بهدوء خطواتهما وتعابير نظراتهما وخجل كلماتهما تعرفان عن نفسيهما، وتقرأ من تجاعيد الطفولة المرسومة على سواد بشرتيهما مكنونات كثيرة، البؤس أقواها، أما الإرادة فتأتي ثانية، ومركز قرطبة للتعليم المسائي بكل ما فيه شاهد على ذلك.
الطفلتان خديجة هاشم ابنة الأحد عشر عاماً وشقيقتها إيمان التي تصغرها بعام تدارك أمرهما والدهما الشرطي العجوز لتأخذا مكاناً لهما على مقاعد الدراسة في ذلك المركز، قبل أن يسبقهما قطار الدراسة ويتركهما طريحتي البيت مع لغة البلوش الباكستانية الوحيدة التي تعرفانها.
هاتان الدارستان الصغيرتان لم تحصلا على الجنسية الإماراتية بعد، رغم أن أبيهما يعمل شرطياً في دبي وكذلك أخيهما، ووضع العائلة القانوني على حافة القبول في الجنسية الإماراتية، كما تقول فاطمة آل مالك مديرة مركز قرطبة المسائي، وهو ما شفع لهما في الدراسة بالمركز بشكل قانوني.
حالتهما المادية لا تحسد أبداً، ولا يتمنى الكثيرون واقعهما في أسرة كبيرة ومتشعبة وفي بيت واحد، وما حضورهما إلى المركز تتقاسمان في حمل حقيبة مدرسية واحدة إلا مؤشر على عما فرضته قساوة الحياة عليهما، ورغم ذلك كله فإنهما تواصلان وباهتمام واضح تعلمهما اللغة العربية والحساب والعلوم وغيرها في المركز المسائي الذي بدا عازماً على تذليل الصعوبات أمامهما.
تقول مديرة المركز إن الجميع شدّه مشهد دخولهما المركز وتحملان معاً حقيبة واحدة، فقساوة عيشهما فرض عليهما تحمل عناء طلب العلم بعد أن مهد لهما والدهما العجوز الطريق إلى المركز، وهنا لا ندخر جهداً ولا سبيلاً في توفير مختلف المساعدات لهما ولعائلتهما، إضافة إلى الكثير من دارسات المسائي، ودائرة مياه وكهرباء دبي تبرعت لهما ببعض الحقائب والحاجيات التي من شأنها أن تدخل السرور إلى قلبيهما.
وتضيف أن الطفلتين لا تشتريان من كافتيريا المركز شيئاً، ونحن نوزع على الكثير من الدارسات مجاناً، فمركز قرطبة يزخر بالحالات الصعبة، رغم أنه لا يوفر جهداً في جمع التبرعات لها عن طريق الجمعيات الخيرية، وفي رمضان الماضي تبرعت إحدى الشيخات بمواد غذائية لأربعمئة عائلة من المركز.
وتوضح أن معاناة هاتين الدارستين لا تتوقف عند الحاجة المادية، إذ انهما من البلوش الباكستانيين، ولا تعرفان سوى اللغة الباكستانية، لذلك استمرت وعظمت تضحيات المعلمات والعاملات في المركز على مدار العام في سبيل التفاهم معهما، وبالتالي استطعنا التغلب على ذلك العائق وصار ممكناً تعليمهما اللغة العربية والعلوم الأخرى.
وتلفت إلى أن حال الصغيرتين ليس بغريب على المركز، إذ توجد الكثير من الحالات الإنسانية الصعبة، ومعظمهن من باكستان وإيران، وممن ينتظرن الحصول على الجواز الإماراتي بعد أن تقدمت عائلاتهن للحصول عليه، وأكثر ما يقف عائقاً أمام المعلمات هو كيفية التواصل مع الدارسات اللواتي لا يجدن العربية، رغم تمكن المركز من التغلب على مختلف الحالات التي تواجهه.
وتشير آل مالك إلى أن أكثر من مئتي دارسة، معظمهن في المرحلتين التأسيسية والتكميلية، ويعشن في ظروف اجتماعية واقتصادية قاهرة، وبعضهن من الأيتام، وأن إدارة المركز تتواصل مع المؤسسات والشخصيات المعروفة في سبيل توفير أقصى ما يمكن من المساعدات النقدية والعينية لعائلاتهن.
وتؤكد أن جميع من في المركز يكافحن كل حسب موقعها، وأن إدارته تحولت إلى مؤسسة اجتماعية إنسانية للتخفيف عن الطالبات، ففي بعض الحالات تتدخل المديرة للتوسط بين طالبة وزوجها بعد أن تفاقمت المشكلات بينهما إلى حد الطلاق، وتبحث وتوفر لحالات أخرى فرص عمل ووظائف.
وعلاوة على ذلك فالمركز يتواصل مع عائلات الكثيرات من الدارسات بمساعدات يتقدم بها أصحاب الأيادي البيضاء، فالتعليم المسائي منغمس بالمشكلات والتضحيات، ومواجهة هذه العوائق ألذ ما فيه، وليس حال الطالبتين خديجة وإيمان إلا مثال صارخ عن ذلك الواقع المفعم بالإنسانية والتحدي
متابعة: عنان كتانة
