تخيل لو أنك أردت بناء المنزل الذي طالما كنت تحلم به طوال حياتك. بوسعك في هذه الحالة أن تستأجر من شئت من عباقرة الهندسة المعمارية والتشييد في العالم حتى يضعوا التصميم الخاص بهذا المنزل على الورق. غير أن هذا المنزل سيظل حبرا على ورق طالما لم تستقدم الحرفيين والفنيين الذين يمكنهم ترجمة ما رسمه المعماريون على الورق

وتحويل المنزل الحلم إلى حقيقة. فأنت بحاجة إلى استئجار كهربائيين ونجارين وعمال سباكة وعمال طلاء. وهؤلاء الفنيون يتعين عليهم العمل بشكل متعاون ووثيق من أجل تحويل الحلم إلى حقيقة كما تريد أنت تماما.

لقد بدأت بهذا المثال كي أوضح أن مبادرة التعليم من أجل الجميع لا ينبغي أن تظل خيالا لا يرى نور الواقع. ونحن بدورنا كمسؤولين لا يمكنا أن نتحمل بناء منزل من ورق. إنها بالفعل خطة طموحة للغاية أن نوفر فرص تعلم إلى كل امرأة ورجل وطفل يعيشون على سطح هذا الكوكب بحلول العام 2015. غير أن تلك الخطة الطموحة لن ترى النور إلا إذا استطعنا أن نجمع أدوات الإرادة السياسية الضرورية ونستفيد بشكل فعال من المهارات الموجودة بالفعل لدى المجتمع الدولي في الآونة الحالية.

في عام 2000 حضر مندوبون عن خمس هيئات دولية متعددة الأطراف وما يزيد على 160 دولة من مختلف بلدان العالم إلى العاصمة السنغالية داكار حيث كان يعقد المنتدى العالمي للتعليم بهدف وضع خطط لأكثر الخطط التعليمية طموحا على مدار تاريخ البشرية، ألا وهي مبادرة التعليم للجميع.

وتعتمد المبادرة على ذلك الفرض البديهي الذي يفيد بأن التعليم يمثل أداة مركزية لا يمكن الاستغناء عنها لتعزيز حقوق الإنسان وتكريس العدالة الاجتماعية والقيم الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في كل بلدان العالم بلا استثناء. وتعتمد المبادرة على ستة محاور رئيسية تمثل بإجماع آراء الخبراء حجر الزاوية لتحقيق أي تنمية بشرية في أي مكان على الكرة الأرضية. تلك المحاور هي: التعليم المبكر، إلزامية التعليم الأساسي، المهارات الحياتية، القدرة على القراءة والكتابة، محو الأمية التعليمية بين الفتيات والخدمات التعليمية العالية.

ولا شك أننا قطعنا أشواطا كبيرة فيما يتعلق ببناء بيئة تعليمية مشجعة على مستوى العالم. فهناك في الآونة الحالية وعي متزايد أكثر من أي وقت مضي بين حكومات العالم بالدور المحوري والحيوي الذي يلعبه التعليم في عملية التنمية البشرية واستعداد متنام للاستثمار في هذا القطاع المهم. وقد شهدت السنوات الخمس الماضية

زيادة كبيرة وملموسة في عدد المسجلين بالمدارس في دول شبه الصحراء الأفريقية ودول جنوب آسيا، حيث شهدت تلك الدول زيادة في عدد المتقدمين قُدرت بـ 20 مليون طالب في الأعوام الخمسة الأخيرة. كما تشير الإحصائيات إلى أن 47 دولة على مستوى العالم قد حققت مبدأ إلزامية التعليم الأساسي.

غير أن الركيزة التي تقوم عليها المبادرة غير كاملة. هناك عوامل خارجية عديدة تعوق تنفيذ المبادرة، ومنها الحروب الأهلية والكوارث الطبيعية وتفشي الأوبئة مثل الإيدز ومعدلات الإنجاب المرتفعة في عدد كبير من دول العالم والتي بدورها تعوق العمليات التعليمية والتنموية بشكل كبير. لقد فشلنا، بادئ ذي بدء، في تحقيق الهدف الأول للمبادرة في 2005

والمتمثل في تحقيق المساواة بين الجنسين فيما يتعلق بعدد الملتحقين بالتعليم الأساسي، وذلك في الوقت الذي لا يزال فيه هناك عدد كبير من الدول غير قادر فيما يبدو وكما تشير الدلائل على تحقيق بقية أهداف المبادرة بحلول عام 2015. وبحسب أحدث إصدار للتقرير العالمي لمراقبة مدى التقدم الحاصل في تحقيق المبادرة،

فإن هناك ما يقرب من 100 مليون طفل على مستوى العالم غير مسجلين في أي مدارس.و هناك 67 دولة تواجه خطر عدم تحقيق هدف إلزامية التعليم الأساسي، وهو أحد الأهداف الرئيسية للمبادرة. كما أوضح التقرير أن أكثر من 771 مليوناً من البالغين، تمثل النساء منهم الثلثين، يفتقدون المهارات الرئيسية في الكتابة والقراءة والتي لا يستطيعون من دونها التأقلم مع الحياة في ظل معطيات العصر الحديث.

وحتى يتسنى دعم مبادرة التعليم من أجل الجميع فإن المجتمع الدولي والدول المانحة وحكومات العالم يتعين عليها العمل سويا بشكل متناغم من أجل زيادة التمويل المالي للتعليم والعمل على إضفاء الطابع المؤسسي على سياسات تطوير التعليم.

غير أن هذا وحده لا يكفي. لقد غدونا في موقف لا يكفي فيه استخدام التقنيات والأساليب ذاتها التي كنا نستخدمها في الماضي لمواجهة التحديات التي كانت تواجه العملية التعليمية. فإذا كنا نريد تحقيق أهداف مبادرة التعليم للجميع بحلول العام 2015، فإنه يتعين علينا أن نغير بشكل جذري خطة العمل لدينا ونسرّع من خطوات الإصلاح والعمل المنظم.

وأولى الخطوات في هذا الشأن تتمثل في التنسيق بين الأطراف المختلفة المعنية بتنفيذ المبادرة والعمل على تلافي الازدواجية في العمل وعدم تكرار المهام بين أكثر من طرف والاستفادة من الطاقات الكامنة الموجودة لدى الأطراف المختلفة.

لقد طالب المجلس التنفيذي لليونسكو العام الماضي بمضاعفة الجهود المبذولة من قبل اللاعبين الرئيسيين في المجتمع الدولي، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واليونيسيف وغيرها من المؤسسات العالمية التمويلية والتنموية الرئيسية في العالم، بهدف الوصول إلى صيغ مشتركة لتحديد الأدوار والمسؤوليات والإسهامات التي تقوم بها كل مؤسسة

وذلك في الفترة بين 2005 و2015. فعن طريق رفع مستوى التنسيق بين الأطراف المختلفة للعملية التعليمية في العالم سيكون في حكم المؤكد تحقيق الأهداف المرجوة من المبادرة بأفضل شكل ممكن وفي الوقت المناسب.

ومن هذا المنطلق تبنت اليونسكو خطة عمل عالمية تهدف إلى التنسيق من أجل تحقيق أهداف المبادرة. وتقوم تلك الخطة على خمسة عناصر رئيسية:

- تعبئة موارد مالية إضافية.

- ضمان الاستخدام الفعال للمساعدات التنموية لخدمة أهداف المبادرة.

- تطوير القدرات على مستوى كل دولة.

- التأكيد على الدور الحيوي والخطير للتعليم في نجاح عمليات التنمية المستديمة.

- تعزيز المسؤولية المشتركة من خلال المراقبة والشفافية.

وفي هذا الصدد يتعين على كل دولة العمل بحسب احتياجاتها الخاصة وما تتطلبه تلك الاحتياجات من خطط عمل مناسبة وموارد. وحتى تستطيع كل دولة تنفيذ السياسات والخطط التعليمية المناسبة، فإنها بحاجة ماسة إلى الدعم المتواصل من جانب المجتمع الدولي.

ومنذ قيامها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تفخر اليونسكو دائما بأنها تلتزم بتنفيذ تعهداتها التعليمية وتتبنى دائما تنفيذ استراتيجيات تعليمية فعالة. وفي الوقت الذي تتداخل فيه النواحي المالية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية في القضايا التعليمية، أصبح لزاما على اليونسكو أن تواصل القيام بدور القائد الفكري والوسيط الأمين في تبادل الأفكار ودفع المجتمع الدولي في الاتجاه السليم.

نحن نمر بمرحلة فارقة ستحدد فيها ما نقوم به من أعمال شكل العالم على امتداد قرون مقبلة. وفي الوقت الذي تعمل فيه بلدان العالم على وضع أساس تنمية مستقبلية مستديمة، فإن تلك البلدان لا يمكنها أن تنسى أن حجر الأساس في تلك العلميات التنموية هو التعلم

ترجمة: حاتم حسين