حين ترك روبرت بيير وكالة الاستخبارات الأميركية(سي آي إيه) في عام 1997، كان قد أمضى 20 عاما في الشرق الأوسط وهو يتكلم العربية والفرنسية والفارسية، لكنه رأى أن الوكالة «تتقاعد» من عالم الجاسوسية رغم كل ما لديها من دعم سياسي ومادي.

وبعد وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قرر أن يروي ذلك في كتاب متحرر من الأوهام حمل عنوان «جندي من السي آي إيه». ويؤكد بيير أن الفكرة القائلة بأن «الفساد يسيطر على كل شيء» في الغرب تبدو وكأنها فكرة الرئيس الإيراني.

ولكنها صحيحة إلى حد كبير، «غير أنه يوجد هنا حرية لقول ذلك وما أقوله في كتابي ما كان من الممكن قوله في إيران». كما يؤكد أن «العالم فاسد في جميع الأرجاء،فعندما تتوفر موارد للدولة، فإنها تأخذ طريقها إلى الفساد من أجل تغذية سلطة البعض».

صحيفة «إيه بي سي» التقت العميل السابق في برلين وكان لها معه الحوار التالي:

* هل هناك فارق بين مفهوم الأمن القومي ومفهوم أمن الطاقة؟

ـ كل شيء يعتبر اليوم أمن طاقة. في عام 2003 غزونا العراق وليس رواندا، ليس هناك حاجة لتصنيف ما، لكننا نعلم جميعا أنه يوجد أنظمة استبدادية أسوأ من نظام صدام حسين. أما ما يقال عن حقوق الإنسان، فإنه مجرد مزاح.

* هل يسري عنك إثبات أن أجهزة الاستخبارات ليست ذكية بقدر الاعتقاد السائد؟

ـ ذلك أنها ليست كذلك، حسنا، ثمة أشخاص مؤهلون في كل مكان، لكني أشير إلى الولايات المتحدة، فإذا أردت أن تحصل هناك على تعليم جيد فلا بد أن يكون تعليما خاصا. وبالنسبة للجامعات، فإن الخاصة منها تكلف كثيرا.

وفي حال حصل عميل السي آي إيه على التعليم الجامعي، فإن عمره سيكون في هذه الحالة 23 عاما وعندها يريد الزواج، لكن براتب السي آي إيه لا يستطيع زوجان تأمين حياتهما.

الوكالة تثبت أن الذين يعملون في الاستخبارات ليسوا أذكياء دائما. ولن تتمكن أبدا من أن تبتاع لنفسك شقة كبيرة في واشنطن، أنا وزوجتي كان لدينا شقة صغيرة مساحتها 50 مترا فقط. ولن ترى شخصاً من السي آي إيه في عالم السياسة، ذلك أنهم من طبقة سفلى.

* في فشل الحادي عشر من سبتمبر، ما الذي كان له الوزن الأكبر، العملية ذاتها أم الأخطاء المرتكبة؟

ـ خذ حالة سان دييغو على سبيل المثال، انتحاريان يحملان قنابل، ويتم تتبع تحركاتهما من كوالالمبور، عبر هونغ كونغ حتى لوس أنجلوس. ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت تعلم ما الذي أتيا من أجله.

ولا تقول ذلك لمكتب التحقيقات الفدرالي ، يمكنك أن تفكر بما تشاء. في 11 سبتمبر فشل مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية وإدارة الهجرة والجوازات ومؤسسات كثيرة أخرى.

* هل تم تعلم الدرس وأخذ العبرة؟

ـ جرت عملية إصلاح عميقة، فهم يدركون أنه لا يمكن تبديل العملاء عن طريق الأقمار الصناعية، لكن ثمة حاجة لخمس سنوات لتدريب عميل في الشرق الأوسط.

* هل أنت جاسوس على الطراز القديم في نزاع مع طائرة تجسس؟

ـ أنت بحاجة إلى الأمرين. أنا جاسوس فرنسي في اسبانيا ويتعين علي تكلم الاسبانية وأن أكسب أصدقاء من إسبانيا وأن أتعرف على التاريخ الاسباني.

إذا أردت معرفة ما الذي يفعله رئيس حكومتها، علي مراقبة هاتفه، لكن لا بد أيضا من إلقاء نظرة من الجو ومعرفة إذا ما كان هناك حالة جفاف قادمة أم لا... الجاسوسية تتطلب مصادر ومعلومات وطاقم يعمل على الأرض وأقمار صناعية. لكن الشيء الوحيد الذي كان لدى السي آي إيه في العراق قبل الحرب كان الأقمار الصناعية.

* ما الذي يمكن أن يحدث لو أصبحت واشنطن عدوة لأوروبا وتخلت ذات يوم عن مشاطرة المعلومات؟

ـ ما تقوله السي آي إيه اليوم ليس مهما.

* هل سيواصل أحد ما تصديق واشنطن؟

ـ إذا كانوا يتحدثون الآن عن البرنامج النووي الإيراني ولا أحد يصدقهم.

* هل شاركت في الإطاحة بصدام حسين؟

ـ كانت عملية مخفية في حقبة كلينتون. وكان قد تم الاتصال ببعض القادة الأكراد وبعض الضباط. أحد ما حلت عقدة لسانه في البيت الأبيض وتحول كل شيء ضدي. العملية أجهضت في واشنطن، وتم اختراق الأكراد وأنا خرجت كيفما اتفق. فلقد كان كل ذلك غير قانوني، لاحظ وكأن كل شيء آخر صحيح جدا.

* هل كان كلينتون جاهزا لتبادل الأدوار مع بوش؟

ـ قرروا ترك صدام بسلام ويبدو أن ذلك كان موفقا. ذلك أنه لم يعد يشكل تهديدا لأحد، رغم أنه كان كذلك بالنسبة لشعبه وذلك بسبب القمع. لكن واشنطن كانت تعيش تحت وطأة إهانة 11 سبتمبر، ساعية وراء أي ذريعة للثأر... كان متأخرا جدا الدخول مرة أخرى إلى العراق، فضلا عن أن غزو بلد ما لن يكون مجانا.

*أوجد كلينتون عقيدة تصدير الديمقراطية، التي استخدمت لاحقا من قبل بوش. ألا يؤدي هذا الأسلوب وظيفته؟

ـ من الذي أقام الديمقراطية الاسبانية؟ أقامها الإسبان وهم يقرأون على مر الوقت طبعا. إنها الطريقة الوحيدة.

* هل الديمقراطية معدية؟

ـ نعم، لكن لا يمكن فرضها.

* بعيدا عن المركز، هناك هذيانات أيضا. متى يخاف الجاسوس على ناسه أكثر من الآخرين؟

ـ أنت تقلق دائما على ناسك في المقر العام أكثر من العدو. بادئ ذي بدء أنت شاب وتحس بأنك مدعوم من الوطن بشكل مطلق وتثق في القرارات التي تتخذ هناك وإذا أخفقت فإنك تعتقد بأن الخطأ كان خطؤك.

* كنت في بيروت في الثمانينات وكذلك في سراييفو في التسعينيات...

ـ كان عملي مختلفا جدا في بيروت، حيث كنت أتحرك كما لو كنت في الوطن. أما في سراييفو فلقد كان الوضع مختلفا، فأنا ما كنت أتكلم اللغة الصربية الكرواتية وهكذا بدوت كتاجر أسلحة، عدم معرفة اللغة كان عقبة كبيرة. والسير مع مترجم أمر رهيب بالنسبة لعميل ، لأنهم أشخاص متحيزون بطبيعتهم.

لقد عملت في الآونة الأخيرة فيلماً وثائقياً لتلفزيون «القناة الرابعة» البريطاني حول الإرهابيين الانتحاريين ورغم أني أتكلم الفارسية بعض الشيء، فإن ما حققته بالعربية كان أفضل.

* في البوسنة بدأت الكلام عن «مقاتلين إسلاميين»، هل كان الأمر يتعلق بحالة عصبية؟

ـ لم يكن هناك خطر، لكن ذلك خدم في إثارة العالم الإسلامي. لم نر أن مسلما مهاجما هو دائما مهم بالنسبة لمسلم آخر.

* مع تأثير متواضع...

ـ نعم، فالتأثير لم يدم طويلا. شارون فعل كل ما يحلو له. وكل شيء يبدأ، في نهاية المطاف، في إسرائيل ويعود إلى هناك.

* بدا أن التضامن الإسلامي ليس موجودا في البوسنة...

ـ بالطبع لا، الآن في العراق الشيعة ضد السنة. وأشرطة الفيديو التي يبثها بن لادن تحاول التغاضي عن الأمر، لكن ذلك غير ممكن لأنه انقسام معمق.

* لماذا يبدو العالم الإسلامي اليوم أكثر كربا من سنوات الستينيات أو الثمانينات؟

ـ اليوم ثمة فيروس معد، وهو أمر جديد.

* ماذا يوجد داخل عقل الإرهابي الانتحاري؟

ـ شعور أساسي بالظلم.

إرهابيو مدريد ولندن لم يكونوا يائسين يموتون من سوء أحوالهم في مخيم فلسطيني...

ـ الثوري هو شخص جامعي دائما ، هل رأيت بروليتاريا ما؟

* اسبانيا شاركت في الحرب، بالإضافة إلى صورة القمة التي عقدت في أزورس، الأمر الذي جعلها تبدو كما لو أنها تستحق الاعتداءات.

ـ المتشددون الإسلاميون يفضلون الرموز. والأهداف في أوروبا سهلة من الناحية التقنية.

ترجمة: باسل أبو حمدة