انتهت معركة البنادق على ضفاف نهر دجلة. وحان وقت انتشال الجثث. الرقيب كورتز باول كان ينظر إلى الفك المتهشم لقتيل كان قد أطلق عليه النار بنفسه عندما نصب المسلحون شركاً لدورية أميركية داخل مناطق زراعة القصب المظلمة. خمسة جنود آخرون من الوحدة 101 المحمولة جوا ظهروا أخذوا في سحب جثتين من داخل حقول القصب عبر الأراضي الطينية.
ورفع الجنود الجثتين إلى داخل سيارة «هامفي» العسكرية الأميركية رباعية الدفع وقاموا بربطهما بحبل غليظ. وكانت أرجل وأذرع الجثتين تصطدم ببعضها البعض في الهواء عندما بدأت السيارة في التحرك بقوة على الأرض.
وقفت مجموعة من العائلات العراقية أمام المنازل المحيطة بالمشهد. وكانوا يشاهدون منظر الجثتين والسيارة تحملهما وأخذوا يحدقون في وجوه الجنود الأميركيين.
منذ 15 شهرا عندما أرسلت وحدة المشاة الأولى نحو 000, 5 جندي أميركي وعراقي لاستعادة مدينة سامراء من المسلحين السُنة، كان الأمر بمثابة اختبار لقدرة الجنود الأميركيين ليس على التهدئة فحسب وإنما أيضا على إعادة بناء جزء من العراق تسيطر عليه الأقلية السنية.
وبعد ذلك بأكثر من عام، كان الجنود الأميركيون مازالوا يقاتلون المتمردين في سامراء. حمامات الدم تدمر المدينة وتتسبب في ضرب أسافين بين العراقيين الذين يعيشون هناك وبين القوات الأميركية التي تحاول إشاعة النظام.
غير أن أعمال العنف وفساد رجال الشرطة والعمليات التي يقوم بها رجال العصابات-كلها يتسبب في تبديد أي آمال في النصر.
يقول ميجور كيرتس سترينج-36 عاما-: «الأمر ينذر بكارثة محققة. الحياة تسير من سيئ إلى أسوأ بالنسبة للعراقيين». ويضيف الميجور الذي يعمل مع القوات العراقية في سامراء: «عندما ترى سامراء يتملكك شعورٌ بأنك تريد أن تبني مدينة جديدة وتنقل إليها كل هؤلاء الناس».
عدد كبير من الجنود الأميركيين الذي يخدمون في المدينة يقولون إنهم لا يرون أن هناك أملا كبيرا في تحسين الوضع في سامراء. وبعض الضباط يعبرون سراً عن قلقهم من أن المدينة ستسقط في أيدي المتمردين فور انسحاب القوات الأميركية.
يقول الكابتن ريان إدواردز ـ 31 عاما ـ من مدينة بين في ولاية أوهايو الأميركية والحاصل على درجات أكاديمية في شؤون الشرق الأوسط من جامعة ويست بوينت:
«ما يعلمه المتمردون هو أننا نفتقد الإرادة على ملاحقتهم. ليس الجيش الأميركي هو الذي يفتقد الإرادة ولكن الشعب الأميركي وقيادته هما اللذان يفتقدانها».
معظم الأراضي العراقية، بما فيها الأراضي الكردية والتابعة للشيعة، تُعتبر خالية نسبيا من هذا النمط من العنف الموجود في سامراء.
وعلى الرغم من ذلك فإن الفشل في تأمين سامراء والمناطق السنية الأخرى في وسط وغرب العراق، حيث تقع نحو 85% من أعمال العنف اليومية، سيهدد وحدة الدولة ويمكن أن يقوّض تركة إدارة بوش في العراق.
السور الترابي الذي بناه الأميركيون حول سامراء سمح بوجود ثلاث نقاط تفتيش يمكن للمقيمين العبور منها بعد إبراز بطاقات الهوية الخاصة بهم. وبعد تشييد ذلك السور تقلص عدد سكان المدينة من 200 ألف إلى نحو 90 ألفاً بحسب إحصائيات المسؤولين الأميركيين.
وتسبب السور في تراجع أعمال المتمردين بحوالي النصف، حيث لا يقع حاليا سوى ما بين 8 إلى 10 هجمات في اليوم. ولكنّ تلك الهجمات عادت إلى الزيادة مرة أخرى. والملاحظ بشدة في الفترة الأخيرة هو أن هناك حالة شك كبيرة تنتاب القوات الأميركية من قوات الشرطة العراقية.
خلال الشهر الماضي، قُتل 33 من قوات الشرطة المستقدمين من سامراء عندما أوقع مجموعة من المسلحين حافلتهم في فخ وأطلقوا على رؤوسهم الرصاص كما لو كان الأمر بمثابة حكم بالإعدام.
ومعظم العراقيين يفترضون أن المسلحين السنة قد قتلوا هؤلاء الرجال كي يرسلوا إنذارا إلى أي شخص قد تسول له نفسه الانضمام إلى قوات الأمن.
غير أن برانون، قائد سرية برافو، يرى أن عملية القتل كانت من تدبير مجموعة من ضباط الشرطة الذين يتنافسون على السيطرة على القبائل التي تورد المجندين الجدد.
يقول برانون: «لا يمكنني الاعتقاد بأنهم ليس لديهم صلة بما حدث وأرى أن شخصا من الداخل سرّب معلومات بشأن مكان الحافلة ومسارها. هناك قدر كبير من الاعتبارات السياسية هنا».
ويضيف برانون أن الجنود العراقيين في المنطقة ليسوا أفضل حالا. ويشك المسؤولون العسكريون الأميركيون في أن عددا كبيرا منهم، بمن فيهم قائد السرية، يتلقون أموالا من المتمردين.
وقد تم نقل الجنود العراقيين من نقاط التفتيش في المدينة الشهر الماضي إثر صدور تقارير استخبارية تفيد أن أكبر إرهابي مطلوب في البلاد، وهو أبو مصعب الزرقاوي حليف القاعدة في العراق، قد منح الجنود العراقيين 7000 دولار بعد أن تركوه يدخل المدينة للتفاوض حول اتفاق عسكري.
ومن المعروف أن الفرقة 101 المحمولة جوا تخطط لنقل السيطرة على المدينة إلى قوات الشرطة العراقية بحلول الأول من يونيو المقبل.
وبعد مرور خمسة أيام على هجوم شنه المتمردون اُستخدمت خلاله القنابل اليدوية، كان ليفتنانت جنرال دينيس كول الذي يتولى قيادة الفيلق الثاني الأميركي، يخطط مع رجاله للقيام بدورية راجلة تدخل تحت نطاق أعمال كسب عقول وقلوب العراقيين، والتي يأخذ الجنود خلالها في تقاذف الكرة مع الأطفال الصغار.
وفي الوقت الذي كان يتهيأ كول للخروج من مقر إقامته، سمع صوت طلقتين من مدفع رشاش فوق سطح مركز الإقامة.
واتضح أن الذي أطلق النار هو الاختصاصي مايكل بينا، وهو شاب في الحادية والعشرين من عمره من بورت إيزابيل في ولاية تكساس.
وأسرع كول ورجاله إلى الباب الأمامي فور سماعهم صوت النار. واتضح أن بينا قد أطلق النار على رجل عراقي غير مسلح يسير في الشارع.
عادة ما تطلق الوحدات العسكرية العاملة في العراق طلقات تحذيرية في الهواء. غير أن تلك القوات التي يطلق عليها قوة «الواجب» (راكاسان) لا تطلق تلك الطلقات عندما يقترب الشخص من منطقة الحزام الأمني.
وبعد الحادث بأيام قليلة، قال كول إن القيادة الخاصة باللواء الذي يتولاه قد أخبرته أن جنود الراكسان لا يطلقون أي طلقات تحذيرية. ويقول كول إن الطلقة التحذيرية في قاموس الراكستان هي الطلقة التي تصيب رجلا عراقيا حتى يعتبر الآخرون مما حدث له.
يتساءل كول وهو لا يكاد يصدق نفسه: «تلك هي الطريقة التي يحذرون بها رفيقه، وهو أن يطلقوا على وجهه الرصاص؟ ولكن ماذا لو أن رفيقه جاء بشخص آخر وأن هذا الآخر جاء ب15 رجلا آخرين من عائلته تسببتم أنت في جعلهم إرهابيين؟».
وفيما كان ينظر على الرجل الملقى على الأرض، صرف كول وجهه إلى الطبيب باتريك ماكيري وسأله: ماذا بحق الجحيم كان يفعل ليستحق هذا؟
لم ينبس ماكيري ببنت شفه. لقد كانت أعضاء الرجل الداخلية ملقاة بجانبه وكان الدم يسيل على الأرض. لقد كان واعيا ويتأوه. وكانت عيناه نصف مغلقتين.
وتساءل ماكيري والعرق بدأ يظهر على حاجبيه: «بماذا ضربوه؟ ألم يطلب أحد عربة الإسعاف بعد؟»وبدأ آذان الصلاة في المسجد وسُمعت بوضوح عبارات «الله أكبر. الله أكبر».
وعند سماعه كلمات المؤذن، رفع الرجل الملقى على الأرض نظره إلى السماء وأخذ يردد العبارة التالية: «يا الله. يا الله. يا إلهي».
ونظر إلى ماكيري ورفع أصبعه في اتجاه المنزل الواقع أمامه. وقال بانجليزية ضعيفة: «هذا منزلي». وما كان من ماكيري إلا أن أخذ في جمع أعضاء الرجل ووضع بعض الضمادات على جسده ثم أخذ في الصريخ: «إنه يُغمى عليه! إنه يُغمى عليه!»
وفيما كان ينظر إلى عيني الرجل الذي كان يحتضر، قال الطبيب: «يا حاج. يا حاج». وكان يستخدم ذلك اللقب المبجل لدى المسلمين والذي يُطلق على اللذين قاموا بالحج إلى مكة. وفيما أوشكت عيناه على الانغلاق تماما، تساءل الرجل: «لماذا، لماذا؟» وردّ عليه ماكيري: «لا أدري يا حاج!» قالها والعرق يتصبب من وجهه.
ووصلت عربة الإسعاف وتلتها عربة الهامفي. ثم وصلوا جميعا إلى المستشفى الذي كان الجيش قد قصفه قبل أيام قلائل. ووصل الجنود وبدأوا ينظرون الرجل وهو يحتضر.
ترجمة: حاتم حسين
عن: «آرمي نيوز سيرفيس»