ما يشهده العصر الذي نعيشه من طفرات متطورة خلقت لدى الجميع نهجاً متجدداً موائماً لمتطلبات المرحلة، وأزاحت في المقابل بعض الثوابت التي بدأت بها الشعوب. وفي إطار التعليم والدراسة فقد تبنت الكثير من المؤسسات التعليمية أسلوباً مطوراً يرمي في غالبه إلى الأخذ بيد الإنجليزية كلغة التعامل الأقوى، ورافق ذلك اندثار غير مقصود للغة طالما ظلت هي الأقوى على الأقل في عيون أبنائها،

وهو ما أغرى الكثيرين لرفع شعار اللغة العربية إلى جانب إنجليزية متمكنة لا سيما في المدارس الخاصة والأجنبية، أملاً منهم في جذب أكبر عدد ممكن من الطلبة. الحال معروف لدى الجميع ولغتنا الجميلة إن لم تكن تحتضر في مدارسنا، فهي ليست بخير والسبب أيضاً معروف، وفي خضم هذه المعطيات تخرج إحدى المؤسسات التعليمية الخاصة،

وهي حضانة اسمها «حضانتي» لتشذ بنفسها عن القاعدة السائدة وتتعمق أكثر في تعليم أبنائنا لغتهم العربية بأسلوب ربما غريب على الثقافة السائدة، فأطفالها الصغار ينطقون العربية الفصحى بطريقة لا يقوى عليها الكثيرون.

من قلب الجميرا في دبي، تلك البقعة التي لطالما ظلت عنواناً بارزاً لذوي لغة العصر الإنجليزية، لا سيما سكانها أصحاب الدخل المرتفع من مواطنين ووافدين عرباً وغير عرب، والذين عامة يجهلون من العربية بقدر ما يعرفون من الإنجليزية، هناك بدأت تجربة أخرى مخالفة لتيار لغة «البزنس» تتمثل بغرس لغة نقية وقوية بفصيح مصطلحاتها في نفوس أطفال لم يتشربوا إنجليزية البيت أو الحارة أو المنطقة التي ينتمون إليها.

في تلك الحضانة لا مجال للحديث بغير الفصحى، فهي اللغة التي يتقنها أطفال لا يتجاوزون الرابعة من عمرهم، وذلك لا يتأتى إلا عبر المثابرة والصدق في أداء موظفين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا غيرهم على ما يتلفظون به حتى في استراحتهم المشروعة، إلى جانب ذلك لا تغفل تلك الحضانة تعليم صغارها اللغة الإنجليزية وبتركيز مماثل.

منى حجاوي المشرفة الإدارية في الحضانة تقول إن مشروع اللغة العربية الفصحى وجد ليسد مشكلة الضعف العام في إتقان اللغة العربية لدى أبنائها وأصحابها، علاوة على الفهم الخاطئ بأن هذه اللغة صعبة، وبالتالي فإن الحضانة تعد الطفل لدخول المدرسة وهو ملم بأساسيات اللغتين العربية والإنجليزية.

لهجة وتراث

لغة البيت أو اللهجة التقليدية لأبناء البلد الواحد لا تعد أمراً سيئاً بحسب ما ترى حجاوي، إذ توضح أن حضانتها وبتعليمها الصغار لغتهم العربية الفصحى والمحرَّكة، لا تلغي في المقابل ما يكتسبه الصغار من لهجات ترمز إلى ثقافتهم وتقليدهم، فما تسعى إليه الحضانة يتلخص بالتركيز على تعليم الصغار لغة قوية وفصيحة بعيدة عن الأخطاء والإهمال ودون أن تؤثر على لهجتهم التي ترمز إلى تراث وتقاليد أجدادهم وبلدهم.

فكرة الحضانة بلغتها العربية الفصحى إلى جانب إنجليزية متماسكة جاءت بالاستعانة بتجربة طرحها الدكتور عبد الله الدنان مؤسس الحضانة العربية في الكويت، وروضة الأزهار العربية في سوريا، وكلتاهما تدرسان العربية الفصحى بالفطرة.

النهج الذي تبناه هذا التربوي يتمثل بتعليم اللغة العربية الفصحى والمحرَّكة للأطفال بالفطرة قبل سن السادسة، وذلك باستغلال القدرات الهائلة الموجودة عندهم في استيعابهم للغات وقبل أن تبدأ هذه القدرات بالضمور بعد عامهم السادس.

قدرة هائلة

واستند الدكتور الدنان، كما قالت منى حجاوي، إلى أن العلماء اللغويين النفسيين كشفوا منذ عشرات السنين أن الطفل يولد وفي دماغه قدرة هائلة على اكتساب اللغات، وهذه القدرة تمكنه من كشف القواعد اللغوية وتطبيقها وإتقان اللغة التي يتعلمها، وتمكنه أيضاً من إتقان ثلاث لغات أو أكثر في آن واحد، فتعليم اللغة بعد سن السادسة عملية شاقة وتتطلب جهداً كبيراً، وفي النهاية يصعب على المتعلم الوصول إلى مرحلة الإتقان التام.

وأوضحت أن حضانتها تعتمد اللغة العربية الفصحى سواء في تعليم الأطفال أو في التواصل معهم طوال فترة وجودهم فيها، أو حتى في تواصل المعلمات مع بعضهن البعض أو مع الإدارة، مؤكدة تعاونها مع برنامج الدكتور عبد الله الدنان المتفرغ لنشر فكرة تعليم اللغة العربية الفصحى للأطفال بالفطرة لتطوير استراتيجية التربية في الوطن العربي نحو تكوين جيل عربي مبدع.

نجاح كبير

واستندت إلى النجاح الكبير الذي لاقته فكرة الدنان في دار الحضانة العربية في الكويت عام 1988، وبدأ الأطفال يتحدثون الفصحى بعد أشهر من ممارسة العمل، بالإضافة إلى روضة الأزهار العربية في سوريا عام 1992، والتي نجحت نجاحاً بارزاً، وزارها هناك خمسون مربياً من مختلف دول العالم، وجميعهم أكدوا نجاح الفكرة وأيدوا تعميمها.

وفي دبي تعد تجربة «حضانتي» في تعليمها للأطفال من عمر سنتين لغاية أربع سنوات، هي الأولى من نوعها التي تقدم هكذا نهجاً في التربية، فبعد أن أصبح التركيز في مختلف المؤسسات التعليمية صغيرة أو كبيرة ينصب على اللغة الإنجليزية من دون العربية، كانت المبادرة بنقل تجربة الدكتور الدنان في غرس اللغة الفصحى في عقول أطفالنا مع حفاظهم على مستوى متميز لا يقل درجة عن اللغة العربية، ولكن الفارق ألا يكون اكتساب أي لغة على حساب اللغة الأخرى، كما قالت حجاوي المشرفة الإدارية في الحضانة.

أما عن قبول الجمهور لهذه الفكرة أكدت أن الكثيرين لم يستوعبوا نهج الحضانة في بداية مشوارها قبل ثلاثة أعوام، إذ اعتقدوا أن التركيز سيكون للعربية على حساب الإنجليزية، ولكن مع مرور الوقت تأكدوا أن أطفالهم يحافظون على لغة عربية قوية وسليمة ودون تراجع في المستوى الذي يريدونه في اللغة الإنجليزية، فالقائمون على أمر هذه الحضانة يدركون تماماً أن اللغة الإنجليزية مهمة جداً وتحدد مستقبل الأبناء لذلك لم تسقط من حساباتهم.

مستقبل أفضل

وقالت عايدة التميمي مديرة الحضانة إن الفكرة سارت استناداً على دراسة بينت أن الأطفال الذين يتحدثون اللغة العربية الفصحى بالتشكيل تكون مستقبلاً معرفتهم بالعربية من حيث القواعد والإملاء أفضل من نظرائهم في الحضانات والروضات المختلفة، وهذا الشيء ثبتت صحته بعد انتقال فوج الحضانة الأول إلى المدرسة وتبين هناك أن طلبتنا كانوا الأبرز والأقدر على التفاعل مع اللغة العربية، إذ أن الدروس التي يتعلمها التلاميذ تكون بالعربية الفصحى وهو ما يصب لصالح أطفالنا.

وأضافت ان أولياء الأمور تقبلوا الفكرة بشكل كبير، والإقبال على تسجيل الأطفال يزداد عاماً بعد آخر، وكثير منهم يبدون تأييداً كبيراً لهذه الفكرة، رغم أن الأمر لا يخلو من كثير من المواقف الكثيرة التي تعرض لها الآباء والأمهات من قبل أبنائهم عندما يتحدثون معهم في البيت عن بعض الأمور بالفصحى، وبمصطلحات صحيحة لا يعرفها ذووهم أحياناً، رغم أن الطفل يتوافق كثيراً في تحدثه بالعربية الفصحى داخل الحضانة ولهجة البيت مع والديه.

لغتان بنفس المستوى

وأشارت إلى أن الحضانة لا تهتم باللغة العربية وحسب، إذ أنها تدرس الأطفال التربية الإسلامية واللغة الإنجليزية وبنفس المستوى، فكثير من التلاميذ يحفظون من القرآن الكريم وجميعهم يلتزمون بلغة عربية فصحى داخل أسوار الحضانة، ثم في درس اللغة الإنجليزية ينتقل الأطفال تلقائياً إلى الحديث بالإنجليزية من دون أي لبس أو ضعف، وذلك نابع من قدرة الطفل على تعلم عدة لغات في هذه المرحلة.

وتؤكد التميمي أن جميع المعلمات والإداريات في الحضانة خضعن لدورة تدريبية عن كيفية التعامل مع الصغار بلغة واحدة هي العربية الفصحى، وكان المحاضر في الدورة الدكتور عبد الله الدنان الذي أبدى ارتياحه لرواج فكرة تعليم الأطفال باللغة العربية الفصحى وانتقالها إلى الإمارات، وهذه الحضانة توفر أقصى ما يمكن من الفائدة في اللغة العربية التي يراها طلبتنا صعبة ومعقدة، وذلك جاء بفعل عدم رسوخ هذه اللغة منذ البداية في أذهانهم خلافاً للإنجليزية.

لغة مظلومة

أمل الغافري، معلمة لغة عربية وتربية إسلامية في الحضانة أفادت أنها واجهت بعض الصعوبات مع بدايتها في العمل بهذه الأجواء الدقيقة، ولكن مع الاستمرار بدت الأمور أكثر سهولة، فهي الآن لا يمكن أن تتحدث بغير العربية مهما كان الطرف الآخر، طفل أو معلمة أو مديرة أو ولي أمر، فهي اعتادت على هذا النمط الذي أصبح انسيابياً أكثر وحتى مع الحركات التي تراعي النحو السليم، وهو ما يتعلمه الأطفال.

وأوضحت أن اللغة العربية بشكل عام مظلومة عند الكثيرين، كون نظيرتها الإنجليزية اكتسحت السوق ولم تبق لها من اهتمام الأبناء كثيراً، وخطوة تعليم الأطفال بالعربية الفصحى ورغم حداثتها على مجتمع الإمارات إلا أنها مجدية كثيرة في استيعاب الصغار للنحو والصرف والنطق السليم للحروف، رغم أنها وصلت في هذه المرحلة إلى لغة لا تطاق عند الكثير من أبنائها.

وأكدت زميلتها المعلمة جمانة زيدان أنها لم تواجه أي صعوبات في مسيرتها مع الحضانة، لأنها انتقلت للعمل فيها من سوريا حيث كانت تدرس الأطفال هناك الفصحى، لكنها أشارت إلى أن المشكلة تكمن في أن بعض الأطفال يعانون في هذه اللغة ويحتاجون إلى الكثير كون أمهات بعضهم من جنسيات غير عربية وبالتالي لم ينقلن لهم ولو القليل من اللغة العربية.

ولفتت إلى أهمية تعاون ولي الأمر مع ولده حتى يتعلم العربية الفصحى، من دون أن يؤثر تعلمه لهذه اللهجة على لهجة البيت التي يعتز بها كونها ترمز إلى تراثه وحضارته، وما هو حاصل أن جميع أطفال الحضانة يتحدثون بكل طلاقة وإصرار العربية الفصحى في جميع أحوالهم وظروفهم النفسية، وذلك لأن سياسة الحضانة تنصب على التعامل معهم فقط عن طريق «الفصحى المشكلة».

وقالت إنه ورغم تعلقهم بهذه اللهجة إلا أنه وبمجرد أن ينتقل الطفل من يد المعلمة ليركب سيارة والده حتى يعود للحديث بلهجة البيت التي يعيشها، وهو ما يدل على قدرة الطفل السير بقوة مع أكثر من لهجة ولغة في مرحلته العمرية من سنتين إلى أربع.