ينظر إلى موت سلوبودان ميلوسيفيتش باعتباره أمراً أحدث ثقباً كبيراً في نظام المحكمة الجنائية الدولية الناشئ. فقد امتدت المحاكمة الجنائية الدولية الأكثر أهمية منذ محكمة نورمبرغ في الأربعينات لأكثر من 4 سنوات. وقد كانت الشائعات توحي بإمكانية تبرئة ميلوسيفيتش من بعض التهم الأخطر بما فيها الإبادة الجماعية.
وقد ألقى النقاد باللوم على القضاة الذين كانوا يتراجعون عن التوفيق بين المطالب لضمان موثوقية تحقيق العدالة إلى أي مدى يمثل هذا الحادث نكسة لمشروع المحكمة الجنائية الدولية؟ ان المحكمة الجنائية الدولية هي فكرة حديثة نسبياً.
فعقب الحرب العالمية الأولى، نصت معاهدة فرساي على إدانة القيصر الألماني فيلهلم الثاني رغم انه لم يحاكم أبداً بعد لجوئه الى هولندا، وعقب الحرب العالمية الثانية، قام الرئيس روزفلت بإلغاء اقتراح ونستون تشرشل بإعدام مجرمي الحرب الألمان والزعماء النازيين واقناع الحكومة البريطانية بقبول مبدأ إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة المسؤولين النازيين الكبار.
شهدت سنوات الخمسينات المساعي الأولى لإنشاء محكمة جنائية مؤقتة ولكن لم يتحقق ذلك حتى عام 1998 بالاتفاق على إعلان روما للمحكمة الجنائية الدولية.وما كان للمحكمة نفسها ان تتشكل لولا قرار مجلس الأمن الدولي بإنشاء محكمة جنائية دولية ليوغسلافيا في عام 1993 ورواندا في 1994.
ليس لدى الجميع الافتراض ذاته بأن تنفيذ القانون الجنائي في المحاكم هو الطريقة المناسبة للتعامل مع أكثر الجرائم الدولية خطورة. فإدارة بوش تفضل توجيه مساعيها لمعالجة مسألة القاعدة بواسطة الحرب، ليس في وسعنا التوهم بفعالية تدويل القانون الجنائي لأنه لن يصبح الدواء لجميع مشاكل العالم. ولن يستأصل الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان الأساسية.
ولكنه قد يصبح الخيار الأقل سوءاً للتعامل مع الجرائم الخطيرة، أو على الأقل بعضها. أما الخيارات الأخرى، فهي ليست جذابة وعملية دائماً. هناك خيار واحد يعتبر خارج النظام القضائي وهو تنفيذ حكم الإعدام بحق المجرمين، ولكنه غير شرعي ولا يدعمه أنصار كثر.
يمكن تجاهل الجرائم الدولية كما كان الحال حتى النصف الثاني من القرن العشرين، أو يمكن التعامل معها بإصدار عفو عام، كما حدث في تشيلي ما أدى إلى اضطهاد الكثير من الضحايا وشعورهم بأن العدالة لم تتحقق،
وأنه لم يكن لذلك نهاية أو انها ستعالج من خلال عمليات «الحقيقة والمصالحة». كما حدث في جنوب إفريقيا عقب انتهاء سياسة التمييز العنصري، أو بإمكانها ان تصبح موضوع اتفاقات دبلوماسية بين الحكومات.
هذه الخيارات ليست حصرية بشكل متبادل، فمنذ الأربعينات، قرر المجتمع الدولي انه ينبغي محاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة أمام المحاكم، وذلك كي تجرم أفعالهم. ان الآراء المؤيدة تتضمن الردع والعقاب و«البحث عن الحقيقة»، وفي بعض الحالات، فإن العدالة المحلية هي الخيار المفضل كما هو الحال في محاكمة صدام حسين.
وفي حالات أخرى، تم تدويل مداولات المحاكم «محلية مع قضاة دوليين»، كما هو الحال في سيراليون وكوسوفو، الخيار الأخير والذي اخضع له ميلوسيفيتش هو الإجراء الدولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هذه هي الأيام الأولى للمحكمة الجنائية الدولية وستبقى محاكمة ميلوسيفيتش عالقة في الاذهان باعتبارها الأولى التي أدى تأجيلها الى إنكار العدالة.
ولكن ذلك لن يكون صحيحاً، فالمحاكمة أدت بشكل كبير لظهور مواد جديدة في متناول الرأي العام.أما المحاكمات الأخرى في المحكمة الجنائية التي تبحث في جرائم الحرب اليوغسلافية فقد حققت العدالة في الوقت المناسب.
والمحاكم الأخرى المحلية والدولية قد تصدر احكامها بناء على الحقائق التي وقعت تحت بصر وسمع ميلوسيفيتش والآن تنظر محكمة العدل الدولية في لاهاي في القضية المرفوعة من البوسنة ضد بقايا يوغسلافيا السابقة بتهمة الإبادة الجماعية، بناء على الحقائق نفسها التي أثيرت في قضية ميلوسيفيتش.
ترجمة : كوثر علي
عن «اندبندنت»