المجتمع الذي يعرف هدفه ويعتز بقيمه يبني معاييره على ما يحقق الأهداف أو يقرب منها. وكم ان المعيار الاجتماعي يسرع مسيرة النهضة أو يثبطها، وكم من تأثير له في تحفيز المتسابقين على حلبة النهضة أو في دعوتهم إلى الكسل والخمول.
وقد لفت نظري ما يتداوله الناس من أن أحدهم قد منّ الله عليه بواحد من بنيه (ما شاء الله عنه) كم تحلو فيه مكارم الأخلاق، وكم يتمسك بأهداب الدين، ولذة العبادة، لكنه ـ المسكين ـ لم يوفق في دراسة فتركها، هذا والدراسة ليست كل شيء، فربنا سيوفقه في عمل محترم. وذلك المعيار الاجتماعي ما أفظع نتائجه، وما أشد تناقضه. فمع أهمية الخلق الحميد والتدين ونبل المآثر،
فإن قياس الشخصية بهذا المعيار وانتقاص أهمية الجد والدراسة يسمحان للفتى أن يقصر في دراسته من دون أن ينتقص ذلك من مكانته واحترام المجتمع له، أضف إلى التناقض الواضح فيه، فإهمال العلم والتقصير في طلبه مناف بقوة للخلق الحميد وللدين الحنيف الذي أمر بإعمار الأرض والسعي في مناكبها وأسس على العلم حضارة هدى بها البشرية لآماد طويلة قبل أن يبتلى بكسل أتباعه وتقصيرهم، ولولا انشغال النفس بالغوايات التي لا نعلمها لما حدث التقصير والفشل،
فكيف يوصف فاشل بالنُبل والتدين؟ في حين نرى مجتمعاً ممن عايش أبناؤه فترة يحكم على الفتى، وعلى مكانته من خلال تفوقه، ويعد ذلك معياراً أساسياً لا يغير قيمته سواه. فذاك الفتى سيئ بكل المعاني لأنه رسب في صفه وأهله ومجتمعه يكدحون ليهيئوا له مدرسة ناجحة وعلوماً تفيده، ولا عذر له أبداً إلا إذا ابتلاه ربه بمرض مقعد.
ومصيره في هذه الحال أن يتحول من التعليم العام إلى المصنع ليعمل نهاراً ويدرس ليلاً في مدرسة المصنع تعليماً صناعياً يلائم مهنته، وتحسم التكاليف من مرتبه، وتعد الشهادة الصناعية حافزاً مهماً يتحسن بها مرتبه، مع بقاء باب التوبة والندم مفتوحين للعودة إلى التعليم العام، ولا تكفي فيه النوايا الطيبة بل لا بد له من تأكيد نواياه بمعدل مرتفع لدرجاته في التعليم الصناعي. ذلك معيار الشخصية ومكانتها الاجتماعية لمجتمع يعرف أهدافه ويسعى جاداً إليها
د. محمد أحمد معراوي