تتواجد في مختلف المجتمعات فئة خاصة تتطلب تكيفاً خاصاً مع البيئة التي يعيشون فيها نتيجة وضعهم الصحي، وهذا التكيف لا يأتي من قبلهم بل يقع عاتقه على من يحيطون بهم من أجل الاهتمام بهم، شأنهم شأن أي فرد طبيعي يمارس حياته.

ويبدأ هذا الاهتمام من جانب غالباً لا نلتفت إليه ونهمله وهو «المسمى» الذي تطور عدة مرات ومر بمراحل كثيرة ترضي الفئة القوية بإصرارها وتصميمها على إثبات الذات وان لها دورا فعالا في حياة المجتمعات بأسرها على مستوى العالم، أنهم أصحاب ذوي الحاجات الخاصة.

«الجيل» زارت مركز المستقبل في أبوظبي لذوي الاحتياجات الخاصة ولامست عن قرب مدى الرعاية الفعالة التي يقدمها المركز لأكثر من (170) طالبا وطالبة يحتضنهم.

يؤكد الدكتور موفق مصطفى مدير المركز ان كل شخص يعاني من ضغوط أو اضطرابات نفسية، أو حتى علة جسدية ستنعكس بالضرورة على تصرفاته وسلوكه. لكن ماذا عن الشخص الذي لا يعاني من اية اضطرابات أو أمراض ويعاني من اعتلال في تصرفاته تجاه الآخرين وخاصة لمن لهم احتياجات خاصة يطلق عليهم البعض «المعاقين» هذه الكلمة قاسية جدا على نفس الشخص الذي تنقصه مهارات لاستخدام كل ما منحه الله من إمكانيات بالشكل الطبيعي والسليم.

ويستطرد قائلاً: كانت العناية بأمر الأطفال الذين يعانون تأخرا في القدرة على الكلام ـ على سبيل المثال ـ ينظر اليها إلى عهد قريب أنها نوع من الترف ليس فيه فائدة وإنها إضاعة للوقت والجهد وبقى الحال على ذلك، إلى ان الدراسات والإحصائيات الإكلينيكية والدراسات التربوية الحديثة

أثبتت وجوب الاهتمام والعناية بهم شأنهم شأن الأطفال الأسوياء لافتا إلى ان الطفل ذي الإعاقة العقلية أو السمعية أو الحركية له الحق في الاندماج في المجتمع وان يعيش حياة ان لم تكن طبيعية تكون قريبة منها، ومن حق أولياء أمور هؤلاء الأطفال ان يكون أبناؤهم لديهم القدرة على التواصل والتفاهم مع اقرانهم الأسوياء أو على الأقل يستطيعون ان يقضوا حياتهم اليومية بدون الاعتماد الكلي عليهم،

فالآباء والأمهات يعيشون في قلق دائم خوفا على أبنائهم في حياتهم أو بعدها، ومن هنا اتجهت الدراسات الخاصة لهم وخصصت فصول ومراكز على أسس تربوية تحتضنهم وتنمي مهاراتهم المختلفة حتى يتواصلوا ويتمتعوا بالحياة ويحققوا أهدافهم.

ربى صوايا مسؤولة الدراسات بالمركز أكدت أهمية و ضع البرامج التعليمية لمساعدة المتدرب على اكتساب المهارات لتمكين الطالب من ان يصبح عضوا فعالا ومستقبلا في المجتمع الذي يعيش فيه، وترى ان سر الاستقلالية لمعظم من هم بحاجة إلى رعاية خاصة هو التوظيف المناسب، وتحقيق هذا الهدف يكمن في إيجاد خطة مناسبة تتضمن برنامج الخدمات المهنية حيث يكون هذا البرنامج مبسطاً ومتسلسلاً وذلك من خلال تقييم ما قبل المهني ومن ثم الانخراط فيه.

وتقول مسؤولة الدراسات ان المهارات الضرورية للتدريب المهني هي مثل إدخال الخيط في ثقب الإبرة (فن التطريز)، المماثلة، الفرز والتصنيف، الترتيب، التعبير الشفوي وأسلوب الحوار المهني اضافة إلى التعامل مع النقود ومسائل البيع والشراء، كل هذه المهارات هي جزء من برنامج تعليمي للصفوف الصغرى تعلم بانسجام، حتى يتمكن الطلاب من تطبيق مهارات مماثلة وبشكل منفرد،

وبجانب ذلك كله فان التشجيع الأكبر ينصب على التدريب على المهارات الاجتماعية لتمكين الطلاب من استيعاب المواقف المختلفة في حياتهم التي يتعرضون لها. وبمجرد ان يحصل الطلاب على المهارات الأساسية مثل البيع، النجارة، الفك والتركيب، ومهارات الكمبيوتر يدرج التدريب المهني في برنامج المدرسة، اضافة إلى التعليمات الموضوعة من قبل المدرسة والتعليمات الصفية التي تتضمن مهارات وأسس المقابلات للحصول على وظيفة.

وترى ان التنسيق والربط ما بين خبرة العمل الممارس في المجتمع والمدرسة هي خطة تعاون مشتركة بين المدرسة وسوق العمل وتقدم للطلاب اعتمادا على التدريب العملي لهم، حيث تقدم المدرسة الصورة الواضحة والتقارير اللازمة عن طلابها للشركات المعنية، وبعد ذلك يعطي الطلاب الفرصة للقيام بزيارة إلى الشركات لإعطاء انطباع عام وتعريفهم بمن سيقومون بتدريبهم بعدها تعطي الشركات للمدرسة انطباعها العام وملاحظاتها عن الطلاب حيث يساعد ذلك في وضع نتيجة للبرنامج وإتمامه.

التدخل مبكرا

وتلفت شارلوت ستوكويل اختصاصية نطق ولغة إلى أهمية التدخل المبكر وفاعليته وفائدته الكبيرة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في تسهيل تطور الطفل وتقدمه في المراحل التي يحتاج فيها إلى المساعدة والدعم من الأهل.

وترى ان البدء مبكرا وبشكل فوري أفضل وسيلة للعلاج، حيث يجب ان يبدأ التدخل المبكر عند الولادة أو عند ظهور اية علامات تأخر أو صعوبات عند الطفل، مع الأخذ بعين الاعتبار ان بعض الحالات لا تظهر اية مشكلات الا بعد فترة معينة من الولادة، موضحة ان العلاج يتضمن إرشاد الأهل في كيفية تطبيق هذا النوع من التدخل بداية من المنزل.

ويعمل مع الأهل فريق من المعالجين المختصين في علاج النطق، العلاج الفيزيائي، والعلاج الوظيفي، ومهمة هذا الفريق إرشاد الأهل والإشراف على برنامج يتم تعديله حسب احتياجات وتطور كل طفل على حدة وتقول ستوكويل من الطبيعي ان يواجه الطفل بعض الصعوبات في مرحلة مبكرة ولكن من المهم جدا الأخذ بعين الاعتبار ان احتياجاته لا تختلف عن احتياجات أي طفل عادي، فيجب ان تعامل الطفل كفرد من العائلة ويشارك في الحياة اليومية ويندمج مع افرادها.

جدول زمني

وتؤكد اختصاصية النطق واللغة أهمية وضع جدول زمني بشكل يومي أو عدة مرات في الأسبوع لتطبيق برنامج التدخل المبكر وجعله امرا روتينيا من حياته اليومية حتى يكتسب الطفل البرنامج ويتعلمه ضمن بيئة طبيعية.

وفي السياق نفسه يشير محمد طالب اختصاصي علاج وظيفي إلى ان الدراسات العلمية أثبتت أن السنوات الأولى من الطفولة تعتبر من أهم الفترات التي يتم فيها التعلم، لذلك فان التدخل المبكر يمنع تفاقم المشكلة من خلال الكشف عنها في سن مبكرة،

وذلك من خلال تقديم برنامج شامل لأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من اجل تغطية احتياجاتهم الاجتماعية والجسدية والأكاديمية لافتا إلى ان التعاون المشترك بين المختصين واسر الأطفال ذوي الاحتياجات يساعدهم في تنمية قدراتهم ومهاراتهم لتحقيق أهدافهم.

ويرى اختصاصي العلاج الوظيفي ان التدخل المبكر يحقق مكاسب كبيرة للطفل من حيث التنمية الجسدية والإدراكية والنفسية والاجتماعية، اضافة إلى تنمية مهارات المساعدة الذاتية للاعتماد على النفس وغرس الثقة فيها، كما يخفض من عبء الضغط على الأسرة وفي الوقت نفسه يعد الطفل للاندماج والدخول في مدرسة نظامية ان أمكن.

العلاج بالفن

العلاج بالفن وأدواته يمثل فرصة ثمينة لكي يعبر المستهدفون عن أنفسهم خصوصا أولئك الأشخاص الذين يعانون من إصابات جسيمة ناتجة عن حوادث معينة أو اختلال عقلية، هذا ما أكدته ماري دومينغيز معالجة فنية بالمركز، وقالت: العلاج بالفن لذوي الاحتياجات الخاصة يجب ان يطبق بطريقة دقيقة جدا حيث توازن بين الثقة المتبادلة بين المعالج والطفل من جهة وبين اصول التدريس من جهة أخرى،

مشيرة إلى ان المركز بدأ برنامج العلاج بالفن منذ عام 2002 للطلاب الذين لديهم حاجة شديدة لتطوير مهارات التعبير خصوصا عند أطفال التوحد أو الذين لديهم مشكلات في النطق أو أولئك الذين يعانون من اختلال نفسية، حيث تقدم البرامج الفردية لكل طالب على حدة أو بصورة جماعية حسب الحاجة.

وعن رفض فكرة دمج أطفال ذوي الحاجات الخاصة في مدارس الأسوياء أشارت نجوم جعفر مدرسة أكاديمية بالمركز إلى ان: فكرة الدمج فكرة رائدة وجديدة وتشجع الأطفال على تقبل الآخر مهما كانت مشكلته، وهي مفيدة للذين لديهم صعوبات في التعلم لأنها تعودهم على جو المدرسة العادية وتساعدهم في تحسين مستواهم، معتقدة ان المدارس العادية غير مهيئة بالأدوات والمعدات اللازمة للتعامل مع هذه الفئة داخل الصفوف العادية،

اضافة إلى اهتمام المعلم بالحفاظ على الجو الهادئ داخل الصف وتفادي الإزعاج قدر الإمكان لان ذلك قد يؤثر على سير الدراسة والحصص وأيضا عدم وجود الوعي الكافي لدى البعض بالنسبة للقدرات الكامنة لدى الأطفال من ذوي الحاجات الخاصة كل هذه الأسباب قد تمنع أو تؤخر فكرة اندماجهم، لافتة الى ان المجتمع الإماراتي مجتمع متطور لذا من الطبيعي ان يضع في اعتباره مسألة دمج الأطفال من ذوي الحاجات الخاصة في المدارس العادية.

رؤى المركز

يسعى مركز المستقبل الذي يدخل عامه الخامس من التأسيس ويرأسه فخريا معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي إلى مساعدة الطلاب ذوي الحاجات الخاصة من خلال تقديم منهاج منظم ومتوازن حيث يتيح لهم فرصة العيش بأمان والتفاعل بايجابية مع البيئة من حولهم.

يحتضن أكثر من (170) طالبا وطالبة ولدى المركز لائحة انتظار طويلة، وحقق العديد من الانجازات في جميع المجالات التعليمية والتأهيل العلاجي والرياضي. احرز مراكز متقدمة في الاولمبياد الخاص في الدولة عام 2004 حيث فاز اثنان من طلابه في تلك المسابقات بميداليتين

متابعة: عبد الرزاق المعاني