جاءت خطوة التوقيع على اتفاقية تقضي بإنشاء فرع لجامعة السوربون الفرنسية الشهيرة في أبوظبي لتسلط مزيداً من الضوء على تلك الجامعة الباريسية التي تحظى بمكانة علمية كبيرة على مستوى القارة الأوروبية وأيضاً على مستوى الجامعات العالمية المرموقة. وبموجب تلك الاتفاقية سيكون بإمكان طلاب دول الخليج العربي اعتباراً من السنة الجامعية المقبلة التسجيل في فرع الجامعة في أبوظبي.

والمشروع هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط والعالم الذي تطلقه «جامعة باريس الرابعة ـ السوربون» العمومية، ويمثل بحسب رئيس هذه الجامعة جان روبير بيتي «تحديا استثنائيا» في بلد ومنطقة تهيمن عليهما أنمطة التعليم الأنغلو ـ ساكسوني، على حد تعبيره.

ووصف بيتي في تصريحات صحافية الخطوة بأنها «تحد استثنائي لنا لأنه سيكون علينا إنشاء موقع رفيع ليس فقط لتعليم اللغة الفرنسية والحصول على الشهادات والمهارة الفرنسية في مجال العلوم الإنسانية وإنما أيضا للتبادل الثقافي في منطقة من العالم تشقها تيارات متعددة ومتعارضة».

ونظرة سريعة إلى تاريخ الجامعة- التي أنشئت في 1253 لتدريس العلوم الدينية- توضح أنه في أعقاب الإصلاحات التي طالت النظام الجامعي في فرنسا في 1971 ، تم حل الكليات الخمس التي كانت تضمها جامعة باريس ثم أعيد إنشاؤها في صورة 13 جامعة متداخلة ومتكاملة التخصصات.

أربع من تلك الجامعات الجديدة تشترك الآن في مقر جامعة السوربون الذي كان من قبل مخصصاً بشكل أساسي إلى كليتي الآداب والعلوم الإنسانية. كما تم تخصيص مقار أخرى للجامعات الأربع في مواقع مختلفة على امتداد باريس.

وفي دلالة على عزمها على لعب دور الوريث للجامعة الأصل، احتفظت ثلاث جامعات باسم «السوربون» ضمن اسمها الرسمي. تلك الجامعات هي: باريس ـ السوربون (باريس الرابعة) والسوربون الجديدة (باريس الثالثة) وجامعة بانتيو ـ سوربون (باريس الأولى).

كما يحوي مقار السوربون جزءاً من جامعة رينيه ديسكار (باريس الخامسة) وإدارة باريس التعليمية.

وإلى حد كبير كانت جامعة باريس ـ السوربون (باريس الرابعة) الوريث الأساسي لجامعة كليات العلوم والفنون لباريس السابقة. ومنذ إنشائها، أديرت الجامعة من قبل خمسة رؤساء: الرئيس المؤسس ألفونس دوبرو، وتلاه الفيلسوف ريمو بولي ثم هيلينست جاك بمومبييه، ثم تولى رئاسة الجامعة بعد ذلك المؤرخ مايكل ميسلي ثم جان بيير بوسو. وفي مايو 1998 تم انتخاب جورج موليني رئيساً للجامعة ثم تولى عالم الجغرافيا جان روبير بيتي رئاسة الجامعة منذ مايو 2003 حتى الآن.

وعمل جميع الرؤساء الذين تعاقبوا على الجامعة على تقديم مبادرات ومشروعات أكاديمية تهدف في الأساس إلى تعزيز وتدعيم التراث الثقافي للسوربون مع التركيز على مناهج الأدب والعلوم البشرية، الأمر الذي تولدت معه أولوية لا تزال موجودة حتى الآن لدراسة حضارات العالم المختلفة وكلاسيكيات الأدب بمختلف أنماطه وإيقاعاته.

وعلى مختلف اتجاهاتهم الفكرية والثقافية، عمل هؤلاء الرؤساء على إعطاء دفعة قوية للدراسات التي تفضي إلى مزيد من الابتكارات والاختراعات والتي من شأنها تطويع مجالات الدراسة في الجامعة لخدمة متطلبات القرن الواحد والعشرين بمعطياته المختلفة وخطواته المتسارعة في جميع المجالات والميادين.

ويتسق هذا المبدأ مع الهدف الأساسي الذي أنشئت الكلية من أجله، ألا وهو تخريج دفعات من الطلبة القادرين على العمل في مختلف الميادين والمسلحين بالأدوات التي تمكنهم من اقتحام مجالات العمل المختلفة. وفي هذا الصدد تشجع وتيسر إدارة الجامعة المنح الخارجية وتعمل بشكل مكثف على تنظيم دورات دراسية لطلاب الآداب وإعداد الطلبة للاختبارات الخاصة بالالتحاق بمختلف الوظائف المدنية في الدولة.

وكانت الجامعة قد أُنشئت عام 1253 وضمت وقتها كلية واحدة فقط وهي كلية علوم اللاهوت والتي تحولت بعد ذلك إلى كلية الفلسفة والآداب في عام 1271. وقد مرت الجامعة بعد تأسيسها بمرحلتين هما الأكثر أهمية في تاريخها. أما الأولى فهي قيام لوميرسييي بإعادة بناء مباني الجامعة بناء على طلب من الكاردينال ريشليو، وفي الفترة من 1635 إلى 1654 تم بناء جوقة الجامعة.

الخطوة الثاني كانت في 1881 عندما تقرر تحويل السوربون إلى مبنى واحد، وهو المبنى الذي شُيد في الفترة من 1883 إلى 1901، ومن خلاله تبلورت هوية الجامعة وتجلى الاتساق المعماري لها في أبهى صورة. وجاءت خطوة الدمج بين الجوقة والمبني الرئيسي للجامعة في صرح معماري واحد لتجعل من جامعة السوربون واحدة من أهم المواقع التي أُعيد بناؤها في العالم مع نهاية القرن التاسع عشر.

ومن خلال مناهجها الحالية تقدم جامعة باريس-السوربون أكبر تشكيلة من المواد الدراسية في علوم الآداب واللغات والعلوم الاجتماعية مقارنة بجميع الجامعات الأخرى الموجودة في العاصمة الفرنسية باريس. وتحتل الجامعة مكانة بارزة بين جميع جامعات العالم وليس الجامعات الفرنسية وحدها في مجال البحوث والدراسات.

وتحتوي الجامعة على 18 قسما تغطي مختلف الاختصاصات الأكاديمية التي تخاطب الشريحة الأكبر من الطلاب في العالم.

تلك الأقسام هي كالتالي:

ـ قسم الأدب الفرنسي والأدب المقارن

ـ قسم دراسات اللغة الفرنسية

ـ قسم الدراسات اللاتينية

ـ قسم الدراسات اليونانية

ـ قسم الفلسفة وعلم الاجتماع

ـ قسم الدراسات التاريخية

ـ قسم الجغرافيا والتنمية المدنية

ـ قسم الفنون والآثار

ـ قسم دراسات اللغة الانجليزية

ـ قسم الدراسات الألمانية

ـ قسم الدراسات الأيبيرية وأميركا اللاتينية

ـ قسم الدراسات الإيطالية والرومانية

ـ قسم الدراسات السلوفاكية

ـ قسم اللغات الأجنبية التطبيقية

ـ قسم علوم الموسيقى

ـ قسم العلوم الإنسانية التطبيقية

-قسم الإعلام والاتصالات

ـ قسم التعليم المدني والرياضي

ـ معهد البحوث الحديثة للحضارات الغربية

وبحسب إحصائيات 2004-2005 يصل عدد طلاب الجامعة في مختلف أقسامها إلى 876,25 طالبا في حين يقدر عدد المدرسين بـ 957.

ومن المقرر أن يبدأ فرع جامعة السوربون لدى افتتاحه في أبو ظبي في شهر أكتوبر المقبل العمل ب 200 طالب على أن يصل عدد الطلاب في غضون ثلاث سنوات إلى 1500 طالب. وستقدم الجامعة تعليما باللغة الفرنسية في مجالات التاريخ والجغرافيا والأدب والفلسفة والقانون في مرحلة تالية، بحسب بيان لوزارة التربية الوطنية الفرنسية.

وتقدر تكلفة مشروع الجامعة في أبو ظبي بنحو 25 إلى 30 مليون دولار ومعدل تكلفة نفقات الدراسة للطالب الواحد فيها بنحو 20 ألف دولار، بحسب مصادر صحافية.

وتقيم الجامعة للطلاب غير الناطقين كليا أو جزئيا باللغة الفرنسية فترة تدريب على اللغة والثقافة الفرنسيتين. وستكون مدة الدراسة بالجامعة، التي ستفتح أبوابها للذكور والإناث على حد السواء، ثلاث سنوات تُختتم بمنح دبلوم جامعة باريس ـ السوربون.

وأشار الوزير الفرنسي الذي وقع على الاتفاقية إلى أن «الفرانكفونية ستستفيد» أيضا من إقامة فرع السوربون في أبوظبي والذي بدوره سيفيد سكان الإمارات التي يوجد بها معهدان فرنسيان يضمان أكثر من ثلاثة آلاف طالب بينهم إماراتيون وطلاب من منطقة الخليج بشكل عام.

إعداد ـ حاتم حسين: