إعداد: حاتمتتبوأ جامعة برينستون مكانة أكاديمية عظيمة عالمياً على الرغم من أنها لا تضم كليات للطب والحقوق وإدارة الأعمال. فهي تحتل، على الرغم من هذا النقص في تخصصاتها الأكاديمية، أحد المواقع الأربعة الأولى في صدارة الجامعات الأميركية، ما يدل على تميز مناهجها الأكاديمية مقارنة بالجامعات الأخرى مكتملة النسق الأكاديمي.

وتعد الجامعة، التي تأسست في 1746 تحت اسم «كوليدج أوف نيوجيرسي» في بلدة إليزابيث قرب مدينة نيويورك، ثم انتقلت إلى مدينة برينستون التاريخية الصغيرة في ولاية نيوجيرسي ـ تُعد الأغنى من حيث نسبة الإنفاق على الطالب.

ومن المصادفات التاريخية المرتبطة بالجامعة كان استخدام مبنى ناسو هول، الذي شُيد عام 1756 والذي يُعد أقدم مباني حرمها الجامعي الضخم البديع، مقرا للحكومة الثورية الأميركية لبعض الوقت إبان حرب الاستقلال. ويمتد الحرم الجامعي الأخضر للجامعة على مساحة 2200 فدان (890 هكتاراً) ويضم مجموعة من المباني القوطية الجميلة أشهرها مكتبة فايرستون.

وتتميز برينستون، التي تعد من الجامعات الأميركية الرائدة في الدراسات الشرقية والإسلامية، عن نظيراتها الأميركية في عدد من التخصصات أبرزها الآداب، بما فيها العلوم الإنسانية والاجتماعية والإدارة العامة، والعلوم والعمارة والهندسة. وملحق بالجامعة حرم للعلوم والتكنولوجيا يحمل اسم «مركز جيمس فورستال للأبحاث». وملحق بالجامعة أيضا مطبعة جامعية أُسست عام 1905 وباشرت نشاطها عام 1910.

ونظرة سريعة إلى تاريخ الجامعة توضح أنه بعد تأسيسها في مدينة إليزابيث في ولاية نيوجيرسي انتقلت إلى برينستون في 1756 وحملت بعد ذلك اسمها الرسمي الحالي وهو جامعة برينستون. وقد أُنشئت الجامعة في الأساس لتكون مؤسسة تعليمية بروتستانتية تتبع الكنيسة البروتستانتية،

وذلك على الرغم من أنه كان مسموحا للطلاب ذوي الانتماءات الدينية المختلفة بالتسجيل في الجامعة. ولا تزال الجامعة حتى الآن محتفظة بجزء كبير من تلك الهوية إذ أنها تختلف عن كثير من الجامعات الأميركية الأخرى في كونها أكاديمية علمية غير علمانية ولكنها في الوقت ذاته لا تفرض متطلبات دينية معينة على طلابها. فقد تم تقليص الحضور الإلزامي إلى الكنيسة من مرتين يوميا في 1882 وتم إلغاؤه بشكل كامل في 1964.

وبعد تأسيسها على يد مجموعة من أتباع الكنيسة البروتستانتية بهدف تعليم القساوسة البروتستانت، بدأت الجامعة العمل في مدينة إليزابيث في نيوجيرسي تحت رئاسة جوناثان ديكينسون تحت مسمى جامعة نيوجيرسي. وكان هناك اقتراح بتسميتها على اسم الحاكم الاستعماري حينها جوناثان بيلشر، ولكن الأخير رفض أن يطلق اسمه على الجامعة. وكان الرئيس الثاني للجامعة أرون بير والثالث جوناثان إدواردز.

ومنذ انتقالها إلى برينستون في 1756 حتى وقت تأسيس قاعة ستانهوب في 1803، كان لدى الجامعة مبنى واحد وهو قاعة ناسو نسبة إلى وليام الثالث، ملك انجلترا وأمير أور انج. وقد اكتسبت الجامعة أحد ألوانها الرئيسية وهو اللون البريطاني من مدينة الملك وليام الثالث. وأثناء الثورة الأميركية، تم احتلال الجامعة من قبل طرفي الحرب، وتعرض مبنى الجامعة إلى قدر كبير من الدمار.

وكانت معركة برينستون التي وقعت على ساحة شديدة القرب من الجامعة في يناير ،1977 من المعارك الحاسمة التي مكنت الجنرال جورج واشنطن وقواته من تحقيق نصر حاسم في الحرب التي غيرت مسار تاريخ العالم. وكان اثنان من كبار مواطني برينستون من ضمن الموقعين على إعلان الاستقلال الأميركي. وفي صيف 1783، اجتمع الكونغرس في قاعة ناسو ليعلنوا مدينة برينستون عاصمة للبلاد لمدة أربعة أشهر.

وأثناء الحرب الأهلية تعرضت الجامعة إلى قصف عنيف بالمدافع ولكنها لم تُدمر بالكامل وظلت محتفظة بهيكلها العام بفضل محاولات الجنرال واشنطن لإبعادها عن السيطرة البريطانية. وبعد إعادة بنائها على أيدي جوزيف هنري لاتروب وجون نوتمان وجون ويثرسبون، تمت توسعة قاعة ناسو بشكل كبير وتغيرت ملامحها بشكل جذري بالمقارنة بما كانت عليه عند بنائها على أيدي روبرت سميث. وعلى امتداد القرون تغير دور القاعة وتحولت من مبني مخصص لكل الأغراض، إذ كانت تحتوي على مكاتب إدارية ومكتبة ومدينة طلبة ومساحة للدراسة، إلى مركز إداري للجامعة.

وتوضح الوثائق الخاصة بالجامعة أن التمثالين الموجودين أمام المبنى الرئيسي لها ليس لنمرين ولكنهما أسدان وذلك على خلفية أن الشعار الأصلي للجامعة كان الأسد وتغير هذا الشعار بعد ذلك إلى النمر.

وغابت الجامعة عن مسرح الأحداث عندما صعد الرئيس جيمس ماكوش إلى سدة الحكم في 1868. وأثناء السنوات العشرين التي قضاها في السلطة، قام ماكوش بتطوير المناهج في الجامعة وأشرف على توسعة الدراسة في مجالات العلوم وأشرف كذلك على إضافة عدد من المباني إلى حرم الجامعة.

وأثناء فترة تولي الرئيس وودرو ويلسون السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، تبنت الجامعة أسلوبا جديدا في التدريس يقوم على التركيز على القراءة الذاتية للمنهج وعلى مناقشة الطالب للمدرس في إطار حلقات خاصة تجمع المدرس بالطالب وحدهما. وكانت برينستون أول جامعة العالم التي تعتمد هذا المبدأ في التدريس وذلك في عام 1905.

وفي عام 1930 تم تأسيس معهد الدراسات المتقدمة في مدينة برينستون وأضحى حينها أول معهد سكني للعلماء في أميركا قاطبة. وكان العالم الفذ ألبرت أينشتاين من أول أساتذة المعهد الذي لا يتبع الجامعة حاليا بأي حال من الأحول. وشهد القرن العشرين تدفقا كبيراً من العلماء والباحثين والشركات على مدينة وجامعة برينستون من شتى أنحاء العالم.

وشهد العام 1969أول تسجيل للفتيات في الكلية في مرحلة ما قبل التخرج. ففي 1887 كانت الكلية قد أبرمت اتفاقية من أجل تشغيل وإدارة كلية شقيقة في مدينة برينستون أُطلق عليها اسم كلية إيفيلين للنساء، وهي الكلية التي عملت لمدة عامين فقط ثم أغلقت أبوابها. وبعد سنوات من ذلك الإغلاق قررت جامعة برينستون السماح للفتيات بالدراسة في كلياتها، غير أن ذلك القرار احتاج عدة سنوات قبل أن يرى النور ولم يدخل العنصر النسائي الجامعة حتى 1969.

وتخرج من جامعة برينستون عدد كبير من العلماء والمفكرين والسياسيين ورجال الدولة الذين أثروا في الحياة الأميركية وفي مجال البحث العلمي بشكل عام. وتشير الإحصائيات إلى أن أربعة من رؤساء الولايات المتحدة الأميركية على مدار التاريخ كانوا من أبناء جامعة برينستون. فقد تخرج كل من جيمس ماديسون ووودرو ويلسون من الجامعة في حين لم يكن الرئيس جروفر كليفلاند من خريجي الجامعة ولكنه كان ضمن مجلس أمناء الجامعة لفترة من الفترات.

كما قضي جون إف كينيدي فترة من حياته في برينستون قبل أن ينتقل إلى جامعة هارفارد. وأخرجت الجامعة إلى العالم عددا كبيرا من المهندسين المعماريين المتميزين من أمثال بنيامين لاتروب رالف أدامز وكرام ماكيم وروبرت فينتوري ونيك ياغر.

وتمنح الجامعة درجتين أكاديميتين في مرحلة ما قبل التخرج، وهما بكالوريوس الآداب وبكالوريوس العلوم في الهندسة. في حين أن الدورات الدراسية في مجال العلوم البشرية يتم تدريسها بشكل تقليدي من خلال الندوات أو المحاضرات النصف أسبوعية. ومن أجل الحصول على شهادة التخرج، يتعين على كل طلبة بكالوريوس الآداب التقدم برسالة التخرج وبحث أو بحثين منفصلين.

وفي الوقت ذاته يتعين عليهم الحصول على شهادة إتقان لغة أجنبية. وفي المقابل يسلك طلبة بكالوريوس العلوم مسلكا مختلفا ينطوي على متطلبات أقل غير أنه يحتوي على منهج علوم ورياضيات أكثر صعوبة بجانب القيام ببحثين مستقلين على الأقل.

وبشكل عام تسعى إدارة الجامعة دائما إلى الاضطلاع بمركز ريادي بين الجامعات البحثية في العالم مع المحافظة على مكانتها بين أفضل المؤسسات الأكاديمية في مرحلة ما قبل التخرج. وتعد الجامعة الأفضل بين قريناتها على امتداد العالم فيما يتعلق بالدرجات العلمية الممنوحة في مرحلة الدراسات العليا وذلك في مجالات الرياضيات والفيزياء والاقتصاد والتاريخ والفلسفة.

غير أنها في الوقت ذاته لا تمتلك تلك التشكيلة الواسعة من الكليات المهنية المتخصصة في مرحلة ما بعد التخرج مثل الجامعات الأميركية الكبرى الأخرى. فالجامعة على سبيل المثال ليست لديها كلية طب أو كلية إدارة أعمال. وأشهر كليات الجامعة هي كلية وودرو ويلسون للشؤون الدولية والعامة والتي تأسست في 1930.

وتحتوي مكتبات الجامعة على أكثر من 11 مليون مجلد. وأبرز تلك المكتبات هي مكتبة فايرستون التي تحوي تقريبا نحو أربعة ملايين مجلد، ما يجعلها واحدة من أكبر مكتبات العالم. وبجانب فايرستون هناك تخصصات عديدة لديها مكتباتها الخاصة بها مثل الهندسة وتاريخ الفن ودراسات شرق آسيا والهندسة والجيولوجيا والعلاقات الدولية السياسة العامة ودراسات الشرق الأدنى.

وتحوي الجامعة ثالث أكبر جوقة جامعية في العالم، وهي جوقة جامعة برينستون.

وتعد برينستون واحدة من أثرى جامعات العالم، إذ تقدر قيمة أوقافها بنحو 11 مليار دولار أميركي وذلك بفضل الإعانات المستمرة التي يقدمها خريجي الجامعة وبفضل استثماراتها في مختلف ميادين العلم. ويُستثمر جزء من ثورة برينستون من خلال متحفها الفني والذي يضم أعمالا من صنع فنانين كبار أمثال كلود موني وأندي وورهول وغيرهم من كبار فناني العالم.

وتأتي الجامعة دائما ضمن مراكز الصفوة الأولى في مختلف التصنيفات العلمية العالمية التي ترتب جامعات العالم وفقا لتميزها الأكاديمي، وعادة ما تحتل المركز الأول بين الجامعات الأميركية وفقا لتصنيف التقرير العالمي والإخباري للولايات المتحدة.

وفي 2005 جاءت الجامعة في المركز السابع وفقا لتصنيف معهد التعليم العالي لجامعة شنغهاي جياو تونغ الصينية، وهو التصنيف الأشهر عالميا في هذا المضمار.

وقد حصلت الجامعة على لقب الأرخص بين جميع الجامعات الأميركية، إذ يمكن للطالب في حال اجتياز الاختبارات والحصول على التقويم الدراسي المطلوب أن يلتحق بالجامعة مقابل رسوم هي الأقل بين جميع الجامعات الأميركية الأخرى. وكانت برينستون هي الجامعة الأولى في العالم التي حولت القروض الطلابية التي يضطر إليها الطلبة ذوي الدخول المنخفضة والمتوسطة إلى منح غير قابلة للرد