يتعرف القارئ عند هذا المنعطف من الكتاب على تفاصيل، ربما يكشف النقاب عنها لأول مرة، تتعلق بأسلوب ممارسة وزيرة الخارجية الأميركية لمهامها بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في حياة الأميركيين عموماً وحياة القابعين في البيت الأبيض على وجه الخصوص.

تلك الأحداث لم تكن أمراً عابراً في حياة كوندي، سيما على صعيد تفكيرها السياسي، حيث يمكن أن نرصد نقلة فكرية نوعية، تمثلت في القفز من موقع الحمائم إلى موقع الصقور وتحديداً فيما يتعلق بأفكار الرئيس جورج دبليو بوش الخاصة بالتدخل العسكري على مستوى العالم، والتي عرفت باسم «الحرب الاستباقية».

هذا يعني، في أحد أهم جوانبه، أن رايس تنغمس في العملية السياسية والفكرية الأميركية في لحظة من أخطر لحظات تاريخ الولايات المتحدة، ما يتيح لها اكتساب المزيد من الخبرات التي لا يستهان بها بأي حال من الأحوال، وذلك لأنها قد تمهد الطريق أمامها للمضي قدماً في مسيرة سياسية قد تطول.

خلال العامين اللذين قضتهما في مجلس الأمن القومي فإن كوندي لم تكتسب صداقة الرئيس بوش وزوجته باربارا فقط، ولكنها أيضاً تركت انطباعا قويا بشان تميزها ولذلك لم يكن من الغريب أن يرتب بوش الأب لقاء لها مع إبنه بوش إثر فوزه في الانتخابات الرئاسية الأولي وتوليه منصب حاكم تكساس.

لقد راح يمتدح بوش الأب قدرات رايس الدبلوماسية، وهو الأمر الذي كان محل إقرار من قبل آخرين ذهبوا إلى التأكيد على قدرات كوندي المتميزة وتمتعها بذكاء عال يجعلان منها شخصية متميزة الأمر الذي عزّز نجاحها.

أما بالنسبة لكوندي فإن هذين العامين أكسباها خبرة كبيرة من الصعب تكرارها .. لقد كانت هذه الفترة بالنسبة لها اوقاتا اتسمت بالإثارة البالغة .. أن تذهب إلى فراشك ذات ليلة وتستيقظ في اليوم التالي على تغيرات في دولة تستبدل نظامها الاجتماعي بنظام آخر يعتمد النهج الديمقراطي، فهذا من الأمور التي تمثل قمة الإثارة.

ولهذا لا تتوانى كوندي عن أن تبدي شعورها بالفخر من أنها كانت أحد ادوات التغيير في ألمانيا وأن يتم ذلك وفق رؤية غربية كاملة أدت إلى انسحاب الجنود السوفييت إلى بلادهم من ألمانيا الشرقية بدون صدام. لقد أدى ذلك إلى تنامي الشعور لدى كوندي بأنها انغمست في العملية السياسية الأميركية في لحظة من أخطر لحظاتها.

وبرحيلها إثر رحيل إدارة بوش الأب لم تكن تتوقع على الإطلاق العودة ثانية متصورة أن مرحلة من حياتها اتسمت بالثراء في الخبرة العملية قد طويت لتعود أدراجها من حيث أتت، إلى كرسي الجامعة الذي عشقته وطالما تاقت إلى العودة اليه رغم الأضواء التي أحاطت بها خلال عملها في مجلس الأمن القومي..

ولكن الظروف تاتي بكوندي مرة ثانية لتلعب دورا أكبر في الحياة السياسية الأميركية ولتشغل دوراً محورياً يجعل منها المحرك الأساسي والمخطط لتوجهات هذه السياسة على يد بوش الابن.

فإثر انتهاء حرب الخليج قررت كوندي اعتزال العمل السياسي ومغادرة واشنطن من أجل العودة إلى التدريس مرة أخرى. وحسبما يذكر سكوكروفت نقلا عنها فإنها في ذلك إنما كانت تستمع إلى ساعتها البيولوجية ، فأما وقد بلغت السادسة والثلاثين من عمرها فقد كانت تشعر بأنه آن الآوان لها أن تستقر وأن يكون لها أسرة.

فبعد هذه الفترة من العمل السياسي أثناء أهم الفترات في حياة الولايات المتحدة والعالم بدا لها ان العودة إلى التدريس أهم بالنسبة إليها من أي شيء آخر، وقد كان تصورها هو انه من الصعب العودة إلى التدريس حال غياب المرء عنه أكثر من عامين.

ورغم اعتراف كوندي بأهمية الفترة التي قضتها في المطبخ السياسي الأميركي فإنها ظلت على إيمانها ،حسبما تذكر مؤلفة الكتاب، بضرورة العودة إلى التدريس والخدمات العامة. وكانت ترى في نفسها شخصية أكاديمية بالأساس وان عملها السياسي إنما هو ظرف طارئ وقد آن أوان العودة إلى الأبحاث والتدريس والعزف على البيانو، العودة إلى الحياة.

كانت كوندي تنطلق في ذلك من أنها قد بذلت الكثير من أجل تحقيق الوضع الأكاديمي الذي وصلت إليه وليس من السهل عليها أن تجعل كل هذا يضيع سدى مهما كان ما تحققه في مجالات أخرى. والميزة بعد العودة أن خبرتها أضافت لها الكثير وخلال التدريس فيما بعد العودة كانت تؤكد كثيرا على أهمية العنصر الشخصي في العلاقات الدولية وكذلك الاتجاهات والمشاعر والصلات والآن فإنها تستطيع ان تضرب أمثلة من خلال ما عاشته هي بالفعل.

العودة إلى الأضواء

بعد عام واحد من احتلال مكانة مرموقة في ستانفورد تم إدراج كوندي من قبل مجلة «تايم» ضمن قائمة مكونة من 50 من القادة الناشئين الذين ينبغي متابعتهم وقد بنوا اختيارهم على أساس العمر لمن هم في سن الأربعين أو أقل وقدموا انطباعا جيدا بشأن دورهم القيادي في المجال المدني والاجتماعي،

وكذلك على أساس توقع أنهم يمكن أن يقدموا شيئا مختلفا. وتوقعت المقالة التي تم نشرها ضمن عملية اختيار الشخصيات الخمسين أن كوندي لديها من القدرات ما يؤهلها لكي تتولي وزارة الخارجية الأميركية.

وقد كان ذلك قبل نحو خمس سنوات من التحاق كوندي بالحملة الانتخابية لجورج بوش الابن مستشارة للسياسة الخارجية وكذلك قبل نحو ست سنوات من تعيينها كمستشار للأمن القومي الأميركي.

وفي سن الأربعين فإن كوندي أصبحت بالفعل رقما رئيسيا في مجالها ومن تتبع مسارها وتطورها توقع أنها يمكن أن تصبح يوما ما ذات شأن في الساحة السياسية الأميركية.

ومع تدشين حملة بوش الابن الانتخابية بدأت كوندي رحلتها على طريق نقطة التحول الثانية في حياتها.. فقد دعاها بوش الابن للاستعانة بخبراتها في إدارة الحملة الانتخابية.

وقد احتلت موقعا رئيسيا ضمن فريق خبراء السياسة الخارجية المشاركين في الحملة الانتخابية، كما أنها أصبحت الكاتب الرئيسي للكلمات المتعلقة بالإستراتيجيات النووية .. وبمرور الوقت راح بوش يطلب منها أن تصبح مستشارته للأمن القومي لتصبح رفيقه الأساسي في إدارته لمهام منصبه.

غير أن الرياح تأتي دائما بما لا تشتهي السفن، واذا كانت كوندي قد نجحت في تحقيق العديد من الإنجازات على مدى فترة عملها في البيت الأبيض سواء مع بوش الأب أو بوش الابن، إلا أنه يبدو أن لحظات النجاح قد ولت جزئيا وأبت إلا أن تشهد كوندي جانبا مما يمكن اعتباره نوعاً من الفشل،

الأمر الذي سيكون له تأثيره على رؤيتها للأمور ونظرتها للعالم ويقذف بها إلى عالم الصقور أو اليمين المتشدد. ولم تكن أحداث أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر سوى البداية لذلك المسلسل الذي يبدو أنه متواصل حتى لحظة كتابة هذه السطور.

تخصص لنا المؤلفة في سياق استعراضها لقصة كوندي جانبا من تفاصيل ممارستها لمهامها فيما بعد هذا اليوم الأسود في حياة الولايات المتحدة عموما وفي حياة القابعين في البيت الأبيض على وجه الخصوص.

ففي صباح ذلك اليوم وصلت كوندي إلى مكتبها في الساعة السادسة والنصف صباحا كالمعتاد وسط توقع يوم عمل طويل قد لا يمكنها معه العودة إلى المنزل قبل التاسعة مساء. إن عملها يتضمن بعض المهام الروتينية مثل تقديم ملخصات يومية للرئيس وغير ذلك،

غير ان عملها كمستشارة للأمن القومي غير روتيني. بأي حال من الأحوال، ومع رسالة غير عادية وصلت إليها بدا أن ذلك اليوم سيكون يوما استثنائياً ليس فقط في حياتها ولكن في حياة الولايات المتحدة ككل.

فجيعة سبتمبر

ظهر سكرتيرها عند باب مكتبها الساعة الثامنة وخمسة وأربعين دقيقة لكي يقول لها أن طائرة ضربت مركز التجارة العالمي. ياله من حادث غريب. هذا ما ورد في ذهن كوندي للوهلة الأولى. وعلى الفور اتصلت بالرئيس بوش الذي كان في فلوريدا يتحدث بشأن أجندته التعليمية وأطلعته على هذا التطور.

وبعد وقت قصير كانت كوندي ضمن اجتماع عمل عندما لمحت سكرتيرها يقدم لها ورقة تحوي خبراً مهماً آخر، طائرة ثانية ضربت البرج الثاني لمركز التجارة العالمي.

لم يستغرق الأمر وقتا طويلاً أو يتطلب حتى إعمال العقل لكي تدرك ان وراء الأمر عملا إرهابيا. واتجه تفكيرها على الفور إلى الدعوة إلى اجتماع على مستوى القمة لأعضاء مجلس الأمن القومي، وهبطت إلى الأسفل حيث غرفة العمليات ومركز القادة العسكري وراحت تتحدث في الهاتف.

والى جانب الرئيس فإن من بين أعضاء مجلس الأمن القومي الذين كانت على اتصال بهم نائب الرئيس ديك تشيني وكذلك وزير الخارجية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، إلى جانب وزير الخزانة بول أونيل، والمستشار الأعلى للعمليات العسكرية والاستخبارية ورئيس اللجنة المشتركة هنري شيلتون ومدير المخابرات المركزية الأميركية جورج تينيت.

ولم تكن الظروف تسمح بحضور الرئيس ما أدى إلى غيابه عن اجتماع مجلس الأمن القومي. غير ان الرئيس لم يكن الغائب الوحيد عن هذا الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن القومي، بل غاب عنه كذلك دونالد رامسفليد الذي كان في مكتبه في البنتاغون غير انه بمجرد أن اصطدمت طائرة الرحلة 77 بمبنى البنتاغون تمام الساعة التاسعة و43 دقيقة غادر مكتبه عبر الممرات ليصل إلى مكان الحادث،

وفق ما تروي مؤلفة الكتاب، ويساعد الجرحى. وقد تمكن بعد ذلك من التحرك إلى قاعدة عسكرية حيث تمكن من المشاركة في اجتماع مجلس الأمن القومي عبر الهاتف. في الوقت ذاته فإن باول كان يتناول طعام الإفطار مع رئيس بيرو في ليما ولكن بحلول الساعة العاشرة و45 دقيقة كان في طريق العودة إلى واشنطن.

وبعد نحو دقيقتين من اصطدام الطائرة الثالثة بمبنى البنتاغون صدرت الأوامر بإخلاء البيت الأبيض والتوجه إلى الملاجئ المحصنة تحت الأرض. لقد كان تشيني هناك بالفعل وقبل أن تغادر كوندي اتصلت بالرئيس لكي تخبره أنه من الأفضل له ألا يعود إلى البيت الأبيض حيث هناك مخاوف من احتمالات أن تضرب طائرة رابعة واشنطن وقد استمع الرئيس إلى نصيحتها وطار إلى عدة أماكن في ذلك اليوم ولم يعد إلى البيت الأبيض إلا عند الساعة السادسة والنصف مساء.

إن اول شيء فعلته كوندي عندما وصلت إلى الملاذ الآمن هو الاتصال بعمتها وعمها في بيرمنغهام. وقد طلبت منهم اخبار الجميع بأنها بخير. وكانت مكالماتها التالية إلى عدد من قادة العالم تؤكد لهم فيها أن الحكومة الأميركية تواصل عملها المعتاد كما واصلت محادثاتها مع الرئيس ومسؤولين آخرين عبر الهاتف.

وكانت كوندي قد واجهت حدثا آخر أصابها بالحزن تمثل في وفاة والدها عن عمر يناهز السابعة والسبعين بأزمة قلبية في ربيع عام 2000. ورغم ما يبدو عليه التطرق إلى هذا الأمر من عدم انسجام من قبل المؤلفة إلا أنه يبدو أنها تريد القول ان أحداث سبتمبر مثلت فجيعة لكوندي على شاكلة حدث فقدان والدها قبل نحو عام! وبعد أحداث سبتمبر أصبحت أكثر ظهورا على المسرح العام.

وقد أدلت بالعديد من الأحاديث لوسائل الإعلام بشأن تطورات الحرب على الإرهاب، خارجة بذلك على الأسلوب الذي من المفترض أنها تعلمته من برنت سكوكروفت.

هنا تقدم المؤلفة صورة بالغة الاختلاف بين الأستاذ والتلميذ ، سكوكروفت وكوندي ، فخلال توليه مهام منصبه كمستشار للأمن القومي فإن سكوكروفت لم يتحدث إلى الصحافة وحافظ على ظهور محدود خارج البيت الأبيض.

وفي تعليق على هذا الوضع الذي سلكته كوندي راح سكوكروفت يشبهها بحالة كيسنجر في ظل إدارة نيكسون وصامويل بيرغر في ظل ادارة كلينتون مشيرا إلى ان هذا الأداء من قبل مستشار الأمن القومي يحول صاحب هذه الوظيفة إلى صانع للسياسة أكثر منه منسق ومدير لها وأنه لهذا السبب يحظى امثال هؤلاء بظهور إعلامي يتجاوز أسلافهم.

وخلال الأسابيع الاولى لأحداث 11 سبتمبر ظلت كوندي على اتصال صباحي يوميا مع كولن باول في تمام الساعة السابعة والربع ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد حيث يتم مناقشة المعلومات التي تم جمعها والأفكار التي يتم التوصل اليها والتي تقوم كوندي بدورها بنقلها إلى الرئيس.

وحسبما تصفها المؤلفة فإن كوندي تتسم بالهدوء والثبات في ظل الضغط ولعل هذا يكون أحد الأسباب وراء اختيارها كمتحدثة باسم البيت الأبيض عقب احداث 11 سبتمبر .

هواجس ما بعد سبتمبر

قبل أحداث سبتمبر، اجتمع مجلس الأمن القومي مرتين وبعد الهجمات بدأ في الإجتماع ثلاث مرات أسبوعيا إزاء تزايد الهواجس الأمنية التي أعقبت تطورات ما بعد أحداث سبتمبر .

إن القبض على أسامة بن لادن، والهجمات على أفغانستان والاعتداءات بالإنثراكس والإجراءات الأمنية المشددة في المطارات وكذلك مخاطر وقوع عمليات إرهابية أخرى كل ذلك مما كان يمثل هواجس أمنية تؤرق بال أعضاء المجلس.

قبل الهجمات فإن كوندي أعلنت أن مهمتها هي المساعدة في توفير أجواء الثقة بوحدة الحكومة وأنها تتحدث بصوت واحد.وبعد الهجمات وقد أعادت بعد الهجمات التأكيد على هذا المعني حيث راحت تؤكد على أنها تبحث عن الإجماع مؤكدة أنها لا ترى أي سبب في الاستمرار بطرح الآراء المنقسمة وتقديمها إلى الرئيس على هذا النحو فيما يمكن تجنب هذه الحالة،

مضيفة انه من الضروري أن يتم تقديم بعض الرؤى المختلفة في بعض الأحيان. ولكن أهداف الادارة أصبحت أكثر تركيزا بعد الهجمات حيث راحت تعلن أن هدف الادارة ليس الوصول إلى عالم آمن بل عالم أفضل.

وتحاول المؤلفة توصيف الوضعية الصعبة التي كانت كوندي تجد نفسها فيها خلال توليها مهام عمل مستشارة الأمن القومي مشيرة إلى أنها كانت تواجه حالة أشبه بالحصار بين آراء نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزير الخارجية كولن باول،

حيث كانوا يقدمون رؤى بالغة التعارض. فمن جانب، كان تشيني ورامسفيلد ونائبه بول وولفويتز يعدون من الجناح المتشدد من صقور المحافظين الذين يدفعون في اتجاه العمل العسكري والتدخل. لقد ارتبط تشيني ورامسفيلد منذ ادارة فورد والتي كان رامسفيلد فيها وزيرا للدفاع وتشيني بمثابة تلميذه حيث عمل كرئيس موظفي البيت الأبيض.

على الجانب الآخر يقف الجنرال باول صاحب الافكار المعتدلة والذي ينصح باتخاذ مواقف عسكرية تقضي بعدم التدخل، ومثل كوندي فإنه لا يقبل بالفكرة القائلة بوجوب أن تلعب الولايات المتحدة دور الشرطي العالمي.

ورغم أن وجهات نظر كوندي كانت تتوافق مع باول إلا أن ذلك لم يكن يعني أن هناك تحالفا مريحا بينهما، فإن باول أكد أن واجبات رايس لن تتوافق مع قدراته بشأن إدارة السياسة الخارجية الأميركية.

وطبقا لعدد من مستشاري بوش فقد كان من المتوقع ان تدير رايس العملية السياسية بين مؤسسات الرئاسة وتدع العجلة تدور. وحسب جورج شولتز وزير الخارجية الأميركي الاسبق والذي يعد واحدا من المحافظين الذين شجعوا صعود رايس في مناصبها حيث عمل معها في معهد هوفر فإنه يرى رايس وباول كشخصين ذوي ارادة قوية يمكن لهما ان يعملا سويا بكفاءة مؤكدا أنهما يتمتعان باللطف ويتسمان بالبساطة والحميمية ويحظيات بتقدير واحترام مشترك.

وبعد نحو 18 شهرا فإن كوندي لم تدع العجلة تدور كما كان يتوقع، بل إنها تقود سفينة تمر وسط ظروف صعبة محافظة على سلامتها رغم أن الادارة تعمل من أزمة إلى أزمة.. أنه عملها. ومهما كان ينقصها من خبرات بالمقارنة مع تشيني ورامسفيلد وباول فإنها تعمل انطلاقا من رؤاها المستمدة من الرئيس، إذ أنها تقضي معه أغلب أوقاته.

وفي أعقاب حادث المقاتلة الصينية مع طائرة التجسس الأميركي في أبريل 2001 الأمر الذي مثل الأزمة الأولى للإدارة مارست كوندي دورها المعتاد بالنسبة لتنسيق المعلومات التي يجب تقديمها للرئيس.

فيما قامت وزارة الخارجية بالدور الأساسي في العملية التفاوضية مع الصينيين واستعادة طاقم الطائرة الأميركية إلى بلادهم.وخلال هذه الفترة فإن كوندي حققت ما يمكن اعتباره تطورا جديدا في دورها حيث قابلت وزير الخارجية الهندي جاسوانت سينج.

وبعد نحو أربعة أشهر كان من الواضح انها ستصبح أحد صانعي السياسة الخارجية وليس فقط الاقتصار على إدارتها عندما قامت برحلة إلى موسكو لمقابلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لقد استبقت زيارة كوندي جولة الرئيس بوش الإبن إلى أوروبا ممهدة الطريق أمام محادثاته مع بوتين بشأن صواريخ الدفاع.

وقد كان من بين أولويات الرئيس نظام الدرع الصاروخي الدفاعي في إطار حرب النجوم الذي تعارضه روسيا بشكل كبير، واستقر اختياره على كوندي للقيام بهذه الرحلة نظرا لخبرتها في مجال التسلح وكذلك في الشؤون الروسية. وجعلها ذلك أول شخصية رفيعة في الإدارة تزور موسكو، الحدث الذي يعتبر نقلة في تاريخ مستشاري الأمن القومي الأميركيين،

فضلا عن أن بعثتها إلى موسكو كانت سابقة من نوعها حسب ما يذكر الباحث في معهد بروكينجز ايفو دالدير مؤلف عدة كتب عن السياسة الخارجية منذ كيسنجر، مشيرا إلى أن ذلك يختلف عن زيارة كيسنجر الروتينية كمستشار للأمن القومي في القيام بمهمة دبلوماسية إلى موسكو حسبما يذكر.

لقد كانت كوندي تعلم أن الكثير من مضمون رسالتها لن يكون مقبولا أو محبوبا لدى المسؤولين الروس خاصة بالنسبة للانسحاب من المعاهدة المضادة للصواريخ الموقعة عام 1972 التي كان كل من بوش وكوندي يعتبر انها شيئا من الماضي ومن مخلفات الحرب الباردة.

فحسبما صرحت كوندي قبيل مغادرتها إلى موسكو فإن موقف واشنطن يتمثل في أن المعاهدة ليست فقط مشكلة بالنسبة لتحديد الأماكن بشأن الاختبار والتقييم، ولكن أيضا خاطئة جاءت في الزمن الخطأ، فضلا عن أنها تكرس العلاقة العدائية التي لم تعد موجودة او قائمة.

لقد كانت الزيارة تستهدف تحديد القضايا التي يمكن لبوش وبوتين أن يناقشاها وتحديد جدول أعمال لقائهما. وعلى ذلك كان لقاء كوندي مع بوتين ووزير الدفاع سيرجي ايفانوف ومسؤولين آخرين من أجل التمهيد لبدء محادثات التسلح بما في ذلك لقاء الرئيس مع بوتين في قمة مجموعة الثماني في إيطاليا في ذلك الصيف.

وخلال الاجتماع وافق الرئيسان على إجراء محادثات في المستقبل بشأن خفض المخزون من هذه الأسلحة مما كان يمثل نجاحا كبيرا لرايس في مهمتها وأضاف لها رصيدا كبيرا لدى بوش لا شك أنه يفسر جانبا من المكانة التي أصبحت تحتلها فيما بعد لدى بوش الابن.

ومما رفع من أسهمها الناجمة عن هذه الزيارة الترحاب الذي أبدته الصحافة الروسية تجاه زيارة كوندي، ممتدحة جمالها الروسي beautiful Russian معربة عن سرورها غرامها بسان بطرسبرج (ليننجراد) حيث قضت هناك عدة أسابيع كطالبة. وقد تم التركيز على التغطية الإعلامية لنشاطها.

وعندما عادت إلى واشنطن فإنها أشارت إلى أن أسلوب بوتين يختلف كثيرا عن سلفه من الزعماء الروس، وقالت « لقد عقدت الكثير من اللقاءات مع القادة الروس وهم يميلون إلى الخوض معك في أحاديث مطولة..

إن بوتين شخصية تبدو مثيرة للاهتمام، فلديه روح مرحة ولديه قدر من الولع بالنكت». فكانت تلك الرحلة بحق بمثابة تدشين لمرحلة جديدة في علاقات الدولتين عززت التعاون فيما بينهما في مرحلة ما بعد سبتمبر الأمر الذي سنتناوله بالتفصيل في الحلقة المقبلة.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق