نظلم هذا الكتاب كثيراً إذا نظرنا إليه على أنه سيرة حياة كوندوليزا رايس فحسب، حيث أنه إلى جانب ذلك رواية مفصلة للسياسة الأميركية في فترة من أخصب فتراتها، سواء كانت هذه الخصوبة إيجابية أم سلبية وعلى الرغم من ملاحظات عدة ترد على منهج المؤلفة في استعراض السيرة الذاتية وقصة صعود كوندي.
رغم تخصصها في تقديم هذا اللون من الكتب، إلا ان الكتاب في كل الأحوال يقدم صورة شبه متكاملة حول تفاصيل حياة السيدة التي قد يؤدي صعودها المتواصل إلى ترشيحها لتكون رئيسا للولايات المتحدة، محققة بذلك المعادلة الصعبة المزدوجة ممثلة في كونها أول سيدة وأول شخص من السود في الولايات المتحدة يعمل على السعي لشغل ذلك المنصب، رغم نفي كوندي لمثل هذا الطموح.
كما يحكي الكتاب تفاصيل عديدة يغوص من خلالها في المطبخ السياسي الأميركي الذي كانت كوندي هي «الشيف الرئيسي» فيه على الأقل خلال فترة عملها مع بوش الإبن الذي تكاد شخصيته ان تذوب في آراء كوندي على الأقل حسبما يرى بعض المراقبين.
تولت كوندي عملها في مجلس الأمن القومي الأميركي في فترة تعد من أهم فترات السياسة الأميركية والعالمية، فخلال تلك الفترة توحدت المانيا وقد لعبت دوراً مباشراً وواضحاً في الوصول إلى هذه النتيجة، كما أنه خلال تلك الفترة أيضا تفكك الاتحاد السوفييتي الذي تعد أحد كبار المتخصصين في شؤونه.
ورغم أنه قد يكون من المبالغة رد الأمر كله أو بعضه إليها الا أنه لا يمكن إنكار التأثير المباشر للسياسة الأميركية في تلك الفترة على التعجيل بهذا التفكك أو الانهيار. وقد كانت كوندي أحد الذين صاغوا سياسة بلادها تجاه الاتحاد السوفييتي خلال تلك الفترة.
كما أنه خلال فترة عملها كأحد المخططين للسياسة الأميركية وقعت أحداث سبتمبر التي تعد أحداثاً مفصلية، ان لم يكن في تاريخ العالم، فعلى الأقل في تاريخ الولايات المتحدة إلى الحد الذي أصبح يتم به التقويم للكثير من الأحداث، ما قبل وما بعد سبتمبر.
أما على مستوانا العربي فتنبع أهمية قصة كوندي بشكل خاص من الدور الذي لعبته في قصة غزو العراق، العملية التي ألقت وتلقي بتأثيراتها على مستقبل المنطقة العربية والشرق الأوسط ككل، وهو دور محوري حسبما يشير الكتاب، وجاء انطلاقاً من التحولات التي تسببت فيها أحداث سبتمبر على فكر رايس والرئيس بوش الابن بالتالي.
وبشكل عام يقدم لنا الكتاب صورة كاملة عن فترة من أثرى فترات السياسة الأميركية في مرحلة تحول غير مسبوق من منظور كوندي، اللاعب الرئيسي في صياغة هذه السياسة.
وإن كان يعيب الكتاب غلبة الطابع السردي الذي يسيطر عليه الانبهار بالشخصية محل التناول وغياب الرؤية النقدية، كذلك محدودية المناقشة للقضايا قيد البحث حتى ولو بافتراض انطلاق المؤلفة من الأرضية الفكرية نفسها التي تعكسها كوندي.
وبشكل خاص ان الكتاب يتطرق إلى العديد من القضايا التي تعد مثار جدل واسع تتعلق باستراتيجيات السياسات الأميركية وخططها في فترة ما بعد الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بالسيطرة على النظام الدولي وهي التطورات التي تواكب مع عمل كوندي في البيت الأبيض، سواء في مرحلة البدايات خلال أواخر الثمانينات.
أو حتى خلال الظروف الحالية التي تعد فيها كوندي المقررة الأساسية لتوجهات السياسة الأميركية، الأمر الذي سيتضح لنا مثلاً من خلال الاستعراض التفصيلي لمواقف كوندي بشأن العراق حيث كانت تمثل أقصى المواقف المتشددة في هذا الخصوص.
* ملامح النشأة
إن أي حديث عن كوندي لن يكون مكتملاً إلا إذا تطرق إلى محاولة البحث في المكانة التي تحتلها حالياً في السياسة الأميركية على الرغم من انتمائها إلى السود الذين عانوا طويلاً من التمييز العنصري في الولايات المتحدة.
ورغم الحديث عن تجاوز هذا التمييز، وهو أمر محل نظر، إلا أن كوندي نشأت في فترة كان فيها التمييز على أشده لدرجة أصابتها ذات مرة إحدى شظاياه، الأمر الذي سنعرض له في سطور تالية.
يفسر صعود كوندي، كغيرها من قلة من السود الأميركيين وعلى رأسهم في المجتمع السياسي وزير الخارجية الأميركي السابق الذي حلت كوندي محله، التنشئة الخاصة التي لقيتها من قبل والديها، ولدت كوندي عام 1954 في برمنجهام بالاباما لأب يعمل قساً وأم تعمل مدرسة موسيقى، وترعرعت في ظل التمييز العنصري ضد السود.
وخلال سنوات عمرها الأولى ترسخ هذا التمييز إلى مستويات غير مسبوقة حتى انها في الثامنة من عمرها وفيما كانت تجلس داخل الكنيسة التي يعمل فيها والدها ولم تكن تجاوزت الثماني سنوات بعد شعرت بأن السقف فوق رأسها يهتز.
إن السبب لم يكن ببساطة سوى قنبلة وضعتها جمعية سرية أميركية نشأت بعد الحرب الأهلية لترسيخ سيطرة البيض على السود في كنيسة معمدانية في الشارع السادس عشر وذلك عام 1963 الأمر الذي أدى إلى مقتل أربع فتيات من السود كانت واحدة منهن زميلة لكوندي خلال فترة الحضانة.
وسط هذه الظروف ولد تصميم الوالدين على توفير أجواء لابنتيهما تمكنها من تجاوز حالة التمييز، من خلال التفوق والتميز بالشكل الذي يضمن لها وضعية مختلفة عن بقية السود.
من هنا كان حرص الوالدين على التركيز على تعليمها بما يجعلها من المتفوقين ويتيح لها مكانة متميزة في المجتمع انطلاقاً من أن التعليم يعتبر أفضل سلاح للوقاية من التمييز العنصري والتحيز والمحاباة.
الأمر الذي يفسره القول المعتاد لكوندي من أن طفولتها رسخت عزيمتها القوية واحترامها لذاتها، فضلاً عن ترسيخ الاعتقاد لديها بأنه من أجل أن تكتسب القوة يجب على المرء أن يصبح «أفضل مرتين».
ومستغلة طبيعة مهنتها كمدرسة موسيقى حرصت والدة كوندي على تعليم فتاتها العزف على البيانو، الأمر الذي ستبرع فيه حتى أنها ستشارك في حفل كبير كعازفة بيانو في ظل توليها مهام مستشارة الأمن القومي، كما شاطرها والدها نشاطاً آخر هو ممارسة الرياضة.
ساعدت هذه التنشئة كوندي على تجاوز الشعور بحالة التمييز العنصري ورفع من مستوى آمالها الشخصية، حتى إنها تذكر لدى استرجاع ذكريات الطفولة ان والديها كانا مقتنعين تماما بأنها لن تتمكن من تناول الهامبرغر في «وول ورث».
ولكن بامكانها ان تصبح رئيسة للولايات المتحدة، الأمر الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى إنما لم يكن بفعل الواقع فبفعل تأثيرها غير المسبوق، كمستشار أمن قومي ثم وزيرة خارجية، على الرئيس بوش الابن.
* الموسيقى والسياسة
تحققت آمال الوالدين بشكل أولي وحققت الفتاة الصغيرة أمنيتهما في التميز التعليمي، وانطلاقا من هذا الأساس وباعتبارها واحدة من ألمع الأميركيين ذهبت كوندي إلى جامعة دنفر في الخامسة عشرة من عمرها .
وحصلت على الدرجة الجامعية في العلوم السياسية وهي في سن 19 سنة. ومن المفارقات هنا أن كوندي التحقت بالجامعة كطالبة موسيقى نظراً لمستواها المرتفع كعازفة بيانو.
وكانت عازمة على أن تصبح عازفة بيانو كلاسيكية، غير ان ظروفاً أخرى غيرت من مجرى حياتها تماما اذ بينما هي في دنفر وقعت تحت ضغط جوزيف كورييل، وهو لاجئ تشيكي ووالد مادلين أولبرايت، أول امرأة تتولى وزارة الخارجية الأميركية. وبفضل إرشاداته اصبحت كوندي مهتمة بالعلاقات الدولية ودراسة الاتحاد السوفييتي .
وبالتالي غيرت مسار حياتها تماما فحصلت على بكالوريوس العلوم السياسية بامتياز من جامعة دنفر عام 1974 ثم اعقبت كوندي البكالوريوس بالماجستير، حيث حصلت على درجته من جامعة نوتردام عام 1975 ثم الدكتوراه من كلية الدراسات الدولية في جامعة دنفر عام 1981.
ثم حصلت على درجة الزمالة في مركز جامعة ستانفورد للأمن الدولي والسيطرة على الأسلحة، في السادسة والعشرين من عمرها، كما حصلت على درجة الزمالة لمعهد هوفر، وخلال عام 1987 عملت زميلا في مجلس العلاقات الخارجية الذي سمح لها بالعمل مع رؤساء الأركان المشتركة في مجال التخطيط الاستراتيجي النووي.
تشير المؤلفة إلى أن جانبا مما يسم طبيعة رايس هو حب استغلال أوقاتها في الخدمات العامة، فنظرا الى انها نمت في برمنجهام فقد شاهدت ابويها يكرسان حياتهما من اجل الاطفال خارج الفصل كما داخله. وكذلك كفاحهما من اجل مواجهة عدم العدالة وتسليح الشباب بالثقة واعدادهم لمواجهة عالم صعب المراس.
لقد ترك كل ذلك تأثيره على شخصية كوندي والتي كانت تأمل أن تنقل معرفتها وقدرتها على المشاركة إلى عملية صنع السياسة التي تشكل الأمن القومي.
وقد أدت بها فترة عملها الطويل لمدة العام في البنتاجون الى تزويدها بقدر ما من الرؤية بشأن كيفية تحول السياسة الى افعال وقد كان لديها الرغبة في أن يكون لها يد في مثل هذه العملية. ورغم انها لم تكن مهتمة بالسياسات الحزبية، فإنها كرست مجالها الأكاديمي من اجل دراسة القرارات المتعلقة بالنزاعات والاستراتيجيات العسكرية.
وكانت تأمل في ان تتاح لها في يوم ما الفرصة في أن تضع خبراتها موضع التطبيق في واشنطن. كما انغمست كوندي في الوقت ذاته في حل المشكلات القائمة في مجتمعها في ستانفورد بكاليفورنيا.
ففي 1986 التحقت كوندي بمنظمة مدنية في ستانفورد لتساعد الأقليات في مجال الصحة والاسكان والتعليم ودعم المشاريع الصغيرة وغير ذلك من الجوانب.
وقد كان من بين الوظائف الأولية أو الحيوية للمنظمة مساعدة إدارة المعاهد العلمية التي تقدم تعليما وتدريبا للأقليات الطلابية الذين يواجهون خطر عدم استكمال تعليمهم.
وقد انشئت هذه المعاهد عام 1981 بهدف تحسين أوضاع الطلبة وتطوير اتجاهاتهم بشأن التعليم وتنمية الاهتمام بالعمل والشعور بالمسؤولية لديهم، وإعدادهم من أجل العمل أو الدراسة، وقد عملت كوندي في هذه المؤسسة لمدة ثلاثة أعوام.
وفي 1988 تم انتخابها لقيادة هيئة أخرى ذات توجهات تهتم بالتعليم، وهي شبكة سان فرانسيسكو الاذاعية العامة وكانت مهمة هذه الشبكة تعزيز التعليم لذوي الأعمار الطويلة، والعمل على التنمية الفكرية لهؤلاء مع دعم مفاهيم خدمة المجتمع والمشاركة المدنية. وفي الخطاب الذي وجهته كوندي إلى الشبكة أعربت عن اهتمامها بتقديم كل ما يمكنها من خبرات .
ومعرفة مجال الخدمات العامة للشبكة غير أن الظروف لم تمهلها لتحقيق ذلك، حيث إنه لم يكد يمضي نحو الشهر على هذا الكلام إلا وبدأت في الإعداد لمغامراتها الكبرى في الحياة التي ستكون النقلة الأساسية في حياتها إلى البيت الأبيض.
فما أن لاحت لها فرصة العمل هناك في مجلس الأمن القومي حتى قبلت كوندي ذلك العرض وقدمت استقالتها إلى الشبكة قبل أن تتمكن من حضور أي من اجتماعاتها.
وخطت كوندي خطوة كبيرة على طريق ظهورها في المجتمع، عندما طلبت منها إلقاء خطبة في نادي الكومنولث الذي يمثل منتدى الشؤون العامة والذي يناقش قضايا عديدة سنوياً، يتم خلالها التطرق إلى العديد من الجوانب المتعلقة بالسياسات والمجتمع والثقافة وغيرها من القضايا المعاصرة.
وقد بدأ النادي في خطبه العامة تلك منذ 1911 بخطاب ألقاه تيدي روزفلت، وتبعه بعد ذلك مجموعة من السياسيين في السنوات التالية والرموز القومية مثل مارتن لوثر كينج، وجيه أر، ورونالد ريجان، وبيل جيتس.
وفي 9 مايو 1988 ألقت كوندي كلمة لها تحت عنوان حول «العلاقات الأميركية السوفييتية خلال حكم غورباتشوف» تم بثها إذاعياً عبر الولايات المتحدة.
إلى جانب ذلك، واجهت كوندي خلال تلك الفترة حدثين آخرين ألقيا المزيد من الأضواء على شخصيتها في تلك الفترة التي كانت تبلغ فيها الثلاثة والثلاثين من عمرها.
فضلاً عن إدارتها لندوة علمية مع الطلبة في مركز الدراسات الروسية والأوروبية الشرقية في الجامعة، كما ألقت كلمة عامة عن غورباتشوف. وفي الربيع التالي، في أبريل 1988، قامت برحلة إلى الاتحاد السوفييتي من أجل إلقاء كلمة في السفارة الأميركية في موسكو.
كانت أنشطة كوندي، حسبما تشير المؤلفة، مدفوعة برغبة حقيقية من أجل الخدمة العامة، الأمر الذي لم يمر دون أن يتم ملاحظته من قبل رفقائها.
وفي هذا يصفها أحدهم بأنها من ذلك النوع من الأشخاص الناجح في تحقيق أشياء عدة في وقت واحد، فبالإضافة إلى عملية التدريس والكتابة والبحث، فإنها كانت لديها دائماً اهتمامات وقدرات على تقديم الاستشارة، وهي دائماً مشغولة، ومن نوع الشخصيات المليئة.
* مهام واسعة النطاق
بدأت المهام العامة والمشاغل تنهال عليها خلال عامها الأول في ستانفورد، عندما بدأت العمل في لجان عدة ومنظمات إدارية أخرى، كما أن انغماسها في مثل هذه الأعمال تضمن مشاركتها في مركز لجنة الخدمات العامة والذي شاركت فيه خلال الفترة من 1987 و 1991 ـ 1999، لجنة القبول والمساعدة المالية، والتي شاركت فيها كذلك خلال الفترة 1982 ـ 1985 و1988 ـ 1989.
وفي 1985 فازت كوندي بجائزة الزمالة القومية من معهد هوفر بشأن الحرب والثورة والسلام، الأمر الذي كان يتيح لها الحصول على راحة من عملية التدريس وتكريس عام كامل من أجل البحث. وكانت كوندي من بين أربع عشرة شخصية تم اختيارها من قبل المعهد على مستوى الولايات المتحدة من أجل الحصول على الزمالة.
كما كان ذلك المرة الأولى من بين مرات ثلاث حصلت عليها خلال سنوات تواجدها في ستانفورد. وخلال تلك الفترة سبتمر 1985 وحتى أغسطس 1986 أتمت دراسة حول حقبة غورباتشوف بالتعاون مع ألكسندر دالين والذي يعد واحد من كتبها الثلاثة المنشورة. ودالين كان أستاذاً متقاعداً للعلوم السياسية والتاريخ في ستانفورد عندما توفي عام 2000 .
ويصفه زملاؤه بأنه كان واحداً من الدارسين المميزين. وقد كان العمل مع دالين بمثابة شرف لها باعتباره واحداً من المعروفين بخبراتهم في دراسة الاتحاد السوفييتي وواحد من أوائل الخريجين من معهد الدراسات الروسية بجامعة كولومبيا.
ويمثل «عصر غورباتشوف» مجموعة من المقالات من قبل مجموعة من المشهورين في مجال الدراسات السوفييتية، الكثير منهم من ستانفورد وتم تقديمها في برنامج الصيف في ستانفورد عام 1985. بالإضافة إلى تحرير الكتاب، ساهمت كوندي بمقالتين تحت عنوان «تطور القوة العسكرية الروسية» و«نظام التحالف السوفييتي».
كانت الفترة الحرجة بشكل كبير في حياة كوندي في 1985 حين اضطرت للابتعاد عن والديها، فلدى عودتها الى دنفر اشتدت وطأة المرض على والدتها التي كانت تعاني من الاصابة بسرطان الثدي حيث لقيت حتفها في ذلك العام عن عمر يناهز الـ 61 عاماً.
وطارت كوندي الى منزل الأسرة لحضور الجنازة ومشاركة والدها الحزن على أمها وأفراد الأسرة الذين عاد الكثيرون منهم الى دنفر لكي يكونوا معها، ووسط أحاديث الأصدقاء عن الوالدة ومدى ولعها بالموسيقى ووسط أجواء الأحزان راحت كوندي تقوم بأداء بعض المقطوعات الموسيقية التي كانت أمها تحبها على البيانو.
بوفاة والدتها بدأت كوندي مرحلة جديدة من الحياة بدأ يذوب فيها الحنين الى الأسرة وخلال العام الأول لزمالتها لمعهد هوفر بدأت كوندي العمل في كتابها بشأن تاريخ وتطور الأداء العسكري في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وقد استمرت في العمل في الكتاب بعد عودتها الى التدريس، ولكن العمل كان بطيئاً إزاء اتساع مهام مسؤولياتها.
وفي فبراير 1989 تلقت مكالمة من برنت سكوكروفت احد معارفها القدامى والذي اقنعها بأن تحصل على إجازة من التدريس وان تضع خبراتها بشأن الاتحاد السوفييتي محل التطبيق، المكالمة كانت البداية على طريق الألف ميل نحو البيت الأبيض.
تم تعيين برنت سكوكروفت كمستشار للأمن القومي للرئيس المنتخب آنذاك جورج بوش وكان يريد من كوندي ان تكون أحد أعضاء فريقه في مجلس الأمن القومي.
وكان لسكوكروفت الجمهوري والذي عمل لفترة غير قصيرة في المجال العسكري والاكاديمي تأثير غير محدود على تطور خبرة كوندي في الشؤون السوفييتية، فقد كان كلاهما يشترك في الاهتمام بالتاريخ السوفييتي، كما كان لديهما ميراث مشترك كذلك في تدريس هذا التاريخ، كما ان كليهما يتحدث الروسية ولهما رؤى بشأن العلاقات الدولية في هذا المجال.
وقد ان العمل في هذه المهمة بمثابة أمر يسير على سكوكروفت حيث عمل في هذا المنصب خلال حكم الرئيس الأسبق جيرالد فورد، ففي ظل إدارة فورد كان هنري كسينجر يجمع بين منصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية.
فيما كان سكوكروفت نائبه وذراعه اليمنى في قضايا الأمن القومي، وعندما تخلى كسينجر عن منصبه كمستشار للأمن القومي من أجل تكريس وقته وطاقته لدوره كوزير للخارجية حل سكوكروفت محله كمستشار للأمن القومي.
وحسبما تشير المؤلفة فإن سكوكروفت كان من الحريصين على البعد عن الأضواء وكان يعمل نحو 18 ساعة في البيت الأبيض ويتمتع باحترام الآخرين.
وبعد استعراض مفصل من المؤلفة لسيرة حياة برنت سكوكروفت، تشير الى انه عقب لقائه بكوندي في غذاء نظمه قسم العلوم السياسية في ستانفورد عام 1987، توجه معها لحضور محاضرة لها حول «الصاروخ إم إكس» وهي المحاضرة التي اقنعته بأنها يمكن ان تمثل إضافة مهمة الى فريقه للأمن القومي في إدارة بوش الجديدة.
وكمستشار للأمن القومي فإن مهمة سكوكروفت كانت تتمثل في جميع الآرء بشأن السياسة الخارجية والاستراتيجيات من أعضاء المجلس مثل وزير الدفاع ديك تشيني، ووزير الخارجية جيمس بيكر والقائد العام للعمليات المشتركة كولن باول، وقد كان الثلاثة أعضاء في مجلس الأمن القومي والمجموعة الاستشارية التي تناقش قضايا السياسة الخارجية.
ومسودات الاستراتيجيات لتطبيق تلك السياسات، وكان سكوكروفت يقدم وجهات نظر أعضاء المجلس الى الرئيس ويولي أهمية للحفاظ على حالة تجاوز النزاع والتنافس لكي يبقي الأمور على خير ما يرام، عمل سكوكروفت وبيكر بشكل اتسم بالتعاون.
حسبما ذكرت رايس وفيليب زيليكو في كتابها بشأن الوحدة الألمانية، ووفقاً لما أشارا إليه فإن المنافسات الشرسة تقع بين إدارات الخارجية وموظفي مجلس الأمن القومي، وتعد ملمحاً أساسيا للعملية السياسية في واشنطن منذ الستينات.
ورغم ذلك فإن أسلوب سكوكروفت ساعد على عدم حدوث مثل ذلك الوضع، الأمر الذي وفر أجواء تعاونية، بحسب وصفها هي وزيليكو: لقد كانت النزاعات تندلع بين فترة وأخرى غير انه كان يتم احتواؤها.
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق
