مصائب قوم عند قوم فوائد، ومصائب مجموع الأنظمة التي كانت منضوية تحت لواء الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفييتي، كانت بردا وسلاما على صدر وزير الخارجية الأميركية، التي برعت من جانبها في التعامل مع تلك الأنظمة إلى حد منقطع النظير، وإلى درجة سمحت لها بالبروز بين أقرانها في حقل الدبلوماسية الأميركية، وجعلت نجمها يسطع في هذا الميدان.
لا بل أنها أصبحت محط إعجاب المسؤولين الأميركيين من الصف الأول، وفي المقدمة منهم الرئيس بوش الأب، الذي نطق لسانه بكلمات رايس في أحد أهم الخطابات، التي حددت مصير عدد كبير من شعوب أوروبا الشرقية.
هنا يجد القارئ نفسه أمام رصد للمحطات الرئيسية، التي توقفت عندها رايس في مسيرة ارتقائها وصولا إلى ما هي عليه في يومنا هذا، حيث يمكن القول ان تلك المسيرة المفعمة بالبذل والعطاء وذلك الارتقاء الصاروخي قد يفسران ما يقال بين الحين والآخر حول إمكانية وصول رايس إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة.
في يناير 1989 أصبحت كوندي مديرة الشؤون الخارجية في مجلس الأمن القومي. وحسبما يذكر سكوكروفت فقد وقع اختياره لها على خبرتها العميقة عليها بتاريخ وسياسات الإتحاد السوفييتي، فضلا عن قدرتها الكبيرة على التقييم الموضوعي لما يدور في موسكو آنذاك، وهو الأمر الذي كان يعزز منه خبرتها الكبيرة في الشؤون العسكرية السوفييتية إلى جانب خبرتها السياسية.
ويقدم لنا سكوكروفت، وفق ما تذكره لنا المؤلفة، صورة من قريب لكوندي تعكس تصوره لها وتكشف عن الطبيعة الدبلوماسية لها. ومن منظوره فإن كوندي تبدو لطيفة وودودة غير انها يمكن في الوقت نفسه ان تكون فظة وذات أظافر عندما يتطلب الموقف منها ذلك.
المهم أنه بعد نحو أربعة أشهر تمت ترقية كوندي بسبب تميزها في القيام بمهامها إلى مرتبة أعلى كمستشارة في الشؤون السوفييتية، وتم توصيفها كمساعدة متخصصة للرئيس لشؤون الأمن القومي. وقد ساعدت تلك الفترة في إثراء خبرة كوندي بشكل كبير، فقد كانت واحدة من ثلاثة أشخاص يرتبطون بعلاقات وثيقة في مجلس الأمن القومي مما وفر أجواء عمل مؤاتية لهم،
حيث كانت قريبة من فيليب زيلكو الذي كان يشغل منصب مدير السياسة الأوروبية ودينيس روس الذي يعتبر من المتخصصين الآخرين في الشؤون السوفييتية ومدير إدارة التخطيط السياسي. وكانت كوندي تعرف روس من كاليفورنيا حيث كان أستاذا في بيركلي. وكان ثلاثتهم يحظون بالتقدير من قبل روبرت بلاكويل المدير العام المشرف على الشؤون الأوروبية السوفييتية.
والى جانب الرئيس وأعضاء مجلس الأمن القومي الذين تم ذكرهم من قبل، فإنها عملت عن قرب مع أعضاء آخرين بمجلس الأمن القومي ومنهم روبرت جيتسن وروبرت هيتشنجز رئيس مجلس شرق آسيا وأوروبا وأقسام ألمانيا، فضلا عن روبرت زويلك من وزارة الخارجية وبول ولفويتز من وزارة الدفاع.
وفي مرحلة عملها في مجلس الأمن القومي شغلت كوندي ثلاث وظائف رئيسية كجزء من أعمال مجلس الأمن القومي. ففي البداية ساعدت في التنسيق بشأن السياسة الفعلية من خلال القيام على جمع المعلومات من مستويات السكرتارية أو المستويات الأدنى . ثم ثانيا خدمت كمساعدة لسكوكروفت.
وكانت مهمتها تتمثل آنذاك في تحديد المسؤولين الأجانب الذين يمكن مقابلتهم أو يتطلب الأمر مقابلتهم والإعداد لمثل هذه اللقاءات. ومكنها ذلك من الاقتراب من سكوكروفت بدرجة كبيرة حيث كانت تحدد في إطار مهامها كمساعدة له القضايا التي تندرج ضمن جدول أعمال اجتماعات المجلس والتي يتعين مناقشتها.
وحسبما تذكر، فإنه في الكثير من الأحيان كانت تصادفها قضية لا تستطيع اتخاذ موقف محدد بشأنها وفي هذه الحالة فإنها لا تجد مفرا من طرحها على سكوكروفت أو بيكر أوتشيني أو باول وهي تقول بهذا الصدد :«حينئذ كانت الأمور تعد مسؤوليتي أن أتأكد من التصرف كمساعدة للرئيس في مجال الشؤون الخارجية». وفي ظل هذه الوظيفة قامت كوندي بإعداد أوراق مختصرة بشأن القضايا التي جرت مناقشتها في اللقاءات الخارجية مع قادة الدول الأخرى.
مؤشرات ودلالات
بعد هذا الاستعراض التفصيلي لطبيعة مهام كوندي خلال فترة عملها الأولى في مجلس الأمن القومي، تتطرق المؤلفة إلى مجموعة من المواقف المحددة التي تكشف عن شخصية كوندي والبعض الآخر من المواقف الغريبة التي صادفتها خلال عملها.
من هذه المواقف موقف يبدو غريبا تمثل في تلقى البيت الأبيض صندوقاً ضخماً وارداً بالبريد من الاتحاد السوفييتي من دون أن تكون عليه أية معلومات أخرى تكشف عن تفاصيل محتوياته وبعد علمها بوصول الطرد ولأنه قادم من الاتحاد السوفييتي فقد اكتسب دورها أهمية خاصة باعتبارها العليمة بأوضاعه.
لقد بدا الأمر أشبه بلغز، حيث لم يتم التوصل إلى تحديد او معرفة ما يحويه الصندوق وعلى ذلك لم يجد الفريق الأمني الخاص بالبيت الأبيض سوى نقله بعناية من أجل تأمين المنطقة تحسبا لأية طوارئ والقيام بتفريغه بعد اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة.
وكانت المفاجأة أن ما بداخله لم يكن سوى كعكة مزينة بشكل رائع قام بإرسالها صاحب محل حلويات في مدينة سوفييتية صغيرة من أجل الرئيس بوش الأب كنوع من التحية على تنصيبه رئيسا.
ورغم أن هذا التصرف لم يلق استحسان بوش إلا أنه أمر بأن يتم التقاط صورة له مع عائلته أمام الكعكة وإرسالها إلى المجموعة التي أرسلت الكعكة وتسليم الكعكة لمؤسسة خيرية. وقد استغرق الأمر عدة أيام حتى تم التقاط الصورة فيما وجدت الكعكة طريقها إلى الفئران في مخزن الحاجيات الخاصة بالبيت الأبيض.
وفي مارس تم إسناد مهمة أخرى إلى رايس وضعتها في قلب صنع العملية السياسية للبيت الأبيض. فقد تلقى بوش تقريراً ملخصاً من مجلس الأمن القومي الأميركي بشأن تاريخ علاقات الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي، وكان قد أمر بإعداد هذا التقرير من أجل إعادة صياغة مواقفه تجاه غورباتشوف.
وقد رأى سكوكروفت آنذاك أن التقرير تنقصه جوانب مهمة فأصدر تعليماته إلى كوندي بأن تترأس فريقا من مجلس الأمن القومي لتعيد كتابة التقرير بالشكل الذي يجعله أكثر تركيزا على غورباتشوف والسياسات التي انتهجها والأفكار التي تمثل رؤاه للمستقبل.
كانت كوندي، حتى تلك اللحظة، قد كتبت عن غورباتشوف ونشرت عنه الكثير من المقالات، وكان ذلك التكليف بمثابة فرصة لها لكي تضع خبراتها ومعارفها بشأن فترة غورباتشوف والنظام السوفييتي موضع التطبيق كواحدة ممن يشاركون في صنع السياسة الأميركية للمرة الأولى.
وشكلت الورقة التي كتبتها هي والمجموعة التي تعمل معها الأساس الذي سارت عليه إدارة بوش تجاه الاتحاد السوفييتي. لقد راح سكوكروفت يصف مذكرة كوندي بأنها حوت أفكارا تمثل الأساس الذي يمكن أن يمثل مرشدا بشأن تطوير استراتيجية شاملة بشأن العلاقات الأميركية السوفييتية،
مشيرا إلى أنها تضمنت أربع خطوات أساسية تتطابق مع طبيعة غورباتشوف، معتبرا أن مضمون المذكرة يعزز موقف السياسة الأميركية ويجعلها تتسم بالوضوح، وتجعل شركاء الولايات المتحدة على ثقة من التزام واشنطن بمواقفها تجاههم.
لقد كانت المهمة التالية المناطة لكوندي أكثر حرجا وتتطلب جهدا أكبر. لقد تم انتقاد الإدارة الجديدة بسبب عدم تحديدها طبيعة سياستها الخارجية أو إعلان الأهداف والاستراتيجيات التي يمكن أن تشير إلى توجهاتها بشكل كاف . وكان الاتجاه السائد آنذاك ان يتم ذلك من خلال كلمات للرئيس تبدأ خلال فصل الربيع.
ولكن حدثا في أوروبا الشرقية أدى إلى ضرورة الإسراع بتقديم الإدارة لهذا الموعد. ففي أوائل ابريل حظيت منظمة تضامن العمالية في بولندا بالشرعية وبدأت البلاد تتجه إلى التخلي عن الحكم الشيوعي بعد نحو 45 عاما من هذا الحكم. ومع اتجاه بولندا إلى الديمقراطية واجهت الإدارة الأميركية قضية تحديد طبيعة السياسة التي ينبغي انتهاجها تجاه أوروبا الشرقية.
واستقر الرأي على ان يلقي الرئيس خطابا يحدد من خلاله موقف الولايات المتحدة بشأن التطورات البولندية وأوروبا الشرقية عامة في «هامترامك» في ميتشجين في 17 أبريل باعتبارها تضم أعدادا كبيرة من الأسر ذات الصلات الوثيقة مع أوروبا الشرقية وبولندا بشكل خاص.
لقد كانت تلك المدينة، وفقا لرؤية سكوكروفت، المكان المثالي للحديث عن التغيير في الاتحاد السوفييتي وبشأن طموح بولندا إلى الحرية. وإزاء حقيقة ان كلمة بوش لم يتبق أمامها سوى أسبوعين فإنه كان على مساعدي بوش العمل بسرعة من أجل مواكبة التطورات الحاصلة في بولندا.
وفي ظل هذه الأجواء فقد طلب من كوندي العمل على تحديد سبل المساعدة المادية التي يمكن تقديمها لبولندا، وكان ذلك يعد مهمة صعبة في ظل أوضاع اقتصادية غير مواتية وتتسم بضغط النفقات وميزانية تواجه عجزا كبيرا. فضلا عن ذلك فإن خيار المساعدة المالية أو الاقتصادية ذاته كان خيارا مثيرا للجدل.
وفي اجتماع لمجلس الأمن القومي بهذا الخصوص سادت وجهتا نظر: الأولى تتمثل في أن إرسال أموال إلى بولندا قد يشكل خطرا إزاء حقيقة انها قد لا تحسن استخدام مثل هذه المساعدات.
وأشار أحد أعضاء المجلس إلى أنه تم اتخاذ موقف مماثل في مرحلة السبعينات لمساندة بعض التغييرات آنذاك ولكنها لم تأت بنتيجة أو تحقق المرجو منها نظرا لأن البنية الأساسية لبولندا آنذاك لم تكن مهيأة لمثل ذلك في هذا الوقت. وحاجج العضو بأن مثل هذا الأمر يمكن ان يحدث هذه المرة كذلك.
على الجانب الآخر فإن الرئيس بوش ووزير خارجيته جيمس بيكر ذهبا إلى ان بولندا حققت قفزة كبيرة هذه المرة، وأن الموقف مختلف تماما عما مضى. وكان على الرئيس أن يتخذ القرار الخاص به وفي النهاية قرر أن يحاول توفير المساعدة الممكنة لكي تكون إحدى أدواته تجاه التعاطي مع الأوضاع في بولندا.
كتابة خطاب الرئيس
وكان السؤال التالي يدور حول من سيكتب خطاب الرئيس؟ وانتشر الأمر وأصبح مثار تساؤل بين أعضاء مجلس الامن القومي وكتاب كلمات وخطب الرئيس. وكان سكوكروفت يرى أن مجلس الأمن القومي يعد المكان الطبيعي لمثل هذا العمل انطلاقا من أن المجلس بشكل عام يعتبر قريبا من موقف التأييد بشأن هذه القضية.
فيما ان كتاب كلمات الرئيس حاججوا بقدرتهم على هذا الأمر وبشكل مبدئي عهد سكوكروفت إلى كوندي بالأمر وكبير كتاب خطب الرئيس مارك ديفيس وقد وضع الرئيس ملاحظاته على النص مضيفا رؤيته الخاصة إلى ان شعر بأنها تعبر عن وجهة نظره، وكان ذلك خطوة إضافية إلى الأمام لكوندي تؤكد ثقة الرئيس فيها وصحة توقعات سكوكروفت بشأن أدائها.
في يوليو 1989 التحقت كوندي بالرئيس بوش وسكوكروفت والوفد الرسمي إلى بولندا والمجر، حيث ألقى الرئيس كلمة أمام الجمهور، وعد خلالها بتقديم مساعدة اقتصادية لأوروبا الشرقية والتطورات الديمقراطية فيها.
وفي وارسو ودانسك في بولندا تم اللقاء مع زعيم حركة تضامن ليخ فاليسا وكذلك الجنرال ياروزلسكي وألقى بوش كلمة أمام الجمعية الوطنية. وفي بودابست التقى الوفد مع قادة الحزب الشيوعي المجري.
في نهاية 1989 واجهت كوندي موقفا تمكنت من خلاله من إثبات صحة وجهة نظر سكوكروفت بشأنها من أنها يمكن ان تتعامل بخشونة عندما يتطلب الأمر ذلك. فقد كان مقررا لها ان تشرف على مراسم استقبال بوريس يلتسين - الذي تصفه المؤلفة بالسكير- عند مدخل البيت الأبيض .
وقد كان يلتسين الناقد الرئيسي والقوي آنذاك لسياسات غورباتوشف، عضوا في البرلمان السوفييتي وقد تركزت انتقاداته لجهة بطء سياسات الإصلاح الاقتصادي. وخلال جولته في الولايات المتحدة في سبتمبر أصبح مصدر تركيز من قبل الصحافة نظرا لتصرفاته التي كان يصعب التكهن بها، فضلا عن مواقفه التي كانت تبدو مثيرة للجدل والنقاش.
وكان على بوش وسكوكروفت تحديد ما اذا كان يلتسين سيقوم بزيارة البيت الأبيض أم لا. وهنا يتكشف لنا الكثير من خلال تناول المؤلفة لهذه النقطة عن خبايا خطط البيت الأبيض في هذا الصدد. ذلك أن هناك ثلاثة طرق تم إعدادها بعناية بشأن لقاء الضيوف السياسيين الأجانب تشمل ثلاثة مستويات.
فالضيوف المرغوب فيهم يتم تحديد مواعيد لهم مع الرئيس. أما الضيوف الأقل أهمية فيتم ترتيب لقائهم مع سكوكروفت، على ان يلتقي به الرئيس عرضا، أما الزمن الذي يستغرقه هذا اللقاء فيتوقف على رغبة الرئيس. أما المستوى الثالث فهو اللقاء مع سكوكروفت فقط.
كذلك فإن اللقاء مع سكوكروفت له ترتيباته فإذا رغب في أن يمكن الصحافيين من لقاء الضيف، فإنه تتم استضافته عبر البهو الغربي. أما بالنسبة للضيوف غير المرغوب في لقائهم مع الصحافة فيتم استقبالهم عبر الأبواب الغربية.
كان بوش يريد لقاء يلتسين ولكن على هامش لقائه مع سكوكروفت وليس لقاء منفصلا ، أي المستوى الثاني من الأهمية. وفي 12 سبتمبر طُلب من يلتسين زيارة البيت الأبيض، وتم الترتيب لذلك عبر الأبواب الغربية، حيث كانت كوندي في انتظار وصوله.
وحينئذ رفض يلتسين أن ينزل من سيارته قبل أن تعده كوندي باصطحابه إلى المكتب البيضاوي للقاء الرئيس، مشيرا لها إلى أن هذه ليست البوابة لزيارة الرئيس. ولكن كوندي راحت تذكره بأن لقاءه وفق ما هو محدد مع سكوكروفت وليس الرئيس. في هذه اللحظة راح يلتسين يصيح بأعلى صوته أنه لم يسمع عن الجنرال سكوكروفت،
مشيرا إلى انه ليس شخصا مهما بالدرجة الكافية التي تجعله يقابله. وفيما يمثل تهديدا بإصراره على موقفه عاد يلتسين إلى مقعده في السيارة ثانية ناظرا بغضب إلى كوندي التي بادلته النظرات نفسها، وراحت تستدير عائدة إلى البيت الأبيض قائلة بكلمات ذات مغزى أنها سوف تخبر الجنرال أن يلتسين لم يحضر.
هنا تراجع يلتسين عن موقفه ووافق على لقاء سكوكروفت ونزل ثانية من سيارته! وكان لذلك الموقف الذي استغرق نحو خمس دقائق دلالاته القوية بشأن شخصية كوندي وحزمها عندما تقتضي الضرورة، وهو ما استتبعه تغير نظرة من شهدوا الموقف لشخصيتها بعد ذلك. لقد التقى يلتسين مع سكوكروفت، ومرْ عليه الرئيس بوش حيث التقاه لدقائق!
إسقاط جداربرلين
بعد نحو شهرين من ذلك الحدث كشف سقوط جدار برلين عن التغييرات الجذرية التي تعيشها أوروبا الشرقية. وبعد عدة أسابيع من ذلك التطور المثير رافقت كوندي الرئيس بوش ووفد مجلس الأمن القومي إلى قمة مالطا، حيث كان من المقرر أن يتم اللقاء مع غورباتشوف. كان ذلك اللقاء الأول لكوندي مع غورباتشوف الذي كتبت عنه وعن سياساته كثيرا.
لقد كان موقف غورباتشوف بشأنها، حسبما تصفه هي من المواقف التي بدت لها غريبة، لقد كان لسان حاله، يتساءل حول ماذا تفعل مثل هذه الفتاة أو السيدة هنا حيث تجرى محادثات بشأن الصواريخ والرصاص؟ .
فضلا عن ذلك فإن كوندي لم تكن تعرف طبيعة شعور الفريق السوفييتي الذي يرافق غورباتشوف بشأنها، فقد كان يبدو أن السوفييت سيجدون صعوبة في تقبلها من دون ان تستطيع تحديد سبب مثل هذا الأمر، هل هو لمجرد أنها أنثى أم لأنها سوداء، أم مجرد فتاة شابة؟ ولكن على أية حال استطاعت كوندي في النهاية ان تفرض وجودها.
هنا تعود المؤلفة إلى التطرق إلى جانب من المواقف المحرجة التي تعرضت لها كوندي بسبب لون بشرتها، مشيرة إلى أنه من وقت لآخر كانت كوندي تواجه مشكلة تتعلق بهذا الأمر وسط طاقم إدارة السياسة الخارجية الأميركية الذي يضم أفرادا جميعهم تقريبا من البيض.
فعندما قام غورباتشوف بزيارته الأولى للولايات المتحدة في يونيو 1990 على سبيل المثال ، تم اختيار كوندي لرئاسة الوفد الأميركي المرافق للضيف. وفي مطار سان فرانسيسكو قام أحد رجال الأمن السريين الذي لسبب أو لآخر لم يكن يعرف كوندي بمحاولة منعها من الدخول إلى منطقة هبوط الطائرة مع باقي المجموعة.
وحسب وصف كوندي : راح ينظر إلي بطريقة عدوانية فبادلته النظرات نفسها، وفيما بعد الواقعة نشرت الصحافة عن هذه الواقعة وهو ما وضع جهاز الأمن في حرج، فضلا عما يتركه مثل هذا الموقف على صورة أميركا الخارجية وطبيعة العلاقات القائمة بين البيض والسود. وقد أشارت كوندي إلى انها لا تتصرف بعصبية ويغلب عليها الطابع الدبلوماسي إزاء هذه المواقف.
مظهر آخر من المظاهر التي تكشف عن البعد المتعلق بالنظر للمرأة كامرأة ـ أي امرأة - من قبل الرجل بما في ذلك مجال العمل الدبلوماسي وقع بعد ذلك عندما كانت كوندي تعمل في ظل الفترة الثانية لإدارة بوش وفي خلال زيارة رسمية لإسرائيل فإن شارون والذي كأن آنذاك مرشحا لرئاسة الوزراء صرح للصحافيين: بقوله يجب عليَّ ان اعترف بأنه كان من الصعب علي التركيز خلال المباحثات مع رايس بسبب أن لديها ساقين بالغتي الجمال!
تعود المؤلفة إلى قمة مالطا وتشير إلى أنه كان على رأس أولوياتها مناقشة إعادة توحيد ألمانيا، الأمر الذي كان الإتحاد السوفييتي يخشى من ان يؤدي إلى تقويض أساس نظام الأمن السوفييتي.
لقد أدت أطروحات غورباتشوف بشأن الحرية الاقتصادية في الإتحاد السوفييتي إلى مظاهرات تتسم بالشجاعة وفتح الحدود وهي التطورات التي صاحبتها اندفاعة قوية بشكل لم يكن متوقعاً بالنسبة لهذه المجموعة من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي.
وكانت كوندي ضمن المجموعة الصغيرة التي طورت هذه السياسة التي أتى بها بوش إلى مالطا وكذلك للقمم الأوروبية في ذلك العام . وقد تكونت تلك المجموعة التي أعدت تلك السياسة من كوندي وفيليب زيليكو وروبرت بلاكويل وبيتر زوليك، ودينيس روس، الذين كانوا المساعدين الأساسيين لسكوكروفت بالنسبة لقضية توحيد ألمانيا.
الوحدة الألمانية
صنعت مجموعة كوندي السياسة الأميركية بشأن الوحدة الألمانية وأوروبا الجديدة، والتي شملت حق تقرير المصير لألمانيا والتزام «الناتو» بذلك، وأكدت كذلك على سلمية كل التحولات وتدرجيتها وأنها جزء من عملية تجري تفاصيلها خطوة خطوة،
فيما كان الهدف الآخر هو تحقيق الوحدة الألمانية سريعا قبل أن يعمل السوفييت وأقطار أخرى على عرقلة هذه الخطوة. ووفق السياق الذي تقدمه المؤلفة فمن الواضح أن كوندي لعبت دورا رئيسيا بشأن صياغة هذه السياسة.
ففي مذكرة لسكوكروفت في أوائل 1990 أعلنت أن خطة الأعوام الخمسة التي أعلنها المستشار الألماني هيلموت كول تعد بالغة البطء وتوفر الكثير من الوقت للإتحاد السوفييتي للتدخل ولعب دور قوي يتوافق مع أهدافه.
لقد أقنعت سكوكروفت وطاقمه بموقفها ورغم خطورة تصورها للموقف إلا ان الواقع أثبت صحة رؤيتها. فقد اكتسحت ألمانيا تحولات سريعة، ففي مارس 1990 تم إجراء انتخابات حرة في ألمانيا الشرقية وفازت فيها الأحزاب المؤيدة للوحدة.
وفي سبتمبر التقى القادة الأوروبيون في موسكو للتوقيع على معاهدة بشأن تسوية المسألة الألمانية وتقضي باحترام وضع ألمانيا الموحدة. وفي الصورة التي التقطت للحدث فإن كوندي كانت تظهر في خلفية الصورة، وضمن 35 شخصاً شهدوا التوقيع فإنه لم تكن هناك سوى امرأتين احداهما رايس .
وفي 3 أكتوبر 1990 وقعت الألمانيتان رسميا اتفاقية الوحدة.ومع فقدان ألمانيا الشرقية فإن الإتحاد السوفييتي بدأ خطواته المتسارعة التي لم يكن يتوقعها أحد نحو التفكك. وكانت كوندي في قلب المطبخ الأميركي الذي أدار هذه العملية باقتدار حتى مارس 1991.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق