يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع الكثير من المعطيات والمعلومات والمقاربات والمقارنات وطرح الأفكار والاستراتيجيات التي انتهجتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، حتى ظهور مذهب بوش القائم على رؤية هي بالأساس خليط من الأحلام والتصورات الخيالية حيال إعادة صياغة العالم على مقاس واضعيه.
الصياغة تشكل بدورها صورة نموذجية تسيطر عليها ثقافة شاملة وحضارة جامعة مانعة تجسِّدها الولايات المتحدة ومنطلقها نزعة امبراطورية تتماهى في أطماعها مع الامبراطورية الرومانية القديمة، التي حملت بذور أفولها في أحشائها عندما كانت في أوج ازدهارها، وهو مصير يرى الكثير من المراقبين أنها ستلاقيه لا محالة نظيرتها الامبراطورية الأميركية الناشئة.
وسط كل هذه الفوضى الفكرية، يعبِّر المؤلف عن تشاؤمه إزاء جدوى التحولات الديمقراطية في أقطار الشرق الأوسط، حيث البيئة السائدة ليست مؤهلة لكي تتقبل الديمقراطية الغربية.
بصراحة وموضوعية: لابد من القول إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كانت علامة فارقة أو كانت نهاية حقبة وبداية عصر جديد بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
يقول المؤلف في بدايات الفصل الثاني عشر من هذا الكتاب: في الأشهر التي أعقبت هجمات سبتمبر بدا الأميركيون مشغولين بقضية ما إذا كانوا (أو كانت بلادهم) تقف وقتها على أعتاب الإمبراطورية (بمعنى أن تبسط أميركا سلطانا إمبرياليا من السيطرة والهيمنة على مقاليد وإرادات عالمها).
وكان هذا هو الموضوع الذي جرت بشأنه أنهار من الأسطر على أديم صفحات جميع الجرائد والمجلات المهمة في الحياة الأميركية ابتداء من «التايم» و«النيوزويك» وليس انتهاء «بالفورين أفيرز» و«الويكلي ستاندارد» (الناطقة باسم اليمين المحافظ الموغل في التشدد).
على أن مؤلفنا يسلط أضواء اهتمامه على السؤال الذي طرحه مفكر أميركي مهم هو البروفيسور مايكل أجناتيف أستاذ علم السياسة بكلية كينيدي في جامعة هارفارد، وجاء السؤال الذي نشرته يومها مجلة «نيويورك تايمز» الأسبوعية، على النحو التالي:
ـ أي كلمة بخلاف كلمة إمبراطورية، يمكن أن تصف الحالة الرهيبة التي أصبحت تعيشها أميركا؟
ولم يكن من المصادفات أن حملت المقالة عنوانا لا يحتاج إلى تفسير وهو: الإمبراطورية الأميركية.
بل إن العنوان جاء مشفوعا بعبارة موضوعة بين قوسين تحوي بدورها نصيحة موجهة إلى القارئ، أو هو المواطن الأميركي كي تهيب به أن يتعود على استخدام ومعايشة الكلمة نفسها التي تفيد معنى الإمبراطورية.
وفي تلك المقالة أورد الأستاذ أجناتيف ملاحظاته التي رأى فيها أميركا وهي تحتفظ بخُمس القيادات العسكرية على مستوى الكرة الأرضية وتضم أكثر من مليون من الأفراد المدججين بالسلاح.
وثاني الملاحظات أن أميركا نذرت نفسها (تحقيقا للمصالح وليست لدواعي المروءة بطبيعة الحال) لضمان بقاء عدد من الدول العميلة التابعة لها أو الدائرة في فلكها حول العالم، وثالث الملاحظات تتمثل في دور أميركا الذي تضطلع به.
وهو دور أقرب إلى القوامة على التجارة العالمية والاقتصاد الكوكبي، هذا فضلا عن أن أميركا لا تفتأ تتباهى علنا بأن رغباتها وأحلامها أصبحت من الذيوع والشمول لدرجة أن باتت هي رغبات وأحلام شعوب المعمورة قاطبة.
أخطار الإمبراطورية
مع هذا كله، يلاحظ الأكاديمي القادم من هارفارد أن هذا الانتشار الواسع للقوة والجبروت العسكري لا يفضي من تلقاء ذاته إلى مكانة الإمبراطورية، فهذه القوة الجبارة يمكن في رأيه، استخدامها لصالح التدخل الإنساني وإن كان تدخلا من نوع غريب لأنه يمزج بين الإنسانية وبين النزعة الإمبريالية.
ثم إن الإمعان في النزعة الإمبريالية، ومواصلة السلوكيات الإمبراطورية أمور يراها مؤلف كتابنا وقد انطوت على أخطار قد تصيب بنية الكيان الإمبراطوري ذاته وقد تودي به في نهاية المطاف إلى موارد الهلاك. والمؤلف يستقي العبرة في هذا السياق من تاريخ الإمبراطورية الرومانية التي تكاد تجسدها أميركا في عالم اليوم:
أساطيل عاتية وعمارات بحرية شاهقة، جيوش جرارة وقوى جبارة، سيطرة على التجارة والإنتاج في البر والبحر، كلمة مسموعة في الحرب (بيللوس) وفي فرض السلام (باكس رومانا) بالنسبة لروما القديمة أو (باكس أميركانا) في حالة واشنطون في الزمان الراهن.
لكن هذا الجبروت كله ما لبث أن وجد من يواجهه ويصارعه عبر التاريخ، وفي مقدمة هؤلاء المصارعين تتجلى شخصية زعيم قديم من كبار حكام دولة بنطس في آسيا الصغرى (تركيا القديمة) اسمه ميتريدات السادس أو العظيم، جاءت سنة 88 قبل الميلاد لتشهده .
وقد ضاق إلى حد الاختناق بسطوة روما الإمبراطورية فقرر أن يحاربها، وظل يتحين الفرص إلى أن وقعت داخل الإمبراطورية صراعات داخلية وحروب أهلية فكان أن وجّه ضربة وحذا حذوه من تشجعوا غيره وكانت النتيجة.
ـ كما يوضح مؤلفنا ـ أن تداعت الإمبراطورية الرومانية وأصبحت أثرا بعد عين بعد أن عاشت وحكمت وازدهرت وتسيدت على مدى 400 عام من عمر الزمان لأمر ما يهتم المؤلف بمصير الإمبراطورية الرومانية.
وفي وجدانه الخشية على مصير الكيان والسلوك الإمبراطوري الأميركي، والمؤلف يعمد في هذا الصدد إلى أن يختار لعنوان الفصل الثاني عشر من الكتاب عبارة يقول فيها: أشباح ميتريدات.
بيد أن سطور هذا الفصل تحترس في التحليل حين تؤكد أن ليس هناك من يخشى على أميركا أن تتكرر فيها ما عانته روما القديمة من حروب أهلية أو فوضى داخلية.
لكن الخشية التي يعبر عنها المؤلف إنما تتأتّى في رأيه مما يصفه بأنه «المغامرات الخارجية التي تنزع إلى أن تسفر عن نتائج غير متوقعة ولا كانت في الحسبان سواء في داخل أميركا أو خارج حدودها» (ص221).
في هذا السياق يتوقف المؤلف مليا عند الوصف الذي أورده الصحفي توماس فريدمان في كتابه الشهير «الليكسوس وغصن الزيتون» حيث يصف أميركا وسطوتها بعبارة تقول: إنها السيطرة الحميدة. أو انها الكائن المهيمن الطيب.
يعلق مؤلفنا على هذه الأوصاف موضحا أن عبرة التاريخ تشير إلى أمور تختلف عن تلك الأوصاف الخيّرة أو الحميدة أو الطيّبة تمام الاختلاف، إن الطموح للسيطرة والتطلع نحو بسط النفوذ وممارسة الهيمنة تجر صاحبها بالحتم ـ كما يضيف كتابنا ـ إلى بيئة لا تلبث أن تكشر عن أنيابها وتسفر عن طبيعة تجمع بين الخطر والخبث والوحشية.
ولو أرادت أميركا أن تظل ممسكة بمقاليد الهيمنة فلا سبيل أمامها كي تظل متمسكة بمناقب السلوك الحميد، وليس علينا أن نستعيد الدروس المريرة من تاريخ الإمبراطورية الرومانية، حسبنا ـ كما يوجه المؤلف ـ أن نتابع ما يصفه بأنه مغامرة أميركا الراهنة في أرض العراق.
الديمقراطية والغزو
يقول المحافظون الجدد في أميركا: إنهم بعثوا جيوشهم إلى بلاد الرافدين لإقرار الديمقراطية.
ويرّد مؤلف الكتاب بأن النزعة الإمبريالية التي تراود هذه الجيوش يمكن أن تهدد المؤسسات الديمقراطية في أميركا ذاتها، فالديمقراطية برأي المؤلف كيان هش (ص221) وطالما تصورت روما القديمة أن ديمقراطيتها باقية ومتواصلة، ولكنها تحولت بعد فترة من الزمن إلى حكم القناصلة، ومن بعده سيطرة الأباطرة ثم جبروت القياصرة.
ثم أن حكاية الديمقراطية، ونشرها في هذا القطر أو ذاك الموقع من خريطة العالم، لا تصلح تبريرا لحشد الجيوش ورصد المليارات.
وتحمّل خسائر بشرية لا سبيل إلى تعويضها، ها هو مؤلف الكتاب يؤكد أن التبرير الديمقراطي أمر مستجد تماما على تلك النزعة الإمبراطورية، ذلك النزوع الإمبراطوري الذي راود، ولعله لا يزال يراود، أفئدة «المحافظين الجدد» الذين يحلمون بهيمنة أميركية تمتد إلى ما وراء البحار.
وليس أدل على ذلك ـ كما يوضح المؤلف ـ من أن وثيقة الدفاع التي أشرف على وضعها ديك تشيني في أوائل التسعينات والتي يمارسون تطبيقها حتى الوقت الحالي، هذه الوثيقة لم يرد في سطورها ذكر لحكاية الديمقراطية ولا استخدام قوة أميركا من أجل أن يخيم السلام وينعم العالم بالسكينة والوئام.
لقد وضع تشيني و«المحافظون الجدد» وثيقتهم في أعقاب انتهاء الحرب الباردة ورسموا هدفهم المعلن في متن الوثيقة على أنه السيطرة على المجال الجيوسياسي (الجغرافيا والسياسة) بطريقة تحول دون وجود أو نشوء أي خصوم أو منافسين للقوة الأميركية في أي بقعة فوق خريطة العالم بما في ذلك، أوروبا (ذاتها!).
بعد ذلك أضافوا حكاية الديمقراطية ربما من باب «تحلية البضاعة» كما يقال في المثل الدارج، وتم هذا ـ كما يضيف مؤلفنا ـ عبر صفحات مجلتهم «ويكلي ستاندارد».
ثم أضيف البعد الثالث لتبرير الهيمنة والسلوك الإمبراطوري بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر، وهذا البعد يتمثل في حكاية الأمن القومي حيث قيل إن سيطرة أميركا على العالم ونشر الديمقراطية أمران لا غنى عنهما بالنسبة لحماية أرواح الأميركيين في عصر الإرهاب.
رؤية بوش
وسط هذا كله ولدت رؤية بوش في السياسة الخارجية، وجاءت ولادتها ـ كما يشير الكتاب ـ في خطاب ألقاه الرئيس الأميركي في يونيو 2002 في كلية «وست بوينت» العسكرية وجرى بلورة .
أو تقنين هذه الرؤية في وثيقة مهمة صدرت بعد 3 أشهر من ذلك التاريخ وحملت العنوان التالي: وثيقة استراتيجية الأمن القومي هذه الاستراتيجية قامت بدورها على ثلاثة عناصر أساسية هي:
ـ أولا الاستباق وهو حق أميركا المعلن في بدء حرب من أجل أن تجهض هجوما تشك في أنه بات وشيكا عليها.
ـ ثانيا: أميركا التي لا يتحدّاها أحد بمعنى أنه لا ينبغي السماح لأي قوة أو دولة أخرى بأن تطور قوة عسكرية تكون مكافِئة لقوة الولايات المتحدة.
ـ ثالثا: القيم الديمقراطية ينبغي العمل على نشرها باعتبارها إحدى المهام الأميركية الأساسية (الأصولية كما يقول نصّ التعبير) وبوصفها حاجزا يحول دون زعزعة الاستقرار في العالم وانكشاف أميركا أمام الأنواء الوافدة من الخارج.
عند هذا المنعطف من البحث، نلاحظ من جانبنا أن مؤلف الكتاب يتوقف مليا عند العامل الثالث المتعلق بنشر الديمقراطية وقد يضيف من واقع الدرس المباشر أن حكاية الربط بين الديمقراطية والأمن القومي (الأميركي) .
أو النظر إلى الديمقراطية وما يتبعها من مبادئ التعددية والحزبية وما إليها بوصفها ضمانات لأمن أميركا لأنها تحول دون قيام نزعات التشدد .
ومن ثم تشكل حاجزا واقيا من الإرهاب، كل هذه المبادئ ظلت تبشر بها وتركّز عليها الدكتورة كوندوليزا رايس سواء كانت في موقع مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، أو كانت في موقعها الحالي كوزير لخارجية الولايات المتحدة.
في هذا الصدد يتوقف بنا مؤلف الكتاب ليقول أولا ـ ربما من باب التحذير ـ إن الديمقراطية ليست المفتاح السحري أو العصا السحرية التي تضمن حل كل المشكلات.
ويقول ثانيا إن مجرد تطبيق الديمقراطية في بلاد غير غربية وبأسلوبها الغربي المتعارف عليه من تشكيلات حزبية ومنافسات وصراعات سياسية ودورات انتخابية، الخ كل هذا لا يقود بالضرورة إلى إضفاء الصبغة الغربية على تلك البلاد التي لو تحولت إلى الديمقراطية.
إلا أنها ستظل تحتفظ بالضرورة أيضا بكل مواريثها الثقافية وأعرافها الموروثة وبكل أساليبها الأصيلة في رؤية العالم وفي مقاربة المشكلات.
كما أن أي مشاعر أو قوى معادية للغرب سوف تُفيد ولاشك مما قد يتيحه التحول الديمقراطي من تخفيف قبضة السلطة الباطشة ومن إتاحة أي قدر من حرية التعبير.
بل إننا نلاحظ مبالغة المؤلف في تشاؤمه إزاء جدوى التحولات الديمقراطية في أقطار الشرق الأوسط التي تسودها العقيدة الإسلامية حيث يزعم المؤلف ـ بغير سند يسوقه ولا دليل يحتكم إليه ـ أن البيئة السائدة ليست مؤهلة لكي تتقبل الديمقراطية الغربية.
وفي كل حال فالمؤلف يؤكد طيلة هذا الفصل الهام من كتابه وهو الفصل ما قبل الأخير على أهمية التمييز في مجال السياسة الخارجية الأميركية بين اتجاهين في الفكر أو بين مدرستين في الإطلالة على عالم القرن الجديد:
ـ مدرسة التدخل والتداخل بمعنى التعاطي الواعي مع أوضاع العالم وتوزيع مناطق النفوذ على خارطته في الواقع وفي المستقبل.
ومدرسة المحافظين الجدد التي وقع أصحابها في غرام السيطرة والهيمنة وربما استخفهم الطرب وخالطهم غرور ـ عنجهية القوة وخيلاء الأوضاع التي آلت إليها مكانة أميركا في عقد التسعينات بعد أن سقط الغريم السوفييتي فوجدت أميركا نفسها وهي تقوم بدور القطب الوحيد بل الأوحد على صعيد المعمورة.
عندما أصاب نيكسون
عن المدرسة الأولى يمتدح المؤلف سلوك الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون ـ وبالذات فيما يتعلق بالموقف الذي بلوره الثنائي نيكسون كيسنجر إزاء الصين.
في هذا الإطار يقول المؤلف إن نيكسون قرأ خارطة العالم على الوجه الصحيح ورغم أنه كان يمارس هذه القراءة في عام 1971 إلا أنه كان قادرا، ربما بمساعدة كيسنجر، على تصور نهاية حتمية للمواجهة التي كانت بين القطبين الغريمين الروسي والأميركي وأن العالم جدير بأن يتحول إلى مراكز أخرى متعددة للقوة والتأثير، وأن الصين لابد وأن تكون واحدا من مراكز القوة العالمية في المستقبل.
من هنا عمد الثنائي نيكسون ـ كيسنجر إلى عدة مبادرات دبلوماسية تقصد إلى إدخال الصين ضمن البيئة المتعددة الأقطاب لكي تشكل نوعا من التوازن إزاء القطب السوفييتي، وكانت تلك سياسة حساسة وفاهمة وناجحة قطعت الطريق على أي مواجهة مع الصين بل ومهدت هذا الطريق نحو علاقات أكثر إيجابية معها.
يعاود مؤلفنا تأمل هذه المبادرات الماضية ثم يقول موجها الحديث إلى قارئه (ص227):
ـ قارن بين هذا المسلك وبين موقف المحافظين الجدد (المؤثرين حاليا في سياسات واشنطن) إزاء الصين نفسها وذلك على نحو ما تشهد به الكتابات المنشورة في جريدتهم «ويكلي ستاندارد».
إن موقفهم يتلخص في محاولة إجهاض طموحات الصين في شرقي آسيا، مما سيفضي إلى زيادة التوترات مع بكين وذلك أمر يلحق أبلغ الأخطار بالمصالح الأميركية.
هذا هو الفرق بين منهج نيكسون الذي كان يصدر عن مصالح أميركا وحلفائها في أوروبا من خلال اتباع مبدأ التدخل والتداخل والتعاطي والتفاعل، وبين مذهب بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر الذي ينادي بمبدأ السيطرة العالمية أو الهيمنة الكوكبية ويتوخى تحقيق هدف تبشيري تحت شعار نشر الديمقراطية في جميع أرجاء الدنيا.
المذهب الأول واقعي يحرص على أن يرى العالم على نحو ما هو عليه أي من منظور السياسة الواقعية (ريال بوليتيك ـ كما يقول المصطلح المتداول) وهو ما يعني الاعتراف بأن العالم سائر إلى حقيقة تعدد الأقطاب والثقافات.
أما المذهب الثاني (المعتمد والمتبع حاليا) فيراوده مزيج من الأحلام والتصورات الخيالية بشأن صياغة معينة للعالم تشكل بدورها صورة نموذجية تسيطر عليها ثقافة شاملة وحضارة جامعة مانعة تجسدها أميركا بالدرجة الأولى.
ويخلص المؤلف من هذا التحليل المقارن إلى عبارات يقول فيها:
ـ إن مبدأ الواقعية يرى في الصراعات التي أطلقتها حادثة الحادي عشر من سبتمبر صداما حضاريا في جوهرة يتطلب وقفة تضامنية من جانب الغرب.
أما مبدأ المحافظين الجدد الراهن فيرى في حادثة سبتمبر صداما بين أميركا القطب الأوحد فريد عصره ودرة أوانه وبين «الأشرار» الذين يقفون حجر عثرة في طريق التطور.
من هنا يسعى النهج الأول إلى التماس توازن للقوى فيما بين حضارات عالمنا وثقافاته فيما يقصد النهج الثاني إلى أن يسيطر ويهيمن على سائر الحضارات والثقافات في العالم الذي نعيش فيه.
كيف تسنى صياغة هذا النهج الحالي بكل خطورته في إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟
عندما يطرح هذا النهج ويثور هذا السؤال بين صفوف المؤرخين فلسوف يدركون كما يؤكد المؤلف أنه جاء محصلة للتحالف الغريب الذي تم على أرضية ولاية الرئيس الحالي بوش بين فريقين كان لكل منهما وجوده في الماضي وفي الحاضر داخل الإدارة الأميركية الحالية:
1ـ فريق الوطنيين.
2ـ فريق المحافظين الجدد.
وكان من نتائج التحالف هو استقواء ومن ثم استشراء النزعة الإمبراطورية، التي أفضت بدورها ـ ولاسيما في عقابيل فاجعة سبتمبر- إلى نزعة التدخل الإمبريالي الذي كان أول أمثلته هو الجهد العسكري الأميركي في أفغانستان.
فيما تجسدت أمثولته في الغزو الأميركي للعراق. صحيح أن هناك من حاول تكييف سلوك الغزو من خلال هدف نشر الديمقراطية في العراق ولاسيما بعد سقوط النظام الديكتاتوري الذي حكم البلاد على مدار جيل وربما أكثر من عمر زماننا، لكن الصحيح أيضا أن هذا الغزو بكل ملابساته.
فضلا عما سبقه في ساحة أفغانستان، طرح صورة مغايرة لأميركا هي صورة البلد الذي لا يخوض حرب ديمقراطية ولا حرب تنوير بل هي في التحليل النهائي حرب صراع بين الحضارات.
نصائح المؤلف
وبديهي أن مؤلف الكتاب ـ وهو مفكر أميركي ـ لابد وأن يتوخى مصالح بلاده العليا بالدرجة الأولى ولذلك فهو يختم سطور هذا الفصل من كتابه بإزجاء ما يمكن أن نصفه بأنه «منظومة من النصائح» التي يرى أن من الضروري النظر فيها وربما العمل على اتباعها بالنسبة لواضعي ومنفذي سياسة أميركا في عالم اليوم من أهم هذه النصائح ما يلي (ص230):
ـ إن الغرب سوف يؤول إلى حال من الضعف، صحيح أنه مازال قويا بحكم قوة أميركا العسكرية والاقتصادية لكن العالم جدير بأن يشهد مراكز متعددة أخرى للقوة العسكرية والاقتصادية.
ـ إن أميركا لابد وأن تسهر على تعزيز موروثها الثمين من قيم الديمقراطية ومن مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، تلك هي الجمهورية الأميركية كما يصفها المؤلف وكما يرى فيها الضمانة الأساسية لاستمرار الولايات المتحدة في مكانتها الحالية شريطة أن تنأى بنفسها عن مغامرات غير محسوبة في هذا الموقع أو ذاك من العالم.
ـ إن المطلوب هو زيادة الوعي في الأوساط والدوائر الأميركية بالثقافات الأخرى والحضارات الأخرى، أعرافها، تقاليدها، مبادئها، عقائدها.
ومرة أخرى يعود المؤلف كي يستلهم من جديد أفكارا نرفضها من صاحب نظرية صدام الحضارات وربما كان أخطر ما في تلك الأفكار التي طرحتها النظرية المذكورة، وما برح المؤلف يتمسك بها فكرة أن صراعا قد نشب وربما يستمر على مدى جيل من الزمن بين حضارة الغرب وحضارة الإسلام.