تمضي هذه الحلقة الجديدة من الكتاب الذي بين أيدينا في إلقاء الضوء على جوانب العلاقة المميزة جداً التي تجمع رئيس الولايات المتحدة بوزيرة خارجيته، حيث تسوق مؤلفة الكتاب العديد من الأمثلة القوية على اصطفاء بوش لرايس من بين جميع أعضاء إدارته في العديد من المهام ذات الطابع السري الخاص، خصوصاً عندما كانت الإدارة الأميركية تبذل قصارى جهدها لتبرير قضية استخدام القوة وربط هذا الموضوع بالمثل والقيم الأميركية.
لكن الأهم من كل تلك التفاصيل المعروفة أصلاً، يكمن في أنه من حق القارئ أن يجري مقاربة بسيطة بين سلوكيات أعضاء الإدارة الأميركية الحالية فيما يتعلق بعلاقتهم بالرئيس وسلوكيات أعضاء أي نظام سياسي ينتمي إلى ما يسمى بالعالم الثالث، حيث يرفع شعار «لا صوت يعلو على صوت الرئيس».
ولهذا القارئ الحق في ملاحظة أن سلوك رايس المتطابق بصورة مطلقة مع كل ما يصدر عن الرئيس أو ينطق به، إنما يدل بقوة على تماثل واضح بين هذا النوع من السلوك السياسي وذلك السائد بين الرؤساء وأعضاء حكوماتهم في الدول، التي تحكمها أنظمة توصف بالديكتاتورية.
تنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى مرحلة أخرى في تفسير المكانة التي احتلتها كوندي في السياسة الأميركية في ظل فترة بوش الابن بشكل خاص فتشير إلى أنه مما يفسر هذا الوضع التوافق بين كوندي وبوش بشأن العلاقة الإيمانية القوية لكل منهما.
وتوضح ذلك بالإشارة إلى أن القيم التي عبر عنها بوش في خطابه خلال الاحتفال الأول بذكرى مرور عام على الهجمات الإرهابية تميط اللثام عن الطابع الديني لسياساته الخارجية. فقد كان التوجه الأخلاقي الذي أشارت إليه كوندي واضحا في تعليقات بوش بشأن واجب أميركا في نشر قيمها ومثالياتها عبر العالم.
وفي سبتمبر 2002، أشار إلى أن الهجمات على الأمة الأميركية كانت هجمات على المثل التي تقوم عليها الأمة أيضاً.. مضيفا أن إيمانهم القومي الراسخ قائم على أن الحياة الإنسانية لها قيمتها حيث انها هبة من الخالق الذي يدعو إلى العيش في حرية ومساواة.
مضيفا: وهذا هو ما يميزنا أكثر من أي شيء آخر عن العدو الذي نحاربه.. هذا العدو الذي يمثله أي إرهابي أو طاغية يمكن أن يمثل تهديدا لحضارتنا بأسلحة دمار شامل.
ويواصل بوش حديثه عن الوعد المقدس للأمة الأميركية معلناً أن «قضيتنا أكبر من دولتنا فقضيتنا هي الكرامة الإنسانية والحرية التي تسترشد بالضمير الإنساني ويحميها السلام».
مضيفا أن هذه المثل الأميركية هي أمل كل الجنس البشري.. هذا الأمل الذي ما زال يضيء طريقنا، والضوء يلمع في الظلام، والظلام سوف يتم قهره والتغلب عليه.
وفي بيان له تم بثه من خلال الراديو أعاد بوش مرة ثانية التأكيد على التهديد الذي يمثله صدام حسين بالنسبة للعالم الأمر الذي يجب تقويضه من خلال تدخل أميركي وعالمي.
وبعد عدة أسابيع من إبدائه هذه الآراء ألقت كوندي كلمة في فندق والدورف استوريا في نيويورك لخصت خلالها استراتيجية الأمن القومي للرئيس بوش.
وفيما أقرت بمكانة القيم ودورها في صنع قرارات السياسة الخارجية الأميركية في مقاله بـ «الفورين آفيرز» عام 2000، فإنها هنا أكدت على الحاجة إلى التكامل بين الجوانب المتعلقة بالمثل وقضية استخدام القوة. وحسبما قالت آنذاك فإنه «في الحياة الحقيقية يتم المزواجة بالكامل بين القوة والقيم».
وعلى شاكلة الرئيس فإن كوندي تركز في الوقت الحاضر على دور المثل في السياسة الخارجية باعتبارها أداة في تحديد قيم الأمة. وفي هذا تقول: إن غاية السياسة الخارجية هي تحقيق الأمن والدفاع عن شعبنا ومجتمعنا وقيمنا مثل الحرية التسامح.
والانفتاح والتنوع. كما أنها تصف السياسة الخارجية انطلاقا من رؤية جديدة تتسم بالمبالغة غير الواقعية القائمة على وجود صراع يقسم العالم منذ 11 سبتمبر بين قوى الفوضى وقوى النظام؟.
في ضوء هذا التوافق، كان من الطبيعي أن تسود رؤى كوندي بشأن السياسة الخارجية وهي الرؤى التي انتهت بالإدارة الأميركية إلى المثول أمام لجان خاصة في الكونغرس للتحقيق معها.
وفي سياق استعراضها لتطورات الموقف الأميركي تجاه العراق ورؤى كوندي بشأنه تشير المؤلفة إلى أن مجلسي النواب الشيوخ مررا إجراء يسمح للرئيس باستخدام القوة العسكرية ضد العراق في أكتوبر 2002. وفي الشهر التالي أقر مجلس الأمن القرار 1441 الذي يدعو إلى عودة المفتشين مجددا إلى العراق.
وفي يناير 2003 نشرت كوندي مقالة افتتاحية في «النيويورك تايمز» تحت عنوان «لماذا نعرف أن العراق يكذب» لخصت فيه عدم استجابة الرئيس العراقي صدام حسين لفرق التفتيش، مشيرة إلى أن فرق التفتيش لم تحصل على حق المرور بحرية عبر المواقع المختلفة التي طلبت تفتيشها بمقتضى القرار 1441.
وأضافت أن الوعود العراقية الجديدة بالتعاون ليست سوى محاولة لاستنزاف الوقت. وخلصت كوندي إلى أن العراق يتعامل مع عملية التفتيش كمباراة وحذرت في الوقت ذاته من أن الولايات المتحدة يجب أن تدرك أن الوقت ينفد من بين يديها.
وفي وقت لاحق واصلت كوندي لهجتها الحادة تجاه العراق في رفض واضح لإعطائه الفرصة حيث نشرت مقالة أخرى في «التايمز» هذه المرة، عرضت فيها لقضية كانت في طريقها لأن تصبح موضوع نقاش ساخن في الإدارة الأميركية حيث تعرضت إلى التقرير المقدم إلى الأمم المتحدة والمكون 12200 صفحة بشأن برنامج التسلح العراقي.
وقد راحت كوندي تردد أن التقرير أخفق في تحديد أو شرح جهود العراق للحصول على مادة اليورانيوم من الخارج، وهي القضية التي كانت بمثابة فضيحة بعد ذلك للإدارة الأميركية ما يشير إلى حجم التجني الذي مارسته كوندي .
والرئيس بوش بشأن العراق في محاولة بكافة السبل لتفويت أي فرصة للإفلات من تهمة امتلاك أسلحة دمار شامل وهي التهمة التي لم تثبت حتى الآن رغم غزو العراق وإقصاء صدام حسين وأصبحت في طي النسيان بفعل جهود إدارة بوش للقفز عنها باعتبار أنها تكشف زيف الدعاوى التي قام على أساسها غزو العراق.
المهم أنه وفقا لما تشير إليه المؤلفة وحقائق الموقف في ذلك الوقت فإن قضية شراء العراق لليورانيوم من النيجر كان قد تم التقصي بشأنها من قبل المخابرات المركزية الأميركية ووزارة الخارجية وأشار كل منهما إلى أن المزاعم بهذا الشأن لا يمكن تأكيدها.
فضيحة...
ولقد راحت الأدلة تتهاوى إلى درجة جعلت المخابرات الأميركية تطلب من بريطانيا إسقاط الإشارة إليها في الملف الذي نشر في نهاية عام 2002.
وعلى الرغم من ذلك الموقف الذي تبنته المخابرات الأميركية ووزارة الخارجية فإن الرئيس بوش أعلن في كلمة له في يناير 2003 أن الحكومة البريطانية علمت أن صدام حسين استطاع الحصول على كميات من اليورانيوم من أفريقيا. وكرر وزير الدفاع الأميركي نفس المزاعم في بيان صحافي له أمام البنتاجون في اليوم التالي.
أما وزير الخارجية الأميركي كولن باول فقد حذف الإشارة إلى هذا الأمر في بيانه أمام الأمم المتحدة في فبراير عام 2003، موضحا فيما بعد بأنه لم يكن يعتقد أن الأدلة كافية لإعلان ذلك.
وعندما أعلنت بريطانيا أن التقرير الذي تضمن مثل هذه المعلومة غير حقيقي وأنه مزيف فإن كوندي وجدت نفسها مجبرة على الاعتراف في لقاء مع «أيه بي سي» في 8 يونيو بأنه من الواضح أن هذا التقرير كان خاطئا، مضيفة إن إدارتها لم تعلم بذلك إلا فيما بعد. وهو الأمر الذي يطرح العديد من التساؤلات حول الحكمة التي أدارت بها إدارة بوش عملية غزو العراق بالكامل.
تستطرد المؤلفة فتشير إلى أنه في فبراير حاولت إدارة بوش واثنان من حلفائها هما بريطانيا واسبانيا التحرك عمليا على طريق الهجوم على العراق بتقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يشير إلى أن بغداد أخفقت في تحقيق مطالب القرار 1441 الذي أصدره مجلس الأمن.
وفي رد فعل على هذا الموقف قدمت فرنسا وألمانيا وروسيا مشروع قرار مضاد يدعو إلى إعطاء مزيد من الوقت لتطبيق القرار 1441، مؤكدين على ضرورة أن يكون الخيار العسكري هو الأخير مع الإشارة إلى أن متطلبات اللجوء إلى استخدام القوة ضد العراق لم تتوفر بعد.
محاولات التفافية
وسط هذا الجدل، فإن كوندي واصلت موقفها المتشدد ما يشير إلى حجم الدور الذي كان لها في عملية غزو العراق فراحت تعيد مرة ثانية في ذات اليوم الذي تم فيه تقديم مشروع القرارين التأكيد على دعوة الرئيس بوش إلى عمل حاسم ضد صدام حسين.
ففي مؤتمر صحافي في البيت الأبيض لخصت التهديد العراقي قائلة: «إننا ما زلنا نعيش تحت التهديد المستمر من قبل صدام حسين ممثلاً في أسلحة الدمار الشامل فضلا عن صلاته بالإرهاب.
لقد حان الوقت للتعامل مع هذه المشكلة». كما أن كوندي ذكرت وسائل الإعلام أيضا بأن الرئيس يريد العمل بمفرده، قائلة إن الرئيس أوضح تماما أن الأمن القومي يتطلب منه التصرف فإنه يتعين على الإدارة الأميركية في هذه الحالة التصرف بالتنسيق مع التحالف المكون من الدول التي تريد الاشتراك معها في ذلك العمل.
ولعل ما يجري في العراق الآن، منظور إليه من أي زاوية يكشف عمق خطأ التقدير من قبل كوندي ومن سار في ركب تفكيرها ومزاعمها ذلك أن تهمة صلات العراق بالإرهاب كانت تهمة مزيفة .
حيث أنه ساد إجماع بأن صدام حسين لم يكن على صلة بالقاعدة التي تختلف في توجهاتها تماما عن الوضع الذي يمثله الرئيس العراقي، فضلا عن أن ازدياد ما يوصف بأنه عمليات إرهابية في العراق حاليا إنما يعبر عن أوضاع مستجدة لم تكن قائمة في العراق قبل سقوط الرئيس العراقي.
فشل غير متوقع
غير أن جهود الإدارة الأميركية وتحركات كوندي يبدو أنها لم تصادف النجاح اللازم، وبالتالي فإن مشروع القرار الذي قدمته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واسبانيا لمجلس الأمن لم يحظ بالموافقة سوى من قبل عضو واحد فقط في المجلس هو بلغاريا فيما لم يتم دعوة صاحبي القرار إلى التصويت.
وفي 20 مارس 2003 فإن الإدارة واصلت خططها بالعمل بمفردها وشنت عملية عسكرية ضد العراق تحت مسمى «تحرير العراق». وفي 9 أبريل تمكنت القوات الأميركية من السيطرة على الموقف في بغداد وشاهد ملايين المتفرجين الإسقاط الرمزي لتمثال صدام حسين.
وفي الشهر التالي، أعلن الرئيس بوش من على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لنكولن على شاطئ سان دييجو بكاليفورنيا أن المعركة الرئيسية في العراق قد انتهت .
وأن الولايات المتحدة وحلفاءها قد تمكنوا من السيطرة على الأوضاع، فيما كشف سير الوقائع على أرض المعركة، حسبما تذكر المؤلفة،أن المعركة لم تحسم بعد وأن الأمور تتجه إلى التصعيد نحو الأسوأ.
تواصل المؤلفة الغوص في شخصية كوندي محاولة الوصول إلى ما تراه من أبعاد توافق بينها وبين الرئيس فتشير إلى أنها الأقرب إليه من بين أعضاء فريق إدارة السياسة الأميركية الأمر الذي انعكس في اختيار الرئيس بوش لها لتكون ضمن مرافقيه في زيارته السرية للعراق في عيد الشكر.
فعندما قرر الرئيس بوش القيام بزيارة بالغة السرية استهدفت رفع الروح المعنوية للجنود الأميركيين في أكتوبر من ذلك العام 2003 كانت كوندي تقريبا واحدة من بين قلة قليلة من مسؤولي الإدارة الذين يعرفون بخطط بوش في هذا الصدد، فضلا عن كونها الوحيدة من بين طاقم الرئاسة الذي يرافقه خلال هذه الرحلة.
وقد وصل حد السرية في إعداد خطة سفر الرئيس إلى منطقة تعد منطقة حرب أن لورا بوش لم تعلم باعتزام الرئيس القيام بهذه الزيارة بالفعل سوى قبل ساعات من إتمامها.
كما علمت إبنتا بوش كذلك في اليوم نفسه غير أن والدي بوش لم يعلما بها سوى عندما حطت طائرة الرئيس الأميركي في بغداد بالفعل. وكان البيت الأبيض يعلن أن أسرة الرئيس سوف تمضي عيد الشكر في المزرعة في كراوفورد.
وفي نحو الساعة الثامنة مساء الأربعاء السادس والعشرين من نوفمبر، تسلل الرئيس بوش وكوندي خلسة خلال تواجدهما في المزرعة في سيارة عادية مرتدين ملابس غير رسمية.
وكانت رحلة طائرة الرئاسة رقم 1 على غير العادة هادئة ولم يكن يرافقها سوى مجموعة محدودة من الصحافيين ورجال الأمن العاديين وقد تم الترتيب على ان تكون الطائرة خارج نطاق نقاط المراقبة المرورية الجوية، كما تمت مصادرة الهواتف الخليوية خلال الرحلة.
أما على صعيد الوضع في مطار بغداد الذي كان يتعرض للقصف قبل خمسة أيام من الرحلة فقد ساده الظلام تماما عندما اقتربت طائرة بوش، كذلك كانت طائرة الرئيس مظلمة تماما بحيث أصبح من المتعذر رؤيتها لدى عملية الهبوط. لقد فاجأ الرئيس نحو 600 جندي أميركي على العشاء في عيد الشكر في المطار والذين راحوا يستقبلونه بعبارات الذهول والحماس.
وبعد نحو ساعتين ونصف فإن الرئيس وكوندي والمجموعة الصغيرة من الصحافيين الذين رافقوهما استقلوا الطائرة مرة ثانية عائدين إلى الولايات المتحدة.
وعندما تم انتقاد الزيارة بدعوى أن بوش خاطر بالقيام بها من أجل تحقيق مكسب سياسي، فإن كوندي راحت تدافع عن دوافع الزيارة مشيرة إلى أنه بالنسبة للشعب الأميركي فإن ما يهمها بغض النظر عن الانتماء الحزبي لأي من أفراده هو أن الرئيس الأميركي الذي يعتبر القائد العسكري الأعلى ذهب لكي يكون مع قواته في خطوة لا يمكن إنكار أهميتها.
وعلى هذا تستنتج المؤلفة أن قرار بوش اصطحاب كوندي معه في رحلته التي اتسمت بالخطر وبالسرية البالغة يكشف عن العلاقة القوية التي تربط بينهما.
وإذا كان الرئيس بوش الأب أبدى إعجابه بأداء مستشاره للأمن القومي برنت سكوكروفت، فإن بوش الابن يبدو أنه أكثر تقديرا لمستشارته كوندوليزا رايس والتي تقضي معه وقتاً طويلاً سواء في البيت الأبيض أم في كامب ديفيد أم في المزرعة في كراوفورد.
وقد أدت هذه الوضعية إلى الحد الذي كادت فيه كوندي ان تقع في حرج بالغ ذات مرة عندما زل لسانها في حفل عشاء في ربيع عام 2004 حين راحت تقول: كما قلت لزو.. (لزوجي).. مستدركة على الفور.. كما قلت للرئيس بوش.. !
صداع سبتمبر
ثم تنتقل المؤلفة إلى قضية أخرى في تناولها لدور كوندي في البيت الأبيض تتعلق بالمسؤولية عن أحداث سبتمبر. فإزاء الرغبة العارمة من قبل أسر الضحايا في الكشف عن مدى علم الإدارة باحتمال وقوع الهجمات، ضغط الأهالي من أجل تشكيل لجنة رسمية للتحقيق .
وهو الامر الذي تمت الموافقة عليه وبمقتضاه شكل الكونغرس لجنة من عشرة أعضاء في نوفمبر 2002 كان من مهامها القيام بتحقيق شامل حول الظروف التي جعلت من تنفيذ الهجمات أمراً ممكناً. وقد اعتزمت اللجنة القيام بعملها للوصول إلى الحقيقة دون خوف من إلقاء التبعة على أي جهة حكومية بالفشل.
وقد أدلت كوندي بشهادتها أمام اللجنة في جلسة خاصة ورغم ذلك طالب الرأي العام في ربيع 2004 بأن تدلي بشهادتها على الملأ والتي كشفت عن سلسلة من الأحداث المتتابعة التي سلطت الضوء على دورها كمستشار للأمن القومي.
وقد دعتها لجنة التحقيق بالإجماع إلى الإدلاء بشهادتها علنيا غير أنها رفضت منطلقة في ذلك من أن هناك مبدأ مهماً يقوم على أن طبيعة منصبها تحول قانونا دون القيام بذلك.
غير أن شهادة ريتشارد كلارك مسؤول مكافحة الإرهاب في إدارة كلينتون وبوش على التوالي فرضت عليها القبول في نهاية الأمر. ولقد ألف كلارك كتابا بشأن تعاطي إدارة بوش الإبن مع ما تمثله القاعدة من أخطار تحت عنوان «ضد كل الأعداء: من قلب الحرب الأميركية على الإرهاب».
وفي هذا الكتاب يتهم كلارك إدارة بوش بتجاهل تحذيرات الاستخبارات بشأن التهديد الإرهابي الذي تمثله القاعدة، ثم عادت لتستغل هذا التهديد من أجل عملية غزو العراق. وحسبما كتب كلارك: «لقد فشل جورج بوش في التعامل مع التحذيرات المتكررة بشأن التهديد الذي تمثله القاعدة وأدى إلى أحداث سبتمبر.
ثم قام بعد ذلك باتخاذ مجموعة سياسات بشأنها وشن هجمات غير ضرورية ومكلفة على العراق وهي الهجمات التي عززت من قوة الأصوليين والحركة الإسلامية الإرهابية على المستوى الدولي».
وأمام الأوضاع التي تشير إلى محورية دورها والضغوط التي مورست عليها، لم يكن هناك مفر أمام كوندي من قبول الإدلاء علنا بالشهادة أمام لجنة الكونغرس وأرسل البيت الابيض إلى الكونغرس في 30 مارس 2004 خطابا يفيد بموافقته على إدلاء كوندي بشهادتها غير أنه وضع شرطين للموافقة.
أولهما ألا يكون ذلك بمثابة سابقة يمكن على أساسها استدعاء أي من مستشاري الأمن القومي أو أي من مسؤولي البيت الأبيض، وأن توافق اللجنة على كتابة أنها لن تطلب أي شهادة إضافية من قبل أي من مسؤولي البيت الأبيض بما فيهم رايس.
وطبقا للبعض فإن مواقف كوندي خلال الجدال الحاصل حول شهادتها هو الذي أدى بالبيت الأبيض في النهاية إلى قبول إدلائها بشهادتها.
وهي المواقف التي أضعفت حجة الإدارة بشأن عدم الإدلاء بشهادتها من خلال إجراء العديد من المقابلات وإبداء عدم الممانعة بشأن الشهادة. وانطلاقاً من أحاديثها الصحفية والتليفزيونية فقد أخذت تعلن أنها ليس لديها ما تخفيه.
وفي 8 أبريل أدت كوندي اليمين أما اللجنة واقفة خلف منضدة كبيرة في مواجهة المحلفين. وفي بداية شهادتها فقد أقرت أن الولايات المتحدة تصرفت ببطء في مواجهة التهديد الإرهابي الذي شهد تطورا كبيرا قبل 11 سبتمبر.
وأضافت قائلة إن «الإرهابيين كانوا في حرب معنا، لكننا لم نكن في حرب معهم. وقدمت ملخصا بشأن العديد من الأحداث في التاريخ والتي لم تسرع فيها الولايات المتحدة الخطى في مواجهة الأخطار المحدقة بها. ومن ذلك خطر التوسع الياباني إلى أن بدا ظاهرا للعيان في بيرل هاربور.
وقد دافعت كوندي عن استراتيجية الإدارة بشأن مكافحة الإرهاب مستعرضة العديد من الإجراءات التي قامت بها الإدارة على هذا الصعيد ومن ذلك مصادرة العديد من الأصول المالية لعدد من الجماعات الإرهابية».
أما بخصوص ما أشارت اليه الوثائق بشأن تحذير الاستخبارات للرئيس بوش في 6 أغسطس من خلال معلومات تشير إلى اعتزام أسامة بن لادن الهجوم على أراض أميركية فقد أشارت كوندي إلى أن هذه المعلومات الاستخبارتية لم تقدم جديدا .
وأنها كانت تقوم على أساس معلومات وتقارير استخباراتية قديمة مشيرة إلى أن معظم هذه المعلومات يعود إلى عقد التسعينات بشأن احتمال شن القاعدة لهجوم داخل الأراضي الأميركية .
حيث كانت هناك معلومات استخباراتية في 1998 بشأن نية القاعدة القيام بعمل إرهابي يتمثل في اختطاف طائرة أميركية في محاولة لإبتزاز الحكومة من أجل الإفراج عن بعض المعتقلين من الإرهابيين الذين شاركوا في الهجوم على مركز التجارة العالمي في 1993 مشيرة إلى أن هذه التقارير لم تتحدث عن احتمال استخدام الإرهابيين للطائرات كصواريخ.
وخلال فترة الأسئلة والإجابة فإن كوندي راحت تعيد التأكيد على أن الإدارة لم تكن تتوقع أي هجمات في داخل الدولة، ولكنها ركزت على الأنشطة الإرهابية في الأجزاء الأخرى من العالم.