريخ الباليستية غير أن ذلك لم يكن له تأثير سلبي على معاهدة خفض التسلح التي وقعها بوش وبوتين في ربيع 2002.
وقد سافر بوش إلى موسكو وسان بطرسبرج من أجل القمة مع بوتين في مايو وأسفرت المحادثات عن إتفاق بين البلدين على إزالة نحو ثلثي الصواريخ النووية طويلة المدى خلال فترة عشر سنوات وانسحبت الولايات المتحدة رسميا من معاهدة الصواريخ الباليستية في يونيو 2002 .
ومع مساهماتها في أجندة بوش بشأن نظام الدفاع الصاروخي ودقتها في التنسيق بشأن التدفق الكبير للمعلومات التي ترد إلى مجلس الأمن القومي بشأن الحرب على الإرهاب، نجحت كوندي في إقامة توازن جيد بين دورها كمستشارة للأمن القومي والمساهمة الفعالة في صنع السياسة، فأثبتت قدرتها على الجمع بين دور صانع السياسة ومديرها في الوقت ذاته.
ومع ذلك عاشت كوندي لحظات عصيبة بسبب تحدي الإرهاب حسبما تشير المؤلفة الأمر الذي كان يعكس مدى القلق الأميركي الناجم عن أحداث سبتمبر حتى أصبحت القضية موضع حديث كل مواطن أميركي .
ومما يشير إلى ذلك أن كوندي واجهت في لحظات عديدة تساؤلات بشأن المدى الذي وصل اليه خطر الإرهاب. ومن ذلك تلقيها مكالمة من صديقة لها في بيرمنغهام اسمها ديبورا كارسون عبرت خلالها هذه الصديقة عن قلقها من خطر الإرهاب ومن أسامة بن لادن.
وحسب رواية المؤلفة، فإن كوندي تلقت في ذلك اليوم مكالمة من صديقتها عبر طفلها الذي لقنته أن يسألها عن الموضوع قائلا : إن بن لادن رجل سيء، وأنت والرئيس سوف تضعانه في السجن. لقد راحت كوندي تضحك قائلة :
جو. إن أول شيء سوف أذكره للرئيس في الصباح أنك قلت إننا سوف نضع بن لادن في السجن. بغض النظر عن مدى أهمية هذه المكالمة إلا أنها تعكس أجواء القلق الذي يعيشه الأميركيون من جراء الإرهاب.
وهو الأمر الذي يشكل تناميه عامل فشل للإدارة الأميركية وعلى رأسها كوندي. وهو الفشل الذي عكسته تطورات الفترة التالية في الولايات المتحدة فبينما كان البحث عن بن لادن، متواصلاً، بدأت جلسات الاستماع في الكونغرس.
وبدأت واشنطن في محاولة للكشف عن الخطأ الذي وقعت فيه الاستخبارات الأميركية عندما ظهرت تقارير في مايو 2002 تشير إلى أن إدارة بوش كان لديها علم باحتمال قيام تنظيم القاعدة باختطاف طائرات قبل وقوع أحداث سبتمبر 2001.
* تهديدات غير محددة
وهنا راحت كوندي تكشف للصحافة، تحت ضغط هذه التقارير، إلى أي حد كانت السلطات الأميركية مطلعة على هذا الأمر. وكان مما أعلنته أنه مع بداية ديسمبر 2000 بدأت التقارير الاستخبارية تشير إلى تزايد المخاوف من عمليات إرهابية..
وقد كانت هناك تقارير بشأن تهديد محتمل من القاعدة بالهجوم على أهداف أو مصالح أميركية بما في ذلك احتمال اختطاف طائرات. وفي نهاية يوليو 2002 قالت كوندي ان تقارير أخرى صدرت من الـ ئئء أشارت إلى انه لا توجد أهداف محددة.
وأنه ليس هناك معلومات يمكن الوثوق بها بشأن هجوم على مصالح الطيران المدني الأميركي، غير أن المجموعات الإرهابية من المعروف أن تخطط وتتدرب على عمليات اختطاف وأننا نطلب منكم على هذا الأساس اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
وأضافت كوندي أن معلومات المجتمع الاستخباري كانت تشير إلى أن من الممكن ان تحدث هجمات ضد مصالح أميركية في الخارج مثل الهجوم على سفارة غير أنها لم تتوقع هجمات على الأرض الأميركية.
ومما ذكرته كوندي في ذلك الوقت قولها: أود ان أعيد التأكيد على أنه خلال هذه الفترة فإن الاتجاه الغالب لأكثر التقارير إنما تركز على أن الهجمات يمكن أن تحدث عبر البحار.
كما أشارت أيضا إلى أنه لم يتوقع أي شخص أن يتم استخدام الطائرات الأميركية كقنابل انتحارية «إنني لا اعتقد أن أي شخص كان يمكن له أن يتوقع أن هؤلاء الناس يمكن لهم أن يأخذوا طائرات ويصدموا بها مركز التجارة العالمي وأن يستولوا على أخرى ويصدموا بها مقر البنتاغون».
ورغم كلمات كوندي إلا أن شهادتها على هذا النحو تثير التساؤلات بشأن أبعاد الموقف الأميركي. قد لا يصل الأمر إلى حد المؤامرة حسبما يحلو للكثيرين الحديث، إلا أنه لا يمكن إنكار أنه يعكس خطأ من قبل الإدارة الأميركية في التعامل مع هذه التحذيرات الأمر الذي يرقى إلى حد القصور.
وبالإضافة إلى جلسات الاستماع في الإدارة بشأن تحليل الأنشطة الإرهابية والتطورات اليومية المتعلقة بالحرب على الإرهاب، فإن مجلس الأمن القومي عقد مناقشات بشأن أزمات مثل الحرب المحتملة بين الهند وباكستان، والهجمات الانتحارية وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، وكذلك احتمالات قيام الولايات المتحدة بعمليات حربية في العراق خلال النصف الأول من 2002.
وبما أنها متخصصة في الشؤون السوفييتية، فقد كان على كوندي أن توسع معرفتها وخبرتها بتلك المناطق من أجل إعداد توصيات المجلس بشأن هذه القضايا وغيرها من القضايا العالمية والوصول إلى وجهات نظر مختلفة بشأن السياسة الواجب اتباعها لتقديمها إلى الرئيس.
* خبرة أحداث سبتمبر
تسرد لنا المؤلفة بعد ذلك بعض الجوانب التي تشير إلى التغيرات التي ألقتها أحداث سبتمبر على نمط عمل البيت الأبيض، فتذكر أنه بعد هذه الأحداث أصبحت عطلة نهاية الأسبوع للرئيس بوش في كامب ديفيد يوم عمل أساسي وقد كانت كوندي تقضي الكثير من عطلات نهاية الأسبوع في كامب ديفيد أكثر من أي شخص آخر من مستشاري بوش.
كما أنها كانت في الغالب الضيف الرئيسي في مزرعة بوش في كراوفورد «البيت الأبيض الغربي» المخصص للاستقبالات الرسمية الخاصة بالأعمال وكذلك الاستقبالات ذات الطابع الاجتماعي.
وهنا تروي لنا المؤلفة جانبا من انعكاسات هذه اللقاءات على سياسات البيت الأبيض مشيرة إلى أن الطابع غير الرسمي في بعض الأحيان والذي كان يسم لقاءات المزرعة كان له تأثيره على الخروج ببعض الأفكار التي وجدت طريقها إلى التطبيق في السياسة الأميركية.
ومن ذلك مثلا حسبما تشير المؤلفة أنه خلال تواجد كوندي في المطبخ بالمزرعة مع لورا بوش ومستشارة الرئيس كارين هيوز ولدى التطرق إلى الحرب في أفغانستان فإن ثلاثتهن توصلن إلى فكرة إسقاط علب أغذية هناك من أجل التخفيف من نقص الأغذية الكبير في أفغانستان.
وقد تحول حديثهن هذا إلى واقع عندما تم اتخاذ قرار رسمي بذلك وأسقطت الطائرات الأميركية شحنات من الأغذية على أفغانستان في أكتوبر 2001.
تشير المؤلفة إلى التأثير الكبير الذي تسببت فيه أحداث سبتمبر على شخصية كوندي فتذكر كلمة لكوندي ألقتها في أوائل عام 2002 وفيها لخصت مشاعرها بشأن هذه الأحداث في كلمات تعبر عن حماسها ونظرتها للمستقبل.
وتكشف عن تأثير التنشئة التي تربت عليها من قبل والديها والسعي أن تكون إيجابية، وبغض النظر عن توصيف المؤلفة فإن قراءة هذه الكلمات بإمعان وفي ضوء السياسة الأميركية يشير إلى أن كوندي لم تتجاوز في ذلك كونها تعمل في حقل السياسة.
وأن المشاعر وغيرها جوانب ليس لها سوى تأثير محدود. لقد راحت كوندي تقول: إن لدينا التزام بعالم يتسم باتساع نطاق حركة التجارة، عالم تسوده الديمقراطية، وحقوق الإنسان لكل شعوب العالم حيثما كانت.
إن 11 سبتمبر يجعل من ذلك الالتزام أكثر أهمية وليس أقل. ولعل مرور هذه الكلمات لكوندي دون مناقشة من المؤلفة فضلا عن إيرادها في سياق يبدو فيه الإعجاب بشخصية كوندي إنما يشير إلى بعد مفقود في تناول المؤلفة لسيرة حياتها وأن الأمر لا يعدو سوى أن يكون سيرة تسجيلية.
* أهداف مثالية
وإذا كنا لسنا في معرض مناقشة تفصيلية لهذه الجوانب التي تطرقت لها كوندي فإن تطورات السياسة الأميركية بعد هذه الأحداث تؤكد أنها تسير على عكس الأهداف التي تحاول كوندي أن توحي لنا بها وليس أدل على ذلك.
فيما يتعلق ببعد واحد من هذه الأبعاد هو حقوق الإنسان مما تكشف مؤخرا بشأن قضية السجون السرية في أوروبا التي كان يتم فيها تعذيب المشتبه بهم بشأن عمليات الإرهاب .
وهي القضية التي ألقت بظلالها على علاقات أوروبا بالولايات المتحدة باعتبار أنها كانت تتم على أراضي هذه الدول دون علم بعض قادتها! وهي القضية التي كانت أشبه بالعاصفة التي واجهت كوندي لدى زيارتها الأخيرة لأوروبا.
تنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى تداعيات أحداث سبتمبر على الإدارة الأميركية وفي القلب منها كوندي مشيرة إلى أن هذه الأحداث كانت بمثابة مرحلة فاصلة في تاريخ الأمة الأميركية وانتقلت بها إلى مرحلة جديدة وأخذت الولايات المتحدة معها إلى حرب مثيرة للجدل..
فقد أدت هذه الأحداث إلى إثارة التساؤلات حول إدارة بوش لشؤون البلاد خاصة تجاه الإرهاب قيما قبل وقوع هذه الأحداث . فبالإضافة إلى شرح سياسات الرئيس في هذا المجال حسبما حصلت في تلك الفترة فان كوندي راحت تدلي بشهادتها أمام لجان التحقيق لشرح ما قامت به في هذا الصدد.
وقد كان للجدل الذي أثير وأحاط بجلسات الاستماع التي شاركت فيها قصة في حد ذاتها ومثلت مرحلة مضطربة في حياتها الوظيفية.
نجاح مثير للجدل
مع حلول صيف 2004 تزايد دور كوندي كأقرب مستشاري الرئيس بوش في البيت الأبيض بشكل كبير حتى أنها أصبحت تحتل مكانة محورية في صنع السياسات الأميركية بشكل عام والخارجية بشكل خاص. وفيما يشير إلى الإدراك العام لهذا الدور اختارت مجلة فوربس كوندي على رأس قائمة النساء الأكثر تأثيرا في العالم.
وقالت المجلة إن كوندي تلعب دور المستشار لزعيم القوى العظمى الوحيدة تقريبا على مستوى النظام الدولي ويصغي لها معظم قادة العالم، مضيفة أن ذلك يجعل منها المرأة الأكثر قوة وتأثيرا في العالم.
وتشير المؤلفة إلى أنه رغم أن كوندي أصبحت معروفة بشكل كبير كأحد المستشارين الأساسيين في مجلس الأمن القومي في تاريخ الولايات المتحدة، إلا أن العامل الأساسي في زيادة تأثيرها على الساحة العالمية إنما تمثل في الحرب على العراق والأجواء التي مهدت لهذه الحرب منذ عام 2002.
مع هذا الفصل الجديد من السياسات الأميركية والذي لعبت فيه كوندي دورا اتسعت مساحته مع توليها فيما بعد وزارة الخارجية فإن نجاح كوندي يصبح مثار جدل إزاء الإخفاقات الأميركية، الأمر الذي لم تستطع معه كوندي سوى الاعتراف بهذا الفشل.
لقد لعبت كوندي دورا كبيرا في تنفيذ قرار إدارة بوش مواصلة خططها بشأن الحرب على «الإرهاب» باستخدام القوة العسكرية ضد العراق.
وتمثل هذا الدور في المتحدث الفعلي باسم الرئيس وتوصيل رسالته إلى وسائل الإعلام في المؤتمرات الصحافية، وكذلك في المحادثات السياسية. وهنا تعرض لنا المؤلفة بالتفصيل مراحل الاستهداف الأميركي للعراق.
لقد راحت الإدارة تكشف عن مواقفها على هذا الصعيد في 2002، ولقد أدلى ديك تشيني نائب الرئيس بوش حول ذلك بتصريحات تعكس توجه الإدارة ضد العراق في ربيع ذلك العام حيث أعرب في مؤتمر صحافي في 17 مارس مثلاً عن قلقه إزاء مخزون العراق من الأسلحة واحتمالات حصوله على سلاح نووي.
وفي أغسطس نقلت كوندي انطباع الرئيس بوش عن صدام حسين، وذلك في مقابلة أجرتها معها إذاعة «بي بي سي» قائلة: إن الرئيس العراقي إنسان شرير، وإذا ما ترك لحاله، فإنه سوف ينقلب على شعبه وجيرانه وإذا ما حصل على أسلحة دمار شامل فإنه سوف يستخدمها ضدنا جميعا.
وفي محاولة لتعزيز منطقها، راحت كوندي تثير بعداً أخلاقياً بشأن ضرورة تحقيق هذا الهدف المتمثل في إقصاء صدام ويتمثل هذا البعد في درس التاريخ وتبرر الولايات المتحدة ضرباتها الاستباقية وفق ما شرحت قائلة:
إن التاريخ مليء بالحالات التي أدى فيها عدم الفعل إلى نتائج مأساوية على مستوى العالم، يجب أن ننظر إلى الخلف وأن نسأل كم عدد الديكتاتوريين الذين انتهى بهم الأمر إلى أن يصبحوا بمثابة تهديد شامل للعالم وأن يتسببوا بمقتل الآلاف بل وملايين البشر، فهل يجب أن نترك أمثال هؤلاء لكي يواصلوا مسيرهم؟
التحريض ضد صدام
وفي مقابلة مع ال«بي بي سي»، أيضاً في سلسلة أعدتها الإذاعة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لأحداث سبتمبر تحت عنوان «مع الولايات المتحدة أم ضدها»، كررت كوندي أقوال الإدارة بشأن صدام حسين وأنه طور أسلحة بيولوجية وكذب على الأمم المتحدة عدة مرات بشأن مخزون الأسلحة لديه.
والغريب هنا في متابعة هذا الموقف أنه يكشف عن تباين كبير عن مواقف أستاذها سكوكروفت الذي أوصلها إلى البيت الأبيض وأتى بها إلى الإدارة كخبيرة في الشؤون السوفييتية وشؤون أوروبا الشرقية.
ففي رأي له نشر في «وول ستريت» في نفس اليوم الذي أدلت فيه كوندي بتصريحاتها ل«بي بي سي» حذر سكوكروفت من أن الحرب الأميركية على العراق يمكن أن تؤدي إلى تحولها عن الحرب على الإرهاب وعزلها عن المجتمع الدولي الذي يمكن ألا يساند هذه الضربة. فضلا عما يمكن أن تؤدي إليه من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.
وحسب قوله فإنه «لا يوجد دليل كاف يربط بين صدام حسين والإرهاب والمنظمات الإرهابية أو حتى عن وجود علاقة له بهجمات سبتمبر.
ومن خلال التركيز على العراق فإن الرئيس يحد من الأهمية التي تحتلها أولوية الحرب على الإرهاب في السياسة الأميركية ويحد من المساندة العالمية التي استطاعت واشنطن حشدها في أعقاب هجمات 11 سبتمبر». وحسبما ذهب إليه سكوكروفت فإن الهجوم على العراق في هذا الوقت سوف يقوض الحرب على الإرهاب إن لم يتراجع بها إلى مرتبة متأخرة.
ولم يكن سكوكروفت يعتقد فقط أن الهجوم على العراق يمكن أن يحول أميركا فقط عن الحرب على الإرهاب، ولكنه كان يرى أنه إذا ما تمت مثل هذه العملية دون مساعدة من حلفاء أميركا التقليديين، فإنها يمكن أن تكون بالغة التكلفة.
وحسبه، فإنه يوجد إجماع ضمني في العالم ضد ضرب العراق في هذا الوقت وإزاء الإصرار على هذا الموقف فإن الأمر يتطلب أن تتبع الولايات المتحدة استراتيجية واقعية تقوم على أساس أنها ستخوض الحرب بمفردها وهو ما يعد أمرا صعبا ومكلفاً.
ومع ذلك فإن الكلفة الخطيرة سوف تكون الحرب على الإرهاب وتجاهل أن رأياً واضحاً سوف يفضي إلى تدهور في الموقف العالمي المتعلق بالتعاون الدولي ضد الإرهاب وببساطة وحسب كلماته: «إننا لا نستطيع كسب الحرب دون تعاون دولي ملموس خاصة في مجال الاستخبارات».
تبعات خطرة
بالإضافة الى ذلك، فإن سكوكروفت تنبأ بنتائج بالغة الخطورة في المنطقة اذا ضربت الولايات المتحدة العراق. ووفق ما ذهب اليه، فإن الشرق الأوسط الذي يعتبر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو الصراع الأساسي بالنسبة له سوف يفسر مثل هذه الضربة على أنها تحويل الأنظار عن الصراع أو تهميش له بمعنى آخر.
وهذا يمكن أن يؤدي الى حالة من الفوران والغضب ضد الولايات المتحدة. يضيف سكوكروفت بدلا من المساهمة في تقديم حل لذلك الصراع طويل الأجل، فإنه يمكن أن ينظر إلينا على أننا نتجاهل أحد المصالح الأساسية للعالم الإسلامي من أجل ما نراه مصلحة أميركية برؤية تتسم بضيق الافق».
على عكس سكوكروفت، فإن خطاب كوندي كان يتجه الى تسوية الأمر من خلال الحل العسكري وعلى أساس أن تقوم الولايات المتحدة بذلك بمفردها.
وعندما أعلنت فرنسا وألمانيا وروسيا أنها لن تنضم الى التحالف في ربيع ، 2003 فإن رد فعلها كان حادا وبلهجة بدت عدوانية، معلنة أن سياسية الولايات المتحدة يجب أن تقوم على عقاب فرنسا وتجاهل ألمانيا والعفو عن روسيا.
هذا الخط المتشدد يبدو متناقضا مع التوجه الأكثر اعتدالا الذي كانت تراه كوندي في رؤى سكوكروفت بشأن منهج السياسة الخارجية الأميركية والذي عبرت عنه في مقال لها بمجلة «الفورين أفيرز» في يناير 2000.
وطبقا للمقربين من كوندي، فإن أحداث 11 سبتمبر أدت إلى تحول في وجهات نظرها وإدراكها للعالم ووضعتها على طريق أكثر محافظة. فبعد الهجمات باتت رؤيتها للسياسة الخارجية أصبحت أكثر انعكاسا لذلك الموقف الذي يمثله الرئيس والمحافظين الجدد أعضاء إدارة بوش، والذي يتمثل في اعتقادهم بأن أحداث سبتمبر كانت بمثابة إنذار حسبما يقول كوندز بلاكر أحد أصدقاء كوندي، وأن هناك أشياء معينة يجب القيام بها قد تكون مؤلمة، عنيفة، ولكن يجب القيام بها.
لقد اعترفت كوندي بأن توجهاتها التي تعبر عن خط متشدد وأكثر محافظة لم تكن تعبر عن موقفها وتوجهاتها لدى وصولها الى البيت الأبيض. وتشير الى أن هذه التوجهات إنما نمت لديها بفعل تركيز الرئيس على القيم العالمية والحرية.
فالرئيس، حسبما تذكر كوندي، لديه توجه محدد بشأن ما يجب أن تكون عليه السياسة الخارجية، ليس فقط بشأن ما هو الصواب وما هو الخطأ ولكن أيضا بما يجب عمله: «وما لا يجب عمله. وهي تقول بهذا الصدد « لقد وجدت نفسي أرى الأمر على هذا النحو».
