من الواضح أن المؤلف يبدي هنا اعجاباً شديداً بما يمكن أن نطلق عليه النزعة الامبريالية التي تفضي إلى السيطرة الكامنة في الوجدان الأميركي، المشبع بالعديد من المغامرات الخارجية، التي أضحت تشكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الولايات المتحدة.
وتمتد جذور هذه النزعة إلى القرن التاسع عشر، الذي شهد بداية صراع فكري ظل يفاضل بين العزلة والتدخل في السياسة الخارجية الأميركية بين البقاء داخل اسوار شواطئ الأطلسي الغربية والانطلاق خارجها إلى عالم رحب فيه الكثير من المغريات المادية والتطلعات المعنوية، إلى أن انتصرت على نحو كاسح فكرة التدخل الخارجي.
ممهدة الطريق للكثير من الحروب والتجارب العسكرية والسياسية، التي إن أخفق بعضها، إلا أن معظمها حقق نجاحات فاقت توقعات روادها، لكنها تقوم على خداع شعوب العالم والتعاطي معا لا بمفهوم الاستعمار وانما بمفهوم الوسيط الصانع للسلام.
من المسافة الفاصلة بين استراتيجية العزلة في مبدأ الرئيس مونرو واستراتيجية المشاركة أو التدخل في مبدأ الرئيس ويلسون، انبثقت تجربة أميركية رائدة في التعامل مع الملفات الخارجية للدول، همها الأساسي السيطرة على مقدرات الشعوب ومستقبلها.
في صيف عام 1993، فوجئ قراء مجلة «الشؤون الخارجية» (فورين أفيرز) بإقدام مجلتهم الرصينة - مجلة الصفوة كما يسميها كتابنا ـ على نشر مقالة ضافية في 9 آلاف كلمة كتبها صمويل هنتنغتون أستاذ العلوم السياسية في جامعة «هارفارد» تحت عنوان مازالت أصداؤه تتردد حتى الآن في زوايا الفكر السياسي العالمي وهو: «تصادم الحضارات».
ويضيف مؤلف كتابنا قائلا: جاءت هذه المقالة متناقضة مع ما سبق إليه المفكر الأميركي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما عندما نشر كتابه المعنون «نهاية التاريخ» اللهم إلا باستثناء وحيد يتمثل في أن كلا من دراسة «الحضارات» و«التاريخ» انتهت بسؤال جوهري مطروح جسدته علامة استفهام، لكن لماذا الاستفهام؟
لأن كلا من المفكريْن دأب على السعي إلى اختراق حجب المستقبل ومحاولة تصور الأشكال والصياغات التي يمكن أن تتخذها الأحداث العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة وانتصار الغرب فيها.
ولأن كلا الرجلين ـ صمويل وفرانسيس ـ كان يحس بالحاجة إلى أن يحيط تأملاته وتصوراته بعلامات استفهام آية على أن الكلمة الأخيرة لم تصدر بعد بالنسبة لمستقبل العالم في القرن الحادي والعشرين.
* تصادم الحضارات
بخلاف ذلك، فقد جاءت رؤية كل من الباحثين الأميركيين مختلفة تمام الاختلاف: فوكوياما كان يصدر عن فكر هيغلي ـ نسبة إلى الفيلسوف الألماني هيغل ـ ومؤداها بتبسيط شديد هو أن العالم سائر باضطراد إلى تقدم وبخطى ثابتة وربما متفائلة وخاصة بعد ثبوت فوز المعسكر الرأسمالي في الغرب على منافسه المعسكر الشيوعي السوفييتي في الشرق (الأوروبي على وجه التحديد).
- هنتنغتون كان يرى أن التاريخ دورات وأن جوهر حركة العالم والإنسانية هو الصراع بين الثقافات وهو التصادم بين الحضارات، وأن قانون هذا الصراع التصادمي بين الأمم وحضاراتها المختلفة سوف يحكم مسير عالمنا ومصيره في مستقبل الأيام.
وأكثر من هذا أن صاحب نظرية الصدام الحضاري كان يرصد ما آلت إليه أحوال المعارك الساخنة والمواجهات الدموية المحتدمة في البلقان (البوسنة وصربيا) وفي أفريقيا (لواندا.. الحبشة.. أريتريا.. الخ) فكان أن خلص بدوره إلى استنتاج يقول فيه: إن الحدود السياسية يتم إعادة رسمها أمام أعيننا لكي تتوافق أو تتواكب مع النزعات العِرقية والدينية والحضارية - الثقافية.
وأن هذه الصراعات التي ستحتدم بين الهويات الثقافية على مستوى العالم جديرة بأن تزداد تكاثفاً وعمقاً وسخونة لدرجة يصعب استباق حركتها فضلا عن أن تصطبغ بقدر مخيف من العنف الدموي في أرجح الاحتمالات.
قال فريد زكريا
وفي كل حال فقد جاءت مقالة البروفيسور صمويل بقدر ما جاءت مقولاته بمثابة صدمة.. أو جرس تنبيه يدق بإيقاعاته القارعة على العقل السياسي في أميركا وفي أوروبا وفتحت بابا من أوسع ما يكون للدرس والنقد والحوار والتحليل والتفنيد والتجريح، ربما لا يزال مفتوحا بصورة أو بأخرى حتى الآن.
وبلغ الأمر الحد الذي دفع أيامها الكاتب الأميركي من أصل هندي فريد زكريا مدير تحرير «مجلة فورين أفيرز» (هو الآن رئيس تحرير الطبعة الدولية لمجلة نيوزويك) إلى أن يصف مقالة «صدام الحضارات» في عبارات قال فيها: إنها أشهر مقالة نشرتها مجلتنا على مدى عشرات السنين، بقدر ما أنها أكثرها ذيوعا وأوسعها من حيث الاقتباس منها والنقل عنها وإعادة طبعها.
في هذا السياق يقول مؤلف كتابنا: لقد ترجمت المقالة إلى أكثر من 20 لغة وظلت مطروحة بوصفها موضوعا للحوار في إطار العديد من المؤتمرات الأكاديمية في طول العالم وعرضه وتلقى كاتبها دعوات لمناقشة آرائه في أكثر من 20 بلدا في خمس قارات.
وبعد 3 سنوات من نشر المقالة عمد صاحبها إلى توسيع آفاقها وإثراء مادتها ومن ثم نشرها في كتابه الذي صدر عام 1996 تحت العنوان الدال: صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي.
المادحون والناقدون
سرعان ما اكتسب الكتاب بدوره أهمية متميزة من حيث الرواج والمبيعات والاهتمام لدرجة أن تصفه كلمات البروفيسور جويل مجدول أستاذ العلوم السياسية بجامعة واشنطن بأنه أهم كتاب تم تداوله وقراءته في دوائر العلوم الاجتماعية على مدار التسعينات، هذا فضلا عن ترجمته إلى 24 لغة (منها لغتنا العربية).
مع هذا كله، فقد تراوحت مقادير الكتاب والاجتهاد التنظيري الذي انطلق على أساسه بين تقريظ وترحيب وبين انتقاد وتشكيك. الفريق الأول أورد أوصافا للعمل من قبيل أنه «جسور» و«حفّاز» ويحث على «قدح الفكر وانطلاق الخيال».
أما الفريق الثاني فقد وصف العمل نفسه بأنه يقوم على تصورات مغلوطة ويشوبه جهل فاضح بصورة مستغربة على نحو ما كتب وليام فاف في «الهيرالدتربيون».
ولسنا ندري أي مواضع للجهل الغريب وقف عندها كاتب محترم مثل وليام فاف، لكننا ندري من واقع قراءتنا لكتاب صدام الحضارات - أو تصادم الثقافات أن مؤلفه يرى أن هذا التناقض التصادمي قد احتدم ومن المرجح في رأيه أن يحتدم وربما يشتعل أو يستعر بين عالم الغرب وعالم الإسلام.
وهذا هو مؤدى العبارات التي أوردها صمويل هنتنغتون في كتابه الشهير التي يختتم بها مؤلف كتابنا الراهن الفصل الرابع من فصول هذا الكتاب والعبارات تقول ما يلي في إيقاع أشبه بنبوءات النذير:
قال بعض الغربيين إنه ليست للغرب أي مشكلات مع الإسلام وأن المشكلات هي (تحديدا) مع المتطرفين الإسلاميين من أهل العنف، لكن الأمر على خلاف ذلك، على نحو ما تشهد به أربعة عشر قرنا من التاريخ.
بين العزلة والتدخل
يتألف كتابنا من 13 فصلا يسلكها المؤلف ضمن 4 أبواب رئيسية، وحين نطالع الكتاب في قراءة تحليلية وإذ نكاد نقترب من الباب الثاني وفيه يودع المؤلف سياحته في مراحل الزمن.
واستعراضه للأدبيات التي عالجت تحولات التاريخ وصراعات الثقافات والحضارات، نكاد بدورنا نلمح إعجابا منبهرا من جانب مؤلفنا الأميركي بما يمكن أن نسميه بالنزعة الإمبراطورية التي تفضي إلى حيث السيطرة الإمبريالية الكامنة في الوجدان الأميركي وخاصة منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ومع مطالع القرن العشرين.
ليس صدفة إذن أن يستهل المؤلف الباب الثالث بفصل يختار له العنوان التالي: العزلة والتدخل وبديهي أن العزلة كانت خيارا سياسيا يتجسد عبر تاريخ الولايات المتحدة فيما يعرف باسم «مبدأ مونرو» - نسبة إلى الرئيس جيمس مونرو (1758 - 1381( الذي جمع بين تحذير القوى الأوروبية من التدخل في منطقة نفوذ أميركا (الناشئة وقتها).
غربي الأطلسي وبين الوعد بأن أميركا لن تتدخل في أو تتعاطى السياسات الأوروبية شرقي الأطلسي ومن ثم فهو مبدأ نادى بعزلة أميركا بحدود قارتي أميركا الشمالية والجنوبية منذ عشرينات القرن التاسع عشر..
وقد ظل معمولا به لكي يحل محله مبدأ التدخل ومن ثم الاستعمار والتوسع الإمبريالي وخاصة على يد الرئيس تيدي روزفلت في مقتبل القرن العشرين.
قصيدة إلى الرئيس
من طرائف التاريخ الحديث أن روزفلت (الأول كما قد نسميه) كان بهذه النزعة الإمبراطورية محل إعجاب الشاعر رديارد كبلنغ، وهو شاعر الاستعمار البريطاني الأول، وهو أيضا صاحب المقولة الشهيرة بأن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا في يوم من الأيام.
وتقول الحكاية إنه بعد صولات وجولات الأساطيل والجيوش الأميركية حيث استعمرت وضمت أقطارا وجزرا وأصقاعا تمتد بين بورتريكو في مياه البحر الكاريبي إلى الفلبين في مياه الباسفيكي، يومها تلقى روزفلت نسخة من قصيدة نظمها وأرسلها الشاعر البريطاني الإمبريالي رديارد كبلنغ تقول أبياتها:
ألا فلتحمل على كاهلك عبء الرجل الأبيض
وانطلق وفي جعبتك أفضل ما لديك
وفي معيتك أبناؤك
كي تلبي احتياجات رعاياك
وقرأ الرئيس تيدي روزفلت القصيدة ثم قال لجلسائه:
بصراحة، الشعر ركيك، لكن الفكرة جيدة.
كانت تلك هي فكرة التوسع، من جانب أميركا مع فجر القرن العشرين.. وكان توسعا كلفها ثمنا فادحا وخاصة حين انتبه العالم مع مطالع القرن إلى مذابح ارتكبها جنرالات روزفلت ضد أهل الفلبين، وكان منطقيا أن يتراجع الرئيس الأميركي عن مطامعه التوسعية أو مشاريعه الإمبريالية، ولتذهب قصائد كبلنغ إلى الجحيم..
هنالك عاودت واشنطن سياسات أقرب إلى العزلة وتخلت عن أفكار «إمبراطورية أميركية» بل ومضى رئيسها روزفلت - ربما من باب التكفير أو الندم أو كليهما - يبذل جهودا مضنية في الوساطة لإنهاء الحرب التي اشتعلت وقتها بين روسيا واليابان وتكللت جهوده بالنجاح بل وحصل على جائزة نوبل، للسلام في عام 1906.
هكذا جاء تمهيد الأرضية أمام حلول رئيس جديد في البيت الأبيض، جاء ودرو ويلسون الأستاذ الجامعي بأحلام ترفض عزلة أميركا من ناحية ولكن تنشد لأميركا مكانا ومكانة مميزة على الساحة الدولية من ناحية أخرى.
وكان السبيل الوحيد لارتقاء هذه المكانة هو أن تتعاطى أميركا مع شعوب العالم لا بوصفها مستعمرا معتديا بل باعتبارها وسيطا وصانعا للسلام.
هكذا جاء يوم 22 يناير عام 1917و كانت أوروبا تكتوي بنيران الحرب العالمية الأولى وتزايدت ضغوط الرئيس ويلسون من أجل أن يتاح له إلقاء خطاب مفاجئ أمام مجلس الشيوخ بالكونغرس، وقال مساعدوه إن الخطاب يتمتع بأهمية فائقة بالنسبة للقضايا الدولية.
وبعد 4 ساعات بدأ ويلسون يلقي خطابه أمام المجلس، وبعد دقائق من استهلال الخطاب كان واضحا أن رئيس الولايات المتحدة قد رسم لبلاده خطا جديدا يلخصه مؤلف كتابنا حين يقول: إنه استحداث سياسية خارجية أميركية تضع البلاد في بؤرة أحداث العالم كي وتدخل في غمار الصراع الأوروبي (الحرب العظمى) ولكن في دور صانع السلام.
من يومها دخلت أميركا حلبة السياسة بل والصراع الدولي ولم تخرج منها حتى كتابة هذه السطور، وهو ما يصفه مؤلفنا في عنوان الفصل السادس من الكتاب بأنه انتصار للويلسونية، بمعنى انتصار أفكار الرئيس الأسبق ويلسون في استمرار تعاطي بلاده مع الشؤون العالمية مشاركَةً من جانبها أو تعاطيا أو احتكاكا أو تدخلا أو صراعا، سيّان.
مبررات غزو بنما
هكذا كان سلوك أميركا خلال الصراع مع النازية والفاشية في الأربعينات، وأيضا خلال الصراع مع الشيوعية خلال عقود الخمسينات - التسعينات من القرن الماضي، وبعدها صراعات وتدخلات أميركا في بقاع شتى من العالم.
وتحت أوصاف ومسميات وشعارات مختلفة ما بين التحرير (الكويت) والإنسانية (الصومال) والمصالح القومية (بنما، هايتي، غرانادا) وعلى سبيل التفصيل كانوا يسوقون مبررات بعضها مقنع وبعضها على خلاف ذلك ولكنها تثير في مجموعها اهتمام المحلل والدارس.
في قضية بنما ساقوا تبريرا لا يخلو من أهمية بل وطرافة.
وجاء على لسان كبير موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس بوش - الأب، وكان «الموظف الكبير» وقتها - بالمصادفة - اسمه كولن باول وهو بعينه الجنرال الذي أصبح كما تعرف وزير خارجية الولاية الأولى للرئيس بوش - الابن.
يومها قال باول في تبرير غزو بنما واقتياد رجلها القوي نورييغا سجينا إلى زنزانات أميركا: كان المبرر هو احتقار نورييغا للديمقراطية وأيضا متاجرته في المخدرات وإدانته بذلك، وكان كذلك مقتل أفراد من سلاح المارينز الأميركي فضلا عن تهديد حقوقنا في اتفاقية قناة بنما من جانب ذلك الشخص الذي لا يمكن الوثوق به ولا الركون إليه، لكن كان هناك السبب الأقوى وهو
: كراهية الرئيس بوش شخصيا إزاء نورييغا، بوصفه ديكتاتوراً من الدرجة الثالثة كان لا يلبث يحك أنفه لأميركا استفزازا لها وتحديا.
لكن يلفت النظر بشأن السطور الأخيرة أن مؤلف كتابنا يبادر إلى تخفيف وقعها وترطيب دلالتها حين يقول (ص99): من هذه الأسباب، تستطيع أن تستبعد السبب الأخير بوصفه غير ذي بال: فلو ظلت أميركا تسعى إلى الإطاحة بكل ديكتاتور يثير حفيظة رئيس الولايات المتحدة، فالنتيجة ستكون عبارة عن فوضى تضرب أطنابها في أنحاء العالم.
وفي التحليل الأخير مازال الدارسون والأكاديميون في الولايات المتحدة يرون في غزو بنما وسجن رجلها القوي نورييغا سلوكا ينطوي على الغزو الذي يندرج - كما يؤكد المؤلف (ص100) - في إطار التدخل على أساس مذهب المحافظين وبمعنى أنه كان عملا عسكريا جاء تبريره.
في معظمه، على أساس المصالح القومية لأميركا فضلا عن الحاجة إلى منع زعزعة الاستقرار سواء في تلك المنطقة الإقليمية أو في العالم مما يمكن أن يهدد بالتالي رفاه أميركا بشكل خاص أو الغرب بشكل عام.
وها هو الأستاذ أندرو بيسفتش يذهب إلى هذا المنحى عندما يؤكد في كتابه الصادر بعنوان «الإمبراطورية الأميركية» أن غزو بنما يشكل تأكيدا كلاسيكيا على ممارسة دولة عظمى لامتيازات تتمتع بها ومن ثم تقوم بدور الشرطي داخل منطقة نفوذها.
* لقاء في كولورادو
لم يكن قد مضى على غزو بنما سوى عام وبضعة من عام، وبعدها طلع الرئيس بوش - الأب على العالم بدعوته إلى «نظام دولي جديد» وجاء هذا النظام وتلك الدعوة كمحصلة عوامل رآها مؤلف كتابنا ومنها قرار بوش إرسال نصف مليون جندي أميركي من غرب الكرة الأرضية إلى شرقها لكي يصد الغزو الذي شنّه صدام حسين على جارته الكويت.
يضيف المؤلف في هذا الصدد قائلا: قيل الكثير عما ساور الرئيس بوش من تردد إزاء مثل هذا القرار، لاسيما وقد بدأت التطورات بإعلان بوش نفسه أنه لا يفكر في مثل هذا الأمر، وقيل أيضا أن الذي شجعه على قراره وربما وجه إليه بعض الملام كان مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا حين التقته في منتجع اسبن بولاية كولورادو وحذرته من التهاون أو التخاذل في هذا المضمار.
لكن يسترعي اهتمامنا أن المؤلف يمضي في نفس الفصل من الكتاب ليوضح لقارئيه كيف أن قرار محاربة صدام في الكويت لم يكن يلقى تحمسا بما فيه الكفاية في دوائر الكونغرس .
حيث إن المعارضة الديمقراطية في البرلمان كانت ترى إعطاء فسحة من الوقت أمام فرض عقوبات على نظام صدام الغازي المحتل وذلك قبل تحريك قوات أميركية إلى بقعة رأوها نائية وخطيرة في الشرق الأوسط (كانت عقدة ؟يتنام مازالت ماثلة في الوجدان الجمعي الأميركي).
* خطف النفط
لكن الآراء التي تغلبت ورجّحت كفة إرسال القوات جاءت من صفوف إدارة بوش - الحكومة وليس البرلمان، وخاصة من جانب إدارة المخابرات المركزية الأميركية، التي كانت يومها في يد ويليام وبستر الذي يبسط مؤلفنا آراءه (ص101) في هذا الخصوص في عبارات تقول:
اجتمع وبستر إلى الرئيس بوش بعد لقاء الرئيس مع تاتشر في كولورادو. قال وبستر إن صدام بعد غزو الكويت سيطر على 20 في المئة من احتياطيات نفط العالم ولو تحرك أميالا قليلة إلى الأراضي السعودية فمن شأنه أن يخطف نسبة 20 في المئة أخرى، ثم أنه سينعم بمنافذ على البحر من موانئ الكويت، وربما يميل إلى صفّه كل من الأردن واليمن وسيكون في موقع يتيح له الضغط على الآخرين.
باختصار ـ يضيف مؤلفنا ـ فقد خلص كبير جواسيس أميركا (وبستر) إلى القول بأن صدام حسين سيصبح بذلك أكبر وأخطر شخصية في منطقة الخليج.
في تلك اللحظة، بدرت عبارة على لسان الأميرال برنت سكوكرفت - مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض وكان حاضرا الاجتماع إلى جوار الرئيس بوش - الأب، والعبارة تقول ببساطة: إذن فقد أصبح من واجبنا أن نرد على هذه الأوضاع كلها، و(أرى) أن السكوت على ما يفعله صدام ليس خيارا مطروحا بحال من الأحوال ربما في هذه اللحظة أصبح قرار بناء تحالف عسكري تقوده أميركا أمرا مقضيا وبعدها أصبح الطريق ممهدا أمام تحرير الكويت.
