يحاول المؤلف في ختام كتابه هذه تتبع ما يمكن ان نسميه بأيديولوجيا التدخل الأميركي الهادفة إلى ضمان الأمن القومي للولايات المتحدة سواء على الصعيد الإقليمي في حديقتها الخلفية أو فيما وراء البحار عموماً والمحيط الأطلسي على وجه الخصوص.

وهو يرى في هذا السياق ان تدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية لم يكن من أجل عيون أوروبا الجميلة، وإنما جاء في سياق التحدي الذي مثله هتلر النازي لمكانة ومصالح واشنطن التي تشمل خارطة العالم بأكملها.

ومن ثم يتوقف المؤلف عند الحرب الباردة التي خاضتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي وأدت إلى تطور هائل على صعيد الصناعة الحربية التقليدية منها والنووية على السواء وأوجدت حالة عالمية من التوازن النووي.

كانت كفيلة بتجميد الأسلحة المتطورة ولو إلى حين، ذلك أنه ما انتهت الحرب البادرة وظهرت البوادر الأولى لاستخدامها، حتى راحت الولايات المتحدة تستخدم ترسانتها الحربية في طول العالم وعرضه بدءاً من حرب تحرير الكويت عام 1991 ومرورا بالتجربة اليوغسلافية وليس انتهاء بحرب العراق الأخيرة.

لكن المؤلف يخلص إلى نتيجة مفادها هو أنه مهما تنوعت التوصيفات والتشخيصات في علاقة الغرب بقيادة الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط عموماً، إلا أن الثابت الوحيد فيها هو النفط.

آخر فصول هذا الكتاب يحمل رقم (13) وقد اختار له المؤلف العنوان التالي:التدخل المحافظ ويعني بذلك التدخل الذي تقوم به أميركا ـ مستخدمة في ذلك مواردها الاقتصادية الطائلة وقدراتها العسكرية العاتية لدرء الخطر الذي تتصور أنه يحدق بأمنها القومي.

وعلى عكس ما قد يتبادر إلى الذهن.. فالمؤلف لا يبدأ مثلا بما أصبح يردده جمهرة المحللين والكتّاب في أميركا بل والغرب من أن أفدح الأخطار الماثلة حاليا هو ما يصفونه على أنه الإرهاب.. الإسلامي.

إن المؤلف يحاول تأصيل الأخطار التي هددت أميركا فيرجع بها ـ كما يقول في بدايات هذا الفصل من الكتاب ـ إلى عقد الثلاثينات من القرن العشرين، وبالتحديد إلى الفترة التي يصفها بأنها شهدت صعود النازي ـ هتلر وجماعته في ألمانيا.. ويضيف المؤلف قائلا:

ـ وقتها كانت الآلة الحربية الألمانية أقرب ما تكون إلى كائن ضخم يتسم بالحداثة والتفوق التقني ويتمتع بميزتين هما السرعة والقدرة بحيث كان بوسع الجيوش النازية أن تطلق عواصف عاتية من الهجمات الصاعقة المباغتة (بلتز كريغ) وأن تشن هجومها من البر والجو على السواء.

في ضوء هذا التحدي الخطير كان لابد لأميركا أن تحمي كيانها أو بالأدق تحمي مكانتها ومصالحها التي كانت تشمل خارطة العالم بأكملها إزاء هذا الغريم النازي الذي كان يعد بمنافسة شرسة ضارية وهكذا دخلت أميركا معمعة الحرب العالمية الثانية.

يستطرد المؤلف في هذا السياق.. يقول:

ـ عندما دخلت أميركا الحرب في عام 1941، قرر الرئيس روزفلت أن يجابه هذه الآلة الحربية الألمانية العاتية بواسطة ما استطاع أن يطلقه في الميدان من قدرات صناعية جبارة بدورها فضلاً عن بناء «معدات وأعتدة كفلت لأميركا تفوقا ساحقا ماحقا في هذا المضمار.

الحرب الباردة

وتشاء المقادير أن تخرج أميركا منتصرة على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وبفضل شلالات الإمكانات التي عملت على بنائها كما يقول المؤرخ ديفيد كينيدي، فإذا بها تدخل حربا ثانية ضد المنافس الآخر ـ الاتحاد السوفييتي.. وهي الحرب الباردة..

ولما كانت زعامة أميركا لا تمتلك قدرة الغريم الشيوعي ـ ستالين ـ من حيث إصدار الأوامر قاطعة، باترة، حاسمة في ظل اقتصاد روسي خاضع للسيطرة الفوقية والتخطيط المركزي من أجل إنتاج أكبر كميات من العتاد والسلاح..

فقد قرر الرئيس أيزنهاور أن يعوض عن هذا النقص في خمسينات القرن بانتهاج سياسة حملت اسم» الرد الكثيف الصاعق» بمعنى مجابهة أي هجوم بري سوفييتي على أرض أوروبا بهجوم نووي أميركي على أرض الاتحاد السوفييتي ذاته.

ورغم أن سياسة أيزنهاور هذه جلبت قدرا من الاستقرار وقتها.. إلا أنه كان استقراراً مؤقتاً وخاصة بعد أن تمكن المنافس الروسي أن يحشد ويعبئ ترسانات مكافئة من أسلحة الدمار الشامل وباستخدام القذائف ـ الصواريخ النووية مما أدخل العالم ـ مع عقد الستينات في حقبة من.. الرعب النووي كما وصفوها في ذلك الحين.

هي نفس الحقبة التي عادت المجابهة فيها إلى ما يكاد يكون المربع رقم واحد: بمعنى الإقلاع أصلا عن فكرة استخدام السلاح النووي لتحقيق الدمار الشامل..

والعودة إلى التماس أنواع أخرى.. شديدة التعقيد.. بالغة التقدم رهيبة الأثر من الأسلحة التقليدية والقادرة في الوقت ذاته على تحقيق أكبر قدر ممكن من الدمار.

مرة أخرى نعود إلى الفصل الأخير من كتابنا حيث يقول المؤلف: هكذا انطلقت أميركا في تطوير واكتشاف تكنولوجيات جديدة استهدفت تطوير الطائرة ـ الشبح والقنابل الذكية، ومنظومات الأسلحة المدارة الكترونيا التي تجمع بدورها بين عنصري الضبط نحو الهدف والدقة المتناهية في التصويب.

هذه المنظومات المستجدة من الأسلحة ظهرت على مسرح العمليات، للمرة الأولى، في حرب الخليج التي تصدرتها أميركا في عام 1991 وما لبثت أن اكتسبت مزيدا من الدقة والكفاءة خلال حملة القصف التي استهدفت يوغسلافيا عام 1999 وبعدها في حرب (يقصد غزو) العراق عام 2003.

عند هذا التقاطع في مسار التحليل يتوقف مؤلف الكتاب ليشرع في الحديث عن الخطر الجديد الذي تواجهه أميركا وهو خطر الحملات الإرهابية كما يسميها حيث لا تصلح في رأيه لا التكنولوجيا المتقدمة في السلاح التقليدي ولا القدرات الفائقة للسلاح النووي.

ويسهب المؤلف في التحليل حين يقول: إن الخطر الجديد لا يتطلب دقة في السلاح بل يقتضي دقة في الفهم بمعنى التعمق في فهم الطابع الحقيقي للتحدي الذي بات مطروحا بما في ذلك القوى الثقافية التي تحتدم عناصرها في طول الكرة الأرضية وعرضها .

وذلك أمر يتطلب (برأي المؤلف طبعا) الجمع بين الجهد العسكري والجهود الدبلوماسية في آن واحد وهذا الجهد المشترك يبدأ بفهم العدو من جهة ورسم حدود للتصرف الأميركي من جهة أخرى.

في هذا الصدد يسوق المؤلف مثالا من تصرف أميركا في أفغانستان. يقول إن نظام طالبان المتشدد المتطرف كان ينبغي أن يطاح به بعد أن أدركت أميركا أنه السبب في تدبير أحداث سبتمبر 2001.

ويرى المؤلف أن واشنطن تصرفت إزاء مسألة أفغانستان بمزيج من السرعة والكفاءة فكان أن أطيح بنظام طالبان وتم تدمير شبكات «القاعدة» التي كانت تعمل وتنتشر تحت جناح وحماية طالبان في ذلك البلد الآسيوي البعيد..

وكم أحسنت إدارة بوش ـ في رأي المؤلف (ص234) عندما تخلت عن أي هدف يراودها لغزو أفغانستان أو احتلال أراضيها وكانت أميركا في ذلك تصغي إلى دروس مستفادة من عبر التاريخ.

في هذا الصدد أيضا ينصح المؤلف واشنطن ألا تعمد إلى إبداء العداء إزاء حكومات الأقطار الإسلامية باعتبار أن ليس هناك حكومة مسلمة في الوقت الحالي تعمل على تبني أو رعاية الإرهاب ضد الولايات المتحدة على نحو ما كانت تعمل حكومة طالبان في كابل.

وفي السياق نفسه كذلك يوجه المؤلف (ص236) نصائحه إلى صانعي السياسة وراسمي استراتيجيات العلاقات الدولية لأميركا، ويكاد يقول: من فضلكم.. كفوا عن استخدام مصطلحات تصفون بها الدول أو الأقطار أو الشعوب.. بأوصاف من قبيل الشرير أو محور الشر أو نظام مارق أو دولة مارقة .. الخ.. ثم يضيف المؤلف قائلا بالحرف:

ـ إن إطلاق وصف «شريرة» على دولة مثل إيران يكاد يرادف إعلان حرب على دولة لها مكانتها القيادية في إطار حضارة أو ثقافة أخرى.. والمفروض استخدام عبارات واتخاذ إجراءات من شأنها أن توضح بجلاء أن أميركا لا تضمر شرا ولا تبيّت أمرا ضد أي أقطار تنتمي إلى حضارات وثقافات أخرى ومنها أقطار الإسلام.

وقصارى ما ينبغي على أميركاً أن تستهدفه هو حماية حياة رعاياها ودرء كل الأخطار التي قد تلحق بصحة الاقتصاد الغربي والحفاظ على استقرار العالم من خلال الحفاظ على توازن يقوم بين الأمم والحضارات.

إيران وتركيا

نلاحظ أيضا في هذا الخصوص أن المؤلف يحض صانع القرار في أميركا وربما في الغرب بصفة عامة على تشجيع قيام ما يصفه المؤلف بأنه «الدول الإسلامية المحورية» .

ويستطرد قائلا: في عصر تصادم الحضارات، يتمثل مفتاح السلام في تفاعل يتم فيما بين الدول المحورية التي تنتمي إلى مختلف الحضارات باعتبارها الدول القادرة على أن تكفل الاستقرار .

وتضمن تنفيذ المعايير المعتمدة في إطار كل حضارة أو ثقافة، فضلا عن قدرتها على أن تتفاوض باسم الحضارة أو الثقافة التي تنتمي إليها وذلك في حالة نشوب أي خلافات أو حتى صراعات مع الحضارات الأخرى.

يكاد مؤلف الكتاب ينعي غياب مثل هذه الدول المحورية في عالم الإسلام.. لأنه يرى أن شروط هذا الدور المحوري ـ بمعنى القيادي أو الطليعي ـ لابد وأن تشمل تشكيلة من العوامل ما بين القوة الاقتصادية والقدرة العسكرية والفعالية التنظيمية فضلا عن الهوية الإسلامية بطبيعة الحال.

رغم ذلك، تحوي سطور الكتاب في هذا المضمار إشارة هنا وتلميحا هناك إلى أقطار إسلامية مثل تركيا التي يقول أن هويتها العلمانية كما يسميها تحول دون استلامها زمام الدور القيادي المرتقب في عالم الإسلام..

ومثل إيران التي يقول إن كان على الطرف الأميركي أن يتبع إزاءها في الثمانينات نفس النهج السياسي الذي سبق إلى اتباعه الرئيس نيكسون إزاء الصين في السبعينات وهو نهج يصفه المؤلف بأنه كان جسورا بقدر ما كان مبتكرا.

أكثر من هذا.. تكاد سطور هذا الفصل من كتابنا تحوي رهانا سياسيا من جانب المؤلف على إيران.. الرهان هنا على أجيال الشباب الإيراني وعلى من يصفهم بأنهم المعتدلون والحداثيون في طهران.

لا عجب إذن أن يوجه المؤلف انتقاداته إلى من يصفهم (ص237) بأنهم: «بعض المحافظين الجدد» في واشنطن ممن يحبّذون اتباع سياسة العداء السافر والخصومة الشديدة إزاء إيران ومن ثم يفضلون بذل جهود مخفية تحت السطح لزعزعة استقرارها.

مثل هذه المواقف إنما تفضي إلى كارثة بنصّ تعبير الكتاب.

أما عن تركيا فإن موقف الكتاب يزداد غرابة إلى حد لا يمكن تجاهله.. لماذا؟ لأن المؤلف يرى أفدح الأخطار في سلوك أميركا عندما شجعت أنقرة على أن تمضي أشواطا بعيدة عن طريق التغريب (بمعنى أن تصبح جزءاً من الغرب) بل وضغطت واشنطن على أوروبا لكي تقبل تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي.

يكاد كاتبنا روبرت مري يشق الجيوب ويلطم الخدود وهو يستعيد عبارات الرئيس بوش الذي وقف على ضفاف البوسفور في يونيو عام 2004 وأدلى بعبارات ترددت أصداؤها من اسطنبول إلى العالم وقال فيها:

ـ لأن تركيا دولة أوروبية.. فهي تنتمي إلى أوروبا.

في عبارة حاسمة يعلق مؤلفنا قائلا:

ـ لقد تمادى الرئيس بوش فيما قال لأن تركيا ليست دولة أوروبية.. تركيا كيان يصدق عليه وصف هنتنغتون بأنها «بلد ممزق». إنها دولة، أو أمة، تنتمي ثقافيا إلى حضارة بعينها (الإسلام) لكن زعماءها يرغبون في إعادة تعريف هويتها لكي تنتمي إلى حضارة أخرى (الغرب الأوروبي).

لا يفوت القارئ - ناهيك بالمحلل السياسي ـ أن يلاحظ أن اهتمام المؤلف ببلد مسلم مثل إيران لا ينبع فقط من كونه بلدا.. إسلاميا.. هناك أيضا مكانة إيران النفطية.. وعليك أن تنسى إذن حكاية تصادم الحضارات أو صراع الثقافات إلى آخر مقولات الأكاديميين والمتفلسفين.. فتش عن البترول بالدرجة الأولى.. عن المصلحة الاقتصادية.

حيث يشير المؤلف إلى أهمية إيران التي يرى فيها ضمانا لاستمرار تدفق الإمدادات النفطية اللازمة للولايات المتحدة وذلك في حالة أي تهديد ينشأ في هذه البقعة أو تلك من منطقة الشرق الأوسط بانقطاع تلك الإمدادات الحيوية بالنسبة للاقتصاد الأميركي .

إن المؤلف يحيل قارئيه إلى دراسات كاتب ومحلل سياسي أميركي مخضرم هو ريتشارد هالن الذي توصل في دراسته لقضية العلاقات الأميركية - الإيرانية إلى القول بأنه «قد يتعين على أميركا أن تقبل إيران في (عضوية) النادي النووي مقابل محالفة مبرمة معها تكفل زيادة فائقة (درامية بنص تعبير الكتاب) في حالة الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط بكل ما ينجم عن ذلك من استقرار ينعم به الاقتصاد الأميركي في الأجل الطويل (ص238).

وفي كل حال ـ يضيف مؤلفنا ـ فإن حروب الحضارات التي تواجهها أميركا في هذه المرحلة إنما تتطلب اتباع دبلوماسية واسعة الخيال وجسورة في السلوك والإجراءات بحيث لا تقيدها أعراف الماضي ولا تحيزات الحاضر.

ماذا إذن عن تركيا ـ وهي القطب الإسلامي الآخر الذي يشغل اهتمام المؤلف ومدرسة التحليل السياسي التي ينتمي إليها؟

بغير مواربة يقف المؤلف ضد ما اصطلح دارسو العلوم السياسية ومحللو الشأن التركي الراهن على أن يطلقوا عليه الوصف التالي:أوروبة

يقول روبرى مري:

ـ النهج الدبلوماسي الأفضل في هذه الحقبة من صراع الحضارات هو أن تعمل أميركا على وقف التيار الذي يميل بتركيا نحو الغرب ومن ثم يتيح أمامها سبل الانضمام عضوا في الاتحاد الأوروبي.

بل على أميركا - يضيف المؤلف ـ أن تضغط باتجاه أن تصبح تركيا بدلا من ذلك قوة - أو دولة قائدة في عالم الإسلام. ومن ثم تكون قادرة على تحقيق قدر من الانضباط على صعيد هذه الحضارة - الثقافة (الإسلامية) التي تنتمي إليها وتنطق باسمها لدى التعامل مع الغرب.

ثم يسوق المؤلف مبررات هذا الرأي الذي لن يكون ولاشك محل رضا أو قبول في أنقرة أو اسطنبول.. يقول:

ـ إن تركيا التي ستمد يدها بكل اعتزاز كي ترتدي عباءة القيادة الإسلامية من شأنها أن تصبح قوة أكبر في معيار القيمة من تركيا التي ما برحت تكافح للمطالبة بهوية غربية مصطنعة.

روسيا والصين

بعد ذلك نتابع مؤلف الكتاب وهو يمد بصره خارج حدود منطقتنا في الشرق الأوسط.. كي يستشرف آفاق العلاقة التي تربط بين أميركا وبين قطبين يراهما الأهم من وجهة نظره وهما: روسيا والصين.

في ضوء مقولات صراع الحضارات، وفي ضوء ما يؤمن به المحافظون الجدد في أميركا ولاسيما حكاية استباق صراع في المستقبل بين الغرب والإسلام.. يحيل المؤلف إلى واحد من قادة اليمين المحافظ - المتشدد بل هو الرجعي .

كما قد نسميه من جانبنا.. وهو الكاتب الصحفي «باتريك بوكانان» الذي يقول: على الأميركي ين أن يدركوا أنه في حالة أي صدام بين الحضارات فإن الروس هم الذين يحتشدون (للدفاع) عن قلب الغرب ودواخل أراضيه عند جبهتيه الشرقية والجنوبية.

وإذن فلابد من تحسين العلاقات مع روسيا.. لأنها ليست الاتحاد السوفييتي الذي راح.. فيما راحت آمال روسيا في المكانة الدولية والتأثير العالمي وبات قصارى كرملين - بوتين حاليا أن تكون روسيا قوة إقليمية، يعتد بها..

وأصبح أيضا من واجب أميركا أن تشجع روسيا بكل تواضعها الراهن لكي تصبح دولة محورية في قلب الحضارة المسيحية الأرثوذكسية بحيث تتولى كما يتصور مؤلفنا (ص241) أمر المساعدة على مراقبة الأصقاع الجنوبية الإسلامية من منطقة القوقاز.

مما يمكن أن يهدد الغرب (يقصد مصالح الغرب) من جراء أي نشاط عسكري إسلامي على صعيد تلك المنطقة (المؤلف يكاد يتناسى العنصر الحيوي الأهم في هذا الخصوص وهو أن القوفاز يمثل منطقة واعدة بالنسبة لإمدادات النفط والغاز التي يحتاجها الغرب الأوروبي - الأميركي في مستقبل الأيام).

في إطار هذا الترتيب العالمي الذي يفصح عنه هذا الكتاب في سطوره الأخيرة. فثمة دور يراه المؤلف لروسيا في المستقبل المنظور وهو دور أقرب إلى حاجز الصد أو هو السور الواقي.. الحجاب الحاجز.. الجدار العازل إزاء أي طموحات إمبريالية أو توسعية أو ما في حكمها قد تراود الجارة المتاخمة لحدود روسيا..

وهذه الجارة لها اسم أصبح الآن مرتبطا بمنظومة متكاملة من الوساوس الاستراتيجية والهواجس المصلحية والسياسية مما يشغل بال راسم السياسة وصانع القرار بالولايات المتحدة. هذه الجارة اسمها: الصين.

مشكلة المؤلف أنه يكاد يدخل في زمرة محافظي أميركا الجدد وخاصة في ضوء إيمانه العميق الذي تجلى في فصول هذا الكتاب بمقولة التصادم الصراعي بين الحضارات والثقافات.

لكن ميزة المؤلف - كما قد نتصورها - أنه يتعامل مع المحافظين الجدد بمنطق الانتقاد وبمقياس التحليل الواعي.

ولهذا فهو يصب جام غضبه على ما تنشره جريدة «ويكلي ستاندارد« وهي الصوت الناطق باسم هؤلاء المحافظين، ومن ثم فهي أخطر الدوريات تأثيرا على مجريات السياسة الأميركية الراهنة.

وفي هذا يقول المؤلف إن ما تنشره الجريدة المحافظة من تهجم على الصين ومن إبداء العداء السافر لقادتها هو بالضبط أسوأ سلوك تنهجه السياسة الأميركية .

والأطرف من ذلك قول المؤلف: أيها السادة هونوا عليكم.. إن خطورة الصين لا تكمن كما تتصورون في أنها بلد تراوده طموحات السيطرة العالمية.. إن طموحات الصين أقل من ذلك وأشد تواضعا. أما البلد الذي تراوده بالفعل طموحات الهيمنة أو السيطرة الكوكبية فاسمه: أميركا (ص243).

وسواء كانت هذه الطموحات مجرد آمال تراود واشنطن أو كانت مخططات تعكف على رسمها.. فالكتاب ينتهي بأربع صفحات يسوقها المؤلف تحت عنوان «الخلاصة« أو «صفوة القول« وفيها يهيب بكل الأطراف المعنية أن تقلع عن ترديد مقولات المفكر فوكوياما بشأن «نهاية التاريخ« التي أشادت بفوز أميركا في سباق الحرب الباردة.

وبدلا من ذلك يرى المؤلف ضرورة أن تتعاون أميركا مع أوروبا في إطار تجانس قائم بالفعل في مضمار الثقافة والقيم والأفكار والطموحات. تلك هي الشراكة الأطلسية التي أصبحت محورا لأحاديث ودراسات ومؤتمرات وندوات وتحليلات منشورة وغير منشورة تشهدها عواصم أميركا وأوروبا الغربية في هذه الأيام.