يجد بعض الطلبة صعوبة جمة في التأقلم على الحياة الجامعية لاسيما في بدايتها وذلك في ضوء الاختلاف الكبير بينها وبين الحياة المدرسية. ويحتاج الطالب إلى تغيير بعض الأنماط الحياتية الخاصة به والتي اعتاد عليها طوال مشواره الدراسي قبل الجامعة حتى يستطيع التعامل بشكل فعال ومنتج مع الحياة الأكاديمية التي تختلف كل الاختلاف في معطياتها وظروف الدراسة فيها عن المراحل التي مر بها التلميذ من قبل.
تعد الكليات بشكل عام مراكز للثقافة وضخ الأفكار الجديدة. وتشير الدراسات الأكاديمية التي تناولت الحياة الأكاديمية ومدى قدرة الطالب على التأقلم بشكل فعال مع الأجواء الدراسية الجديدة داخل الحرم الجامعي إلى أن أكثر ما يمكن ان يربط الطالب بالحياة الأكاديمية في الجامعات على اختلاف أطيافها هو الاشتغال والانغماس في أعمال خارج الإطار المنهجي الذي تفرضه الدراسة،
بمعنى آخر عدم الالتزام بالمواد الدراسية التي تمليها وزارة التربية والتعليم فحسب وإنما العمل على تطوير صداقات وعلاقات بناءة من الزملاء وطاقم التدريس إن أمكن.
وقد يكون من المفيد للطالب ان يدرك منذ اللحظة الأولى لالتحاقه بالكلية أن فترة وجوده في الحياة الأكاديمية ليست بالطويلة، وأن عليه أن يستفيد بكل لحظة بها وذلك في ضوء حقيقة أن الحياة العملية بعد ذلك والانشغال بالوظيفة لن يمكنا الطالب من صقل مهاراته بالشكل المأمول لاسيما الجوانب الثقافية منها.
وهنا يتعين على الطالب ان يستفيد من كل ما يجري من حوله والعمل بقدر الإمكان على الاستفادة من المنهج الدراسي بالأسلوب الذي يخدم مشواره المهني بعد التخرج، وهو المشوار الذي بلا شك يبدأ مع اليوم الأول للدراسة في الجامعة.
وأوضحت دراسة بحثية أميركية حديثة أن الطلبة الذين يتفاعلون مع الأنشطة الأكاديمية ويعيشون حالة من الحراك داخل الحرم الجامعي ويستفيدون مما تتيحه الجامعة من انفتاح ثقافي هم القادرون أكثر من غيرهم على النجاح أكاديميا والحصول على الدرجات العلمية التي يصبون إليها.
وتشير تلك الدراسة إلى أن التفاعل مع أجواء الجامعة هو من الأمور المهمة للطالب المغترب والمقيم والمنتسب على حد السواء، ويعد من المتطلبات الأساسية التي يغفل عنها الكثيرون باعتبارها من الأشياء الثانوية مما يدفع الطلبة أحيانا إلى تجاهلها، مما ينعكس بالسلب على مشوارهم التعليمي الأكاديمي.
وتعد أعوام الجامعة من الفترات في عمر الإنسان التي يتاح له فيها الانخراط في أطياف متنوعة من الأنشطة بغرض التجريب وطرق الأبواب قبل تحديد المسار الفكري أو الثقافي أو حتى العملي الذي هو بصدد تبنيه في الأعوام المقبلة من عمره المهني، وهو الأمر الذي لا يتاح للفرد بمستويات الحرية نفسها في سنوات الدراسة الثانوية التي لا يكون الطالب قد وصل فيها إلى مرحلة النضوج الكافية التي تمكنه من تحديد مسار مستقبله.
وتشير الدراسة في هذا الشأن إلى أن بعض الكليات تضم مئات من الأندية الثقافية والاجتماعية التي تقدم بدورها قدرا كبيراً من الأنشطة التي تروق لمختلف الأذواق والاتجاهات، تلك الأنشطة تندرج تحت عمل الاتحادات الطلابية والجماعات الدينية والاتحادات الصحافية ومحطات الإذاعة والتلفزيون والفرق الموسيقية والفرق الرياضية والمهرجانات السينمائية والندوات، إلخ.
وتدعو الدراسة الطلبة الجدد على الحياة الجامعية إلى القيام بجولات تفقدية لأنشطة الجامعة منذ بداية اليوم الدراسي الأول واعتبار هذا الأمر من الأوليات التي يجب أخذها في الاعتبار بشدة، وتؤكد الدراسة في هذا الصدد أهمية عدم التقيد بالمناهج التعليمية المقررة فحسب والعمل على التوسع في القراءات الخارجية التي يمكن ان تكون محل فائدة كبيرة للشخص بعد التخرج،
وتضيف الدراسة أنه ينبغي للطالب أن يتفهم نقطة مهمة للغاية مرتبطة بالحياة الأكاديمية ألا وهي أن معظم المدرسين يفضلون مشاركة الطلبة في العملية الدراسية وتفاعلهم معهم أثناء المحاضرات عن طريق طرح الأسئلة والإجابة عليها، بمعنى آخر تفيد الدراسة أن الأجواء الجامعية تختلف عن مثيلاتها في المدرسة التي قد يترك التلميذ فيها من دون أي مشاركة.
وتوضح الدراسة كذلك في هذا الشأن أن العلاقة بين الطالب والمدرس داخل جدران الجامعة هي عادة ما تتسم بقدر أكبر من الاجتماعية والتقارب، وهو الأمر الذي يجب ان تتلاشى معه المسافات بين الطالب والمدرس مما يعود بالنفع على القدرة الاستيعابية للطالب.
ومن النقاط المهمة أيضاً التي ينبغي إدراكها من قبل الطالب هي أن الدراسة في الجامعة لا تقوم غالباً على الحفظ والتلقين وإنما في المقام الأول على الفهم والاستيعاب، وهذا يعني أن الاعتماد على حفظ المادة ثم إخراجها في ورقة الإجابة أثناء الاختبارات هو أمر لا يجدي نفعاً في الجامعات المرموقة التي تسعى إلى إخراج أجيال قادرة على تحمل تبعات أوطانها،
وفي الوقت نفسه فإن طلبات أساتذة الجامعة تكون في العادة أكثر إلحاحاً بالمقارنة بطلبات المدرسين في المدارس الثانوية، ويتطلب الوفاء بها القيام بمزيد من الأعمال البحثية التي تجعل من الضروري أن يستعين الطالب بالمراجع واللجوء إلى المكتبات والمراكز البحثية وعدم الاكتفاء بالمقررات الدراسية المفروضة من قبل إدارة الجامعة.
وفي دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية، التي تحتوي على عدد من أرقى الجامعات في العالم، يجد المتابع دائماً أن الإبداع والتسامح والمرونة هي مباديء تحتل الأولوية دائماً في العملية التدريسية على حساب التقاليد واحترام السلطات بشكل عام، والسبب وراء هذا هو ان طالب الجامعة يُطلب منه دائماً عدم الالتزام بالتقليدية والعمل بشكل دائم على البحث عن الجديد في مجال دراسته،
الأمر الذي بالطبع ينعكس بالإيجاب على مستوى الطلبة، ومن المعروف للجميع أن النظام التعليمي في الولايات المتحدة الأميركية هو أحد الأساليب الرئيسية التي تقف وراء المكانة التي تتبوأها الدولة العظمى الوحيدة في العالم الآن.
وفي الوقت الذي يشجع فيه معظم أساتذة الجامعات الطلبة على إبداء الملاحظات والمشاركة بالنقد الفعال أثناء المحاضرات، فإن الطريقة التي يتم بها التعبير عن هذا النقد يجب الانتباه إليها بشكل كبير. فعلى الطالب، على الرغم من الحرية الممنوحة إليه داخل الحرم الجامعي، ان يلتزم بحدود اللباقة والكياسة في تعامله مع المدرسين ويدرك تماماً أن التعامل مع مدرسي المدرسة يختلف كل الاختلاف عن التعامل مع أساتذة الجامعة.
ويتعين على الطالب أيضاً ألا ينخدع بالأنماط السلوكية المستهترة التي يتبعها بعض الطلبة الذين يظنون ان جو الحرية الذي تتمتع به الحياة الأكاديمية يعني عدم الانضباط وعدم الالتزام بحضور المحاضرات وعدم المواظبة على تنفيذ تعليمات الأساتذة، فالطالب الذي لا يلتزم في الحياة الأكاديمية لن يفشل أكاديمياً فحسب وإنما سيفشل أيضاً على المستوى المهني بعد التخرج إذا قُدر له العمل.
ترجمة ـ حاتم حسين:

