النصر الانتخابي لحماس بغيض، لكنه مفهوم، مع الأسف ،على ضوء التطورات الأخيرة. صحيح أنه من الصواب وصف حماس بالتشدد وبأنها قد تشكل تهديدا للسلام ولاتفاق سياسي عادل، لكن من المفيد تذكر أن حماس في عناصر مهمة أخرى ليست متشددة بقدر ما هي عليه منظمات أخرى. إذ تعلن حماس، على سبيل المثال، أنها ستوافق على اتفاق هدنة على قاعدة الحدود المعترف بها دوليا قبل يونيو1967. وهذه الفكرة غريبة كليا عن الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تصران على أن أي مخرج سياسي يجب أن يشمل احتلال اسرائيل لأجزاء مهمة من الضفة الغربية ومرتفعات الجولان.

حركة حماس فازت بالانتخابات عن طريق تقديم خطاب يجمع بين مقاومة قوية للاحتلال العسكري وإنشاء مؤسسات اجتماعية لخدمة الفقراء، وهو خطاب ربما يجعل من الممكن الفوز بأصوات الناخبين في أي مكان من العالم، مع ذلك فإن نصر حماس هذا يمثل بالنسبة لإدارة بوش عقبة إضافية أمام برنامج نشر الديمقراطية، المسمى رسميا برنامج « تشجيع الديمقراطية».

في تحليل منشور في «نيويورك تايمز»، قبل وفاة عرفات بوقت قصير، تحت عنوان «بانتظار أن تحل الديمقراطية مكان أيقونة فلسطينية»، كتب ستيفن إيرلينجر: سيكون عصر ما بعد عرفات بمثابة الاختبار الأخير لعقيدة جوهرية أميركية تقوم على فكرة أن الانتخابات تمنح شرعية حتى للمؤسسات الأكثر هشاشة»، ونقرأ في الفقرة الأخيرة: مع ذلك، فإن التناقض الظاهري غني بالنسبة للفلسطينيين فقد قاومت إدارة بوش، في الماضي، الانتخابات التشريعية الجديدة في فلسطين، وكانت الفكرة في تلك اللحظة أن الانتخابات كانت ستحسن صورة عرفات وكانت ستعطيه تفويضا متجددا وإنها كانت من الممكن أن تساعد كذلك على إعطاء مصداقية ونفوذ لحماس.

بعبارة أخرى فإن العقيدة الأميركية تقوم على مبدأ أن الانتخابات حسنة بقدر ما تكون نتائجها مناسبة. للقضية معادل حديث العهد. فقد أجبرت المطالبة الجماهيرية في العراق واشنطن ولندن على السماح بإجراء انتخابات حاولتا محاصرتها بسلسلة من الخطط. كما فشل الجهد اللاحق للإخلال بانتخابات غير مرغوب فيها وذلك عن طريق تقديم الدعم لمرشح الإدارة المفضل وطرد وسائل الإعلام المستقلة.

في فلسطين، لجأت واشنطن أيضا للأساليب التخريبية التقليدية. فلقد ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أخيراً أن الوكالة الدولية للتنمية، المستقلة عن حكومة الولايات المتحدة، تحولت إلى «قناة غير مرئية» من أجل «زيادة شعبية السلطة الفلسطينية أمام انتخابات حاسمة يواجه فيها الحزب الحاكم تحد جدياً من جانب حركة حماس الإسلامية المتشددة». وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الولايات المتحدة أنفقت حوالي 9,1مليون دولار، من أصل 400 مليون دولار مخصصة سنويا لمساعدة الفلسطينيين، في عشرات المشاريع الطارئة قبل الانتخابات وذلك لتعزيز صورة الزمرة الحاكمة من حركة فتح وتقويتها أمام منافستها حركة حماس.

وكما هو طبيعي، فلقد أكدت قنصلية الولايات المتحدة في القدس الشرقية لوسائل الإعلام أن الجهود الخفية حاولت فقط تحسين المؤسسات الديمقراطية ودعم المشاركين الديمقراطيين وليس فتح فقط. في الولايات المتحدة أو في أي بلد غربي آخر ، فإن مجرد التلميح حول هذا النوع من التدخل كفيل بأن يدمر مرشحا، لكن العقلية الامبريالية المتأصلة تضفي صبغة شرعية، في أي مكان آخر، على هذه الإجراءات التخريبية للانتخابات.

ومع ذلك، فإن هذه المحاولة فشلت فشلاً ذريعا، ويتعين على حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل الآن أن تكيفا نفسيهما للتفاوض بطريقة ما مع حزب إسلامي متشدد، يتوافق معهما في تقليد رفض الإجماع الدولي. والتزام حماس الرسمي «بتدمير إسرائيل» يساوي المنظمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تعهدتا بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية، حتى تلين كلتا الامتين ولو بشكل جزئي موقفهما من الرفض الكلي وتقبلان بدولة مصغرة مكونة من أجزاء مما يبقى من دون احتلال بعد أن تستحوذ إسرائيل على الجزء الذي ترغب فيه من فلسطين.

عن «البيريوديكو»