دائما نعيش مع المدارس الخاصة حالات شد وجذب نظراً لما تعانيه من ضعف الرقابة وغلبة الصبغة التجارية عليها، والعديد من المخالفات ترتبط بتراخيص وكثافات طلابية وتلاعب في رواتب معلمين وغيرها، ولكن عندما يرتبط الأمر ببث أفكار مسمومة ومغلوطة في عقول أبنائنا الناشئة فلا بد من وقفة ومراجعة
واتخاذ إجراء رادع ضد من يروج لتلك الأفكار عبر كتب دراسية تضم مضمونا يخالف عاداتنا وتقاليدنا وربما يمس الأخلاق والدين ما يحدث تشويشا لعقول أبنائنا الطلبة الذين قد يلمس بعضهم تعارضا بين ما يتردد في منزله من أفكار وما يقوله الكتاب المدرسي.
المشكلة الأكبر أن هذه المخالفات تقع في غفلة من وزارة التربية والتعليم وفي ظل عدم تحمل الإدارات المدرسية لمسؤولياتها والدليل أن كشف أي كتاب مخالف يكون عادة من خلال أولياء الأمور الذين يفاجأون خلال متابعة أبنائهم بموضوعات غاية في الزيف والعنصرية ولا تحترم الآخر و
من ثم تنكر المدرسة معرفتها بما يدرس لديها، ولكن كم من الكتب لم تكتشف بعد بل وكم من طالب تخرج وقد درس سنوات عدة أفكارا مزيفة ومغلوطة؟، ومن المسؤول الحقيقي عن ذلك، وما الحلول المطلوبة في ظل تأكيد العديد من أولياء الأمور أنهم ضد استقلالية المدارس لشعورهم بأن إدارات عدة منها غير مؤهلة من واقع ما يسمعونه ويرونه من مخالفات يومية في وجود وزارة معنية ومناطق تعليمية مسؤولة؟.
الدكتور عبيد بن بطي المهيري مدير مركز تطوير المناهج في وزارة التربية والتعليم قال إن المدرسة حال تطبيقها لأي نظام أجنبي جديد فانه يتم موافاتها بما عليها عمله لتكون متماشية مع معايير التعليم الخاص وقوانينه ومن هذه الجوانب ما يتعلق بالكتب الدراسية وضرورة التأكد من خلوها من أي مضمون يخالف الدين أو العادات أو التقاليد والأخلاق وتزود المدرسة باللوائح الموضحة لذلك إضافة إلى قوائم بالكتب التي دققت ويمكن تدريسها والكتب المرفوضة،
مشيراً إلى أن المدرسة مطالبة قبل إقرار أي كتاب بمراجعته والتأكد من خلوه من أي مغالطات أو مخالفات وإبلاغ ذلك للوزارة مع كتابة إقرار يؤكد ذلك. وأضاف انه لا يمكن أن ننفي عدم وجود الكوادر الكافية والمتخصصة التي نحتاجها للقيام بعمليات التدقيق ومراجعة الكتب الأجنبية القادمة من خارج الدولة ولكن يجب ألا ننسى أن كم المدارس الخاصة التي تشرف عليها الوزارة يبلغ نحو 450 مدرسة وهي ذات مناهج مختلفة وكتب كثيرة ومتفرعة متسائلاً:
كيف سيتم التعامل مع هذا الكم الهائل من الكتب؟، لذا لا بد أن تتحمل المدارس مسؤوليتها وتقوم بدورها في عملية الرقابة على الكتب معتبرا أن المخالفات التي تبدر من بعض المدارس الخاصة بشأن مخالفتها في المناهج المدرسية لا يمكن الحكم عليها والجزم بأنها متعمدة ولكنها ناتجة عن جهل باللوائح أو تقاعس عن بذل الجهد المطلوب وتدقيق الكتاب والاكتفاء بالمرور السريع على موضوعاته.
صاحب الترخيص
وتعتبر ناعمة العرياني مدير إدارة المدارس الأجنبية في وزارة التربية والتعليم أن صاحب ترخيص المدرسة كونه مواطناً من أبناء البلد تقع عليه مسؤولية كبيرة في متابعة المدرسة والتأكد من الكتب التي يتم تدريسها وأنها لا تمس ولا تتعارض مع عاداتنا وقيمنا ولا تحمل أي مساس بالأديان السماوية أو خلوها بما يتنافى مع الأخلاق، مشيرة إلى مسؤولية مدير المدرسة بالطبع وضرورة تأمين المختصين من الهيئة التعليمية لتدقيق الكتب طبقا للتخصص.
وذكرت أن المسألة تقوم على شراكة خاصة في إطار ما تعانيه وزارة التربية من عدم وجود جهاز إشرافي كاف ومتخصص لمراجعة المناهج وتدقيق الكتب لجميع المدارس مع وجود نحو 18 منهاجاً أجنبياً مطبقاً، مؤكدة على حاجة المدارس إلى الإشراف والمتابعة خاصة من خلال تأمين توجيه فني مختص لكل منهاج يكون من مهامه التعاون في متابعة الكتب المدرسية وتوضيح مدى صلاحية كل كتاب للتدريس.
دورات تعريفية
وتقترح مدرسة إدارة المدارس الأجنبية الخاصة أن يكون هناك دورات أو لقاءات تعريفية لمديري المدارس الجدد وخاصة من هم من الأجانب الذين لا يعرفون كثيرا عن عادات الدولة وتقاليدها وكل اللوائح والنظم لتفادي أي مخالفة يمكن أن تقع بسبب الجهل أو الاستهانة بما يدرس لأبنائنا الطلبة وهذا التوضيح لا بد أن يسبق المحاسبة.
وقالت: إننا بحاجة إلى جهاز فني يضم مختصين في المناهج الأجنبية ويمكن الاستعانة فيه بخبرات من الميدان من مديري المدارس المعروفين بإمكاناتهم، إضافة إلى أن المسؤولية عن حماية أبنائنا مشتركة فلا بد أن تتضافر مختلف الجهات لأن المعلومات غير الصحيحة يمكن أن تصل للطلاب عن طريق كتب في المكتبات أو حتى من الانترنت التي يجب أن يكون هناك تحكم بها وسيطرة عليها في المدارس.
الرقابة الذاتية
حياة حمود مديرة مدرسة الانترناشونال كميونيتي تحدثت عن الرقابة الذاتية المفترض وجودها لدى الإدارة والمعلمين في المدرسة فلديهم لكل مادة رئيس دائرة يقوم مع عدد من معلمي المادة بتدقيق الكتاب المدرسي وهناك موضوعات وصور أحيانا لا بد من طمسها لمخالفتها اللوائح والقوانين ويتم موافاة الوزارة بنسخة من الكتاب مع تعهد من المدرسة بأنها راجعت الكتاب،
وتعتبر أن الوزارة لا يمكنها تدقيق كل الكتب لأن لدينا أعداداً كبيرة من المدارس ذات المناهج المختلفة والمواد الدراسية المتفرعة إضافة إلى وجود عوائق لغوية، والرقابة الذاتية هنا مطلوبة وعلى كل عنصر في العملية التعليمية تحمل مسؤولياته. وأضافت انه إذا كان الجزء الأكبر من الكتاب مخالفاً فإن الاستغناء عنه أفضل وفي حال قيام أي مدرسة بمخالفة من هذا النوع فإن العقاب لا بد أن يكون رادعاً لما يمثله ذلك من خطورة على تنشئة طلابنا.
أين الوزارة؟
الدكتور جهاد عبد الغني مدير مدرسة النهضة الوطنية الخاصة قال: قبل أن يتسلم الطلاب كتبهم فإن هناك منسقاً مختصاً لكل مادة يقوم بمراجعة الكتاب والتأكد من خلوه من أي تجاوزات أو مغالطات ترتبط بدين أو أخلاق أو تقاليد، مشيراً إلى أن كتب العلوم هي الأكثر حاجة إلى التدقيق لأن بها صوراً علمية نعمل على طمسها لأنها تخدش الحياء ونحن لا نتناولها بهذه الصورة في المجتمع المحلي، لافتاً إلى أنهم يقومون بالتدقيق بأنفسهم لأنه كثيرا ما يرسلون كتبا إلى الوزارة للمراجعة
ولكن عادة لا يصلهم الرد. وقال إن الوزارة بحاجة لكوادر مختصة في الأنظمة الأجنبية بإمكانها تغطية ذلك الكم الهائل من المدارس، فلا بد من حدوث تجاوزات في ظل غياب الرقابة، فاللوائح المكتوبة والقوائم التي توزع بالكتب المصرح بها أو الممنوعة غير كافية وحدها لمنع هذا النوع من التجاوزات الذي لا يمكن الاستهانة به لأنه مرتبط بتنشئة أبنائنا.
تهديد وظيفي
آصف عبد المنعم مدرس لغة إنجليزية في إحدى المدارس الخاصة ذكر أن إشكالية الكتب غير المدققة واضحة في المدارس الأجنبية فهناك كتب وخاصة القصص والاجتماعيات تحمل أفكاراً وموضوعات لا تتناسب مع أفكارنا ومعتقداتنا وقيمنا الإسلامية بل تخالفها وتشوهها، ويوضح مثالاً على ذلك،
إحدى القصص التي يدرسها لطلابه والتي تحكي عن فتاة إيرانية من أصل يهودي هاجرت من إيران إلى أميركا لأن إيران بلد قمع ديني بينما أميركا بلد الحرية والديمقراطية وهي تحمل العديد من الأفكار السيئة ومن هنا يؤكد الحاجة إلى رقابة. وأشار إلى أن المشكلة التي يواجهها مع طلابه من ناحية الأسئلة التي يطرحها البعض وتعبيرهم عن رفض ما يذكر بل إننا قد نجد طالباً من منطلق ثقافة أسرته وبيئته العربية المسلمة يقوم بطمس بعض الصور المرتبطة بالآخر
وكل هذا في النهاية تشويش وتشويه لأفكار أبنائنا لذا لابد أن يكون المنهاج المدرسي موضوعياً ومحايداً من دون تحيز لدين أو عرق أو فكر. ويشير آصف إلى أن بعض المعلمين يعلمون ويدركون تلك الأخطاء في الكتب ولكن لا يمكنهم التعبير عن قناعاتهم خوفاً من التهديد الوظيفي مما يضطرهم إلى السكوت حفاظاً على المهنة لذا هناك حاجة إلى الرقابة المشددة على الكتب وعدم ترك الأمور على مدير المدرسة.
الجهل وراء المشكلة
وتذكر عبلة النصيرات رئيسة قسم اللغة العربية في مدرسة الانترناشونال كميونتي أنها تعاني من هذه المشكلة منذ 17 عاماً وهي سنوات عملها مع المدارس الأجنبية، وصادفت العديد من الحالات ذات العلاقة بكتب مدرسية تدرس للطلاب وتضم العديد من المغالطات التي تتنافى مع الدين والتقاليد وأكثرها يتواجد عادة في القصص وكتب التاريخ والاجتماعيات فمثلا «استبدل فلسطين على الخريطة بإسرائيل» وهذا أمر مرفوض لدى أي عربي،
كذلك وجدت في كتاب ابنتها خلال المراجعة معها عبارات تقول «إن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم هو رجل من الأعراب إدعى معرفة الخالق وتبعه بعض الجهلة الأعراب» فراجعت المدرسة التي قامت بحذف الصفحات المعنية لذا فدور ولي الأمر مطلوب. وقالت النصيرات هذه المشكلة كبيرة خاصة أن المدارس تقوم بإرسال قائمة إلى الجهة الخارجية التي ستمدها بالكتاب وبمجرد وصوله تتسلمه المدرسة وتوزعه على الطلاب والمفروض أن يدقق أي كتاب من قبل الوزارة ولا يترك الأمر بالكامل للمدرسة،
مشيرة إلى الحاجة الماسة لوجود كوادر فنية متخصصة لمراجعة الكتب إضافة لتوفير توجيه مختص للمواد الأجنبية ويا حبذا لو كان من العرب أصحاب الخبرات الميدانية لأنهم الأكثر معرفة باللوائح والنظم في الدولة ويجب أن تكون المتابعة سنوية لأن الكتب تتغير وتتطور وان لم تتغير عناوينها. وترى أن معظم مخالفات المدارس المرتبطة بالكتب نابعة من جهل وليس تعمد الإساءة.
معاناة الأجنبية
محمد نزير مدير المدرسة الباكستانية العالمية قال إنه لا يجب ترك مسؤولية تدقيق الكتب على المدارس وحدها فإذا كنت ملتزماً فهذا لا يعني أن الجميع كذلك وكثير من الأخطاء تقع نتيجة الجهل وعدم المعرفة باللوائح خاصة مع مديري المدارس الأجانب الجدد الذين لا يعرفون الكثير عن طبيعة البلد والتي لابد من توضيحها لهم، مشيراً إلى أن الوزارة تعطيهم اللوائح وقوائم بالكتب المسموحة وأخرى بالمرفوضة ولكن الأمر بحاجة إلى الرقابة والمتابعة المستمرة،
وقال إن كثيراً من المشكلات عانوا منها في السابق لعدم وجود إدارة متخصصة ولكن وجود إدارة مدارس أجنبية مختصة أمر خدمهم بشكل كبير، فقد كانوا يرون الوزارة سابقا أشبه بقسم للشرطة لديها الرقابة والعقاب فقط على افتراض معرفتنا بكل القوانين ولكن الآن هناك أبواب مفتوحة للحديث معنا ونحن سارعنا إليها لأننا نريد الأفضل لأبنائنا ولكنه يرى أنه لا يزال هناك معاناة مع المناطق التعليمية فيما يتعلق بالمدارس الأجنبية فلا وجود للكوادر المتفهمة للأنظمة والمناهج الأجنبية وبالتالي كل مشكلاتهم يحولونها على الوزارة ولا يجدون أي مجيب عن استفساراتهم في المنطقة.
لا لاستقلالية المدارس
عفراء ولية أمر أوضحت أن لديها ستة أبناء يدرسون في مدارس خاصة منهاج بريطاني وفي مثل هذا المنهاج هناك جوانب مغفلة مهمة لارتباطها بالجوانب الوطنية والقناعات لدى أبنائنا فهم يركزون في المدرسة على تاريخ الدول الأوروبية أكثر من تاريخ الدولة وتقدم لهم المواد الأساسية من العربية والإسلامية والتاريخ ضعيفة مقارنة بالكم الأجنبي،
وأشارت إلى أن التعليم سيصبح أسوأ وربما يدمر اذا ترك الأمر للإدارات المدرسية دون الوزارة أو المناطق لأن هناك مشاكل كثيرة الآن نعاني منها مع المدارس الخاصة ذات الأنظمة الأجنبية المختلفة والتي لا يخضع العديد منها لمعايير محددة وذلك رغم وجود الوزارة فالحال سيتدهور إذا ترك الأمر لإدارات مدرسية يعتمد غالبيتها على التجارة بالإضافة لعدم أهلية المدير للقيام بواجبه التربوي، وطالبت بوجود رقابة على المدارس.
سلوى حليمة، معلمة مراحل تأسيسية في إحدى المدارس الخاصة أكدت أنه لا يوجد رضا بشكل عام عن المناهج وطريقة تطبيقها، والمشكلة الأكبر المدارس الأجنبية أنها تفتقد للرقابة والمتابعة المستمرة إضافة إلى غياب التوجيه الفني المختص وتأثيره الكبير على الأداء ويعطي المجال لوجود المخالفات بل واستمرارها،
مشيرة إلى أن خطورة المخالفات في مضمون المنهاج المدرسي الذي يعد مشكلة لا يستهان بها وبحاجة إلى معالجة جذرية من خلال إيجاد المختصين ووضع المعايير التي تنظم عمل المدارس الأجنبية ولا تترك الكل يطبق ما يشاء وكيفما يشاء. وقالت: إن المدارس اليوم أصبحت أشبه بالسوبر ماركت حيث الجميع يتنافس لاجتذاب الزبائن من أولياء الأمور بعرض امتيازات مختلفة وكلها تصب في جانب الربحية و تضع اعتبارا لمصلحة الطالب فهي آخر همهم.
عقدة الخواجة الرقابة على الكتب الأجنبية التي تدرس يلعب المعلم فيها دوراً مهماً والمشكلة أن بعض المعلمين الأجانب في مدارسنا يحملون أفكاراً غير إيجابية تجاه العرب أو المسلمين ولابد من أن تراجع أي مدرسة سيرته الذاتية قبل جلبه للعمل لديها خاصة من ناحية المؤهل
حيث أكدت إحدى المعلمات ذات الخبرة في الميدان أن هناك معلمين أجانب ليسوا في الأساس تربويين بل منهم المهندس والطبيب الذي لم يكمل تعليمه بعد ويدرسان مواد علمية بل إنها فوجئت بمعلمة رياضة تدرس لغة انجليزية ورياضيات، فهل يكفي أن يتحدث المرء الانجليزية ليكون معلماً في مدرسة أجنبية؟ لدينا الكفاءات الوطنية والعربية الجديرة بتدريس المواد بالأجنبية وهم أعلم بطبيعة طلابنا بدلاً من الاستعانة بمن هم أقل كفاءة فقط لأن الإنجليزية لغتهم الأم، أم أنها عقدة «الخواجة» التي تجعل المعلم الأجنبي أفضل من العربي؟!!
تحقيق: لبنى أنور



