المشكلات السلوكية بين الطلبة هي ما تؤرق الميدان التربوي وتثير الكثير من عوامل الإحراج لدى المعلم والمدير وولي الأمر والطالب نفسه، أما مدارسنا فهي بيئة واسعة تجمع بين أسوارها طلبة يحملون مجموعات من القيم والعادات، كل حسب بيئة بلده أو الحي الذي يعيش فيه أو بيته، وهو ما ينعكس على الساحة المدرسية التي تضم طلبة متباينين في ثقافتهم وقيمهم المتشكلة بفعل البيئة المحيطة بهم.

كثيرة هي السلوكيات التي تعاني منها البيئة المدرسية، والكلام البذيء والألفاظ النابية بعض منها، كما أن تعالي بعض الطلاب على أقرانهم والحركات اللاأخلاقية وظلم بعض المعلمين لهم سلوكيات أخرى خاطئة ومنتشرة بين طلاب مدرسة الاتحاد الخاصة في الممزر بحسب ما أكده الطلاب أنفسهم هناك.

أكد ذلك دراسة علمية أعدها مركز الخليج العربي للاستشارات التربوية وأوضحت المشكلات التي يعاني منها طلاب المدرسة وتنتهي بتطوير المستوى السلوكي لدى الطلاب، وجرى خلال فترة الدراسة التي تواصلت على مدار السنة الدراسية لقاء الطلاب أنفسهم والمعلمين وأولياء الأمور.

ومما ذكره المعلمون في هذه المدرسة أن هناك ترفاً زائداً يعيشه الطلاب، مما يجعلهم مستهزئين لا مبالين، علاوة على تعالي وكبر بعض الطلاب حتى على معلميهم، ثم تسيب وعدم التزام بقوانين المدرسة، وحركات وكلمات بذيئة تتداول بين مجموعة من الطلاب.

أولياء الأمور هم المحور الثالث في عملية التقييم، حيث أقرت سبع عائلات بمجموعة من السمات السلبية التي تلتصق بالطلاب الشباب هذه الأيام، ومنها الاستهزاء واللامبالاة، ومشاهدة الصور والمناظر الخليعة خاصة عبر الانترنت، وهي مشكلة كبيرة ومستفحلة كما يراها أولياء الأمور.

ميوعة الشباب

إضافة إلى ذلك فهم يعترفون بأن أبناءهم يعانون من ميوعة الشباب وهي ظاهرة بدأت تنتشر عبر هذا الجيل، ويرى الآباء أنه لا توجد مشكلة في موضوع احترام الكبير من قبل الطلاب، أما الكلام البذيء والحركات الغريبة فهي منتشرة بينهم وأمام الجميع.

علاوة على ما تقدم كانت الملاحظة المباشرة للطلاب حيث مراقبتهم في ميدان المدرسة لتوفير مصداقية أكبر في الحكم على سلوك المتعلمين عن طريق المشاهدة، كما وزعت على الطلاب والمعلمين استبيانات بنيت على ما تمت مشاهدته وسماعه من قبل، وشارك فيها أكثر من ثلاثمئة طالب ومعلم، وبحسب التقرير كان الطلاب صريحين وجريئين في إجاباتهم وكان من الواضح أيضاً وجود فجوة في المعلومات بين الطلاب والمعلمين، ما يعكس ضعفاً في التواصل كما قال التقرير.

وخلصت نتائج الاستبيان إلى أن الطلاب يعانون من عدم القدرة على ضبط النفس والانفعال السريع خاصة عند الغضب، وقد أوضحت نتائج الاستبيان أن 6,67 في المئة من الطلاب لا يستطيعون ضبط أنفسهم عند الغضب، كما ويتبادل 45 في المئة من الطلاب السخرية والاستهزاء.

وقال 5,46 في المئة من عينة الطلاب أنهم لا يحافظون على الصلاة، ونصفهم أكد وجود ظاهرة التعالي والكبر بين الزملاء، واتضح أيضاً أن 68 في المئة يستخدمون الكلمات النابية مع أقرانهم، أما المعاكسات فقد أكد 35 في المئة من الطلاب على وجودها، وأبدى 56 في المئة منهم انزعاجهم من ظاهرة التدخين، رغم أن الاستبيان أثبت أن 25 في المئة من الطلاب مدخنون.

نتائج إيجابية

الدراسة تلك أظهرت بعض النتائج الإيجابية ومنها احترام المدرسة والهيئة الإدارية والتعليمية من قبل الطلاب، وذلك أكده 60 في المئة من المستطلعين، علاوة على أن أكثر من 52 في المئة من الطلاب يشعرون بالمسؤولية تجاه السلوكيات الخاطئة في المدرسة، ثم إن 84 في المئة منهم قادرون على التعبير عن رأيهم بصراحة وشجاعة.

القائمون على مشروع الدراسة حددوا عدداً من السلوكيات غير المرغوبة لدى الطلاب مثل تبادل الكلمات النابية والبذيئة، وانتشار بعض الحركات اللاأخلاقية والمخلة بالآداب، ووجود التعالي والتكبر من بعض الطلاب على أقرانهم، وانتشار ظاهرة السخرية والاستهزاء بينهم، إضافة إلى ما سبق تبين أن المعاكسات موجودة كظاهرة ولكن ليست بنسبة كبيرة.

مشروع القدوة

وحول هذه المشكلات وضعت الدراسة عدداً من المقترحات ترمي إلى انتشال السلوكيات السلبية لدى الطلاب، ومنها رعاية عشرة طلاب متميزين لجعلهم قدوة بين أقرانهم، وتدريب المعلمين على مهارات التعامل مع الطلاب ومع السلوكيات الخاطئة داخل وخارج والفصل، وتدريب الوالدين على مهارة التعامل مع السلوكيات الخاطئة لدى أبنائهم.

ورأت الدراسة أن وسائل تحقيق هذه المقترحات تتم من خلال إيجاد برنامج توجيهي مستمر لتعريف الطلاب بأخطائهم، إضافة إلى دورات تدريبية للمعلمين للتدريب على فنون التعامل مع الطلاب، والقيام برحلات ترفيهية والتواصل مع الطلاب وعقد جلسات فردية للحالات التي تحتاج، وإشراك الأهل في العلاج بتدريبهم على حل مشكلات أبنائهم، وبعد ذلك يتابع البرنامج للاطلاع على الآثار التي تركها على الطلاب.

أحمد الشيبة رئيس مجلس إدارة مركز الخليج العربي للاستشارات التربوية بين أن الدراسة كشفت عن معاناة الطلاب في عدم مقدرتهم على ضبط النفس، وكونهم أضحوا في خضم المراهقة فهم يعيشون مرحلة إثبات الذات، وإذا لم يوجهوا بأسلوب سليم ستزداد هذه المشكلة، وتتلخص أكثر في سلوكيات السخرية والاستهزاء، التي توجد عند من يعانون نقصاً في تقدير الذات، مشيراً إلى أن مفهوم السخرية نابع من تعلق الأبناء بقناعات اكتسبوها من المجتمع ووسائل الإعلام، وهي أن السخرية رمز للنجومية، ولكن الواضح أن هذا السلوك الخاطئ يقل كلما ارتفع المستوى الدراسي والعلمي، لذلك فهو موجود أكثر لدى المتدنين دراسياً.

وأوضح أن سلوكيات التكبر والتعالي التي ظهرت عند بعض الطلاب ناجمة عن وجود مفاهيم خاطئة في معيار الأفضلية، وهي التي توقع أصحابها في حماقات مختلفة، ومن هذه المفاهيم الانتساب لعائلة ما أو ركوب سيارة فخمة أو امتلاك موبايل كبير الثمن وعلى نحوها، لافتاً إلى أن الكلمات النابية الدارجة عند الطلاب تأتي انعكاساً للوضع الاجتماعي الطلابي، والمتشكل بفعل انتشار الأفلام والرسوم المتحركة التي تصدر مثل هذه الألفاظ.

أخطر المشكلات

أما أخطر المشكلات السلوكية التي تلتصق بمرحلة المراهقة فهي المتعلقة بالجانب الجنسي، بحسب ما يرى الشيبة، وخصوصاً إذا كانت مع أقران من السن نفسه، فالبيئة المدرسية إن لم تكن محصنة من هذه الانحرافات فهي مهيأة لما يسمى الشذوذ الجنسي، فالأطفال يعلمون بعضهم البعض، ويتناقلون المشاهد الجنسية من جانب الإثارة والتعليم، وهو أمر خطير للغاية، إذ ان الأمور تبدأ بحركات وكلمات بذيئة لتصل إلى الانحراف النفسي والسلوكي والاجتماعي.

وأضاف: أدعي أن مسألة الشذوذ قلت لدى الذكور وارتفعت لدى الإناث، وسبب ذلك يعود للجانب الإعلامي، إذ يوجد تهاون كبير في بث الأفلام التي تتحدث عن الشذوذ بين البنات، ولكن إلى الآن لم تظهر تلك الأفلام بالدرجة نفسها بين الشباب، إضافة إلى أن مجتمعاتنا تبقي الغموض على كثير من الأشياء، فالبنت في الغالب تأخذ ثقافتها الجنسية من الانترنت والتلفزيون والزميلة وتكون مغلوطة وذلك لا يأتي من فراغ، بل إنني أتكلم عن ظواهر موجودة.

ولفت إلى أنه زار الكثير من المدارس في الدولة ولمح فيها مشكلات سلوكية متباينة، إذ أن لكل بيئة مدرسية خصوصية تنفرد بها، ولا يمكن تعميم دراسة واحدة على المدارس كلها لاختلاف طبيعة الطلاب وثقافتهم، رغم أن المشكلات تلك موجودة في المدارس عامة،

ولكن بعض الإدارات المدرسية تتهاون في هذا الجانب رغم أنه مهم جداً على صعيد التحصيل الأكاديمي أو التكامل النفسي الاجتماعي، مشيراً إلى أن الدراسة التي أجريت على طلبة مدرسة الاتحاد الخاصة تعتبر الأولى من نوعها على مستوى الإمارات والتي يخضع فيها طلاب مدرسة لتحليل علمي يحدد الخلل السلوكي ويضع العلاج اللازم.

مشكلات أقل حدة

محمد عجينة مدير قسم البنين بمدرسة الاتحاد الخاصة في الممزر قال إن الدراسة نبعت من اعتقادنا بأن الجانب الأكاديمي وحده لا يكفي، ولا بد من تعزيز الجانبين الاجتماعي والنفسي لدى الطلاب، مشيراً إلى أن السلوكيات الخاطئة موجودة في مختلف المدارس ولكن بنسب متفاوتة، وإذا ما قورنت مدرسة الاتحاد مع مدارس أخرى فإن المشكلات الموجودة تبدو أقل حدة.

وأضاف ان سلوكيات الطلبة وخصوصاً هذا العام بدت أكثر إيجابية من الأعوام الماضية، حيث رفضت المدرسة العام الحالي تسجيل أكثر من عشرين طالباً من الراسبين وممن لديهم أسبقيات في المشاغبة والتخريب، علاوة على أن كل طالب تقدم للتسجيل في المدرسة خضع لعوامل ضبط متنوعة، فالعنف والضرب والتدخين والتصرفات الغريبة والمحرمة والاعتداء على المعلمين كلها غير موجودة داخل أسوار المدرسة.

وأكد عجينة أن مشروع خلق طلاب قياديين في المدرسة والذي جاء بناءً على المقترحات التي قدمتها الدراسة يعد أمراً في غاية الأهمية، حيث ثبت في الدراسات العلمية أن تأثير ذلك على الطلاب يصل إلى 90 في المئة، ويتم في هذا المشروع إيكال مهمة أن يبقى طالب متميز وقيادي مع آخر ضعيف المستوى حتى ينقل الأول بعض السمات الإيجابية إلى زميله، إضافة إلى مساعدته وتعليمه في مختلف المواد الدراسية.

متابعة: عنان كتانة