بين طروحات هنتنغتون حول صدام الحضارات وانطباعات فريدمان حول العولمة، يواصل مؤلف الكتاب نقاشه باتجاه محاولة تلمس المنطلقات النظرية والفكرية لما تنهجه الولايات المتحدة من سياسات داخلية وخارجية على حد سواء.
وفي هذا السياق الشائك إلى حد كبير، تشتم من بين سطور الكتاب رائحة جرأة منقطعة النظير، يلقي من خلالها المؤلف الضوء على تشكل الفكر السياسي لحركة المحافظين الجدد المسيطرة على مقاليد الأمور في الولايات المتحدة.
هذا الفكر الذي وصلت الصفاقة فيه حد الربط المباشر بين نشر الديمقراطية في العالم وبين الدفاع عن الولايات المتحدة ذاتها، بحيث يمكن اعتبار أميركا العالم والعالم أميركا، بغض النظر عن ثقافات هذا العالم وحضاراته وأممه ومصالحها.
القرن التاسع عشر كان قرنا مميزا وممتازا بكل تأكيد.. بدأ باكتشاف طاقة البخار واختراع القطار وانتهى باكتشاف طاقة الكهرباء واختراع الهاتف والفونوغراف.
وكان طبيعياً أن يبنى القرن العشرون على تلك الإنجازات فكان أن بدأ بالسيارة وجهاز اللاسلكي وقبل أن ينتهي قدم إلى البشرية بث الفضائيات ومعجزات الانترنت على متن الحاسوب الالكتروني.
هذه المنجزات العلمية والتكنولوجية انحاز معظمها في نظر المحللين إلى العوامل الاقتصادية والفكرية والإحصائية والجغرافية.. بوصفها شكلت من خلال تفاعلها البيئة الحاضنة لهذه المنجزات جميعا.
أما القرن الحادي والعشرون فقد جاء ليتميز بخاصية فريدة من حيث الاهتمام بالعوامل التي تؤثر على خطى الإنسانية، وحياتها وكسبها وحركتها.. يستوي في ذلك حركة الشد والدفع.. أو حركة التآلف أو الصراع.. هذه العوالم التي يرصدها مؤلف كتابنا ويؤكد عليها هي العوامل الثقافية - الحضارية بالدرجة الأولى.
وفي هذا يقول مؤلف الكتاب (ص192): في مضمار التاريخ والدبلوماسية.. قد لا تكون الثقافة - الحضارة هي كل شيء فثمة عوامل أخرى اقتصادية وأيديولوجية وجغرافية تمارس تأثيرها في حياة البشر.
ومع ذلك تبقى الثقافة بوصفها أشد العوامل خطرا في هذا المجال.. ومع نهاية الحرب الباردة انطلقت قوى الثقافة والحضارة من عقالها وكأنما تسوقها نزعة من الانتقام على امتداد الكرة الأرضية وتلك حقيقة القرن الحادي والعشرين..
بقدر ما أنها الحقيقة التي تقتضي من جانب الغرب (الأوروبي - الأميركي) اتباع نهج ثابت واع ومدقق في مجالي الدبلوماسية والحرب على السواء.
وفي ضوء ما سبق يطرح المؤلف أسئلة من قبيل: هل يعمد الغرب، بكل ما يملكه من قوة ونفوذ إلى تصعيد حدة هذه التوترات التي تسود العالم حاليا؟
أو يختار الغرب نهجا يكفل له حماية مصالحه فيما يؤدي في الوقت نفسه إلى تهدئة العداوات الثقافية (الصِدامات الحضارية) التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحقبة الزمنية التي نعيشها؟
حرب على الإسلام
نلاحظ في هذا السياق أن المؤلف لا يتورع عن القول بما يسميه بالحرب بين عالم الغرب وعالم الإسلام.. وهي في رأيه حرب معلنة أحيانا وغير معلنة في بعض الأحيان.. ولكنها في كل حال حرب ليس لها سوابق كما يوضح المؤلف في التاريخ الحديث بكل ما ينطوي عليه من أخطار وأخطاء وتعقيدات.
في نفس السياق يحيل المؤلف إلى كاتبه المفضل صمويل هنتنغتون وإلى مقولته الشهيرة التي توقعت تصادما بين الحضارات وصراعا محتدما بين الثقافات.
يعمد المؤلف أيضا إلى تذكيرنا بأن أستاذ السياسة المذكور سبق إلى هذا التنبؤات الصراعية قبل وقوع حادثة الحادي عشر من سبتمبر.
لكن المؤلف يسترعي اهتمامنا من جانب آخر إلى مقولات ذهبت إلى أن الصراع ليس بين عالم الغرب وعالم الإسلام.. بل إن ثمة صراعات محتدمة داخل عالم الإسلام نفسه.. وهي تدور بين قوى وأفكار ودعوات وسياسات تختلف بل وربما تتقاتل حول الحداثة والتجديد وسبل اللحاق بالعالم بكل ما ينطوي عليه ذلك من مشاكل وتحديات.
وفي هذا ينقل مؤلفنا رأي الكاتب الأميركي سيدني فريدبرغ الذي يقول فيه:
- إن التحدي الذي يواجهنا اليوم يتمثل في القدرة داخل عالم الإسلام على تحديد القوى الإيجابية (يقصد قوى التحديث والمعاصرة) التي ينبغي أن تعمل الولايات المتحدة على دعمها وتقويتها.
فريدمان في دافوس
الكاتب الآخر الذي ينقل عنه مؤلفنا هو الصحافي الأميركي الشهير توماس فريدمان الذي ينسب إليه كتابنا تصوراته بأننا «لو تمكنا من إيجاد وظائف وفرص عمل كافية (لشباب المسلمين) لاختفت وتبخرت نوازع العداوة التي يضمرها المجتمع الإسلامي بأسره إزاء الغرب».
في هذا الصدد أيضا يرصد المؤلف الرسالة الصحافية التي بعث بها توماس فريدمان من سويسرا بعد حضوره مؤتمر دافوس الاقتصادي الشهير وقد نشرها الكاتب الصحافي الأميركي بتاريخ 25 يناير عام 2004 تحت عنوان «حرب الأفكار».
في المقالة المذكورة يحكي فريدمان عن ملاحظات شتى استقاها من أفراد عديدين التقى بهم وصاغ مؤدى هذه الملاحظات على الوجه التالي وبأسلوبه المعهود قائلا:
- أوه! الإسلام.. هذا دين مشحون حقا بنوازع الغضب.
ويعلق فريدمان قائلاً: أنا لا أوافق على هذه المقولات.. صحيح أن هناك كثيرا من الشباب المسلم الغاضب لأنهم يعيشون في مجتمعات قمعية للغاية حيث لا يتاح سوى النزر اليسير من الفرص أمام الشباب أو النساء.
وحيث بلغت البطالة نسبا من أعلى ما يكون لكن الحل (بنظر فريدمان) هو أن تفتح أوروبا ذراعيها وحدودها أمام الشباب المسلم وأن تجد لهم فرصا للعمل، وأن تتبع سياسات تجارية مع الأقطار الإسلامية مماثلة للسياسات المعتمدة في مجال التجارة الحرة بأميركا الشمالية (اتفاقيات نافتا مثلا) وهو ما رسمته وطبقته واشنطن مع بداية التسعينات.
على هذا كله يعلق مؤلف كتابنا (ص191) قائلا:
- توماس فريدمان يرى أن الحل هو العولمة (فكرته الأثيرة في مجمل كتاباته مؤخرا) ولكن يجدر بنا ملاحظة أن فريدمان كان يكتب مقالته ويسوق أفكاره من دافوس حيث كان يحضر - كما ألمحنا - «المنتدى الاقتصادي العالمي».. وهو موئل ما يصفه هنتنغتون بأنه «ثقافة دافوس» لأنه المنبر الذي يبشر برؤية عالمية (معولمة) تدعو إلى حضارة كونية شاملة.
والمعنى الذي نخلص إليه كقارئين لكل ما سبق أن مؤلف كتابنا يركز أشد التركيز على العوامل الثقافية والركائز والمواريث الحضارية سواء كانت عوامل للوفاق أو كانت عناصر للصراع والصدام.
حتمية الصدام
بيد أن الذي نرفضه في مثل هذه السياقات ليست مقولات فريدمان بشأن مشاعر من الغضب تجتاح الشباب في مجتمعات مسلمة هنا أو هناك.. فذلك أمر طبيعي أصلا بالنسبة للأجيال اليافعة فضلاً عن أن الغضب بسبب البطالة وغيرها من المشكلات الاقتصادية - الاجتماعية ليس مقصورا على مجتمعات المسلمين بل هو يتعداها إلى مجتمعات شتى في شرق العالم وفي غربه على السواء (تأمل مثلا ارتفاع معدلات البطالة في بلدان متقدمة مثل ألمانيا أو إيطاليا).
إننا نرفض بالتأكيد مقولات هنتنغتون التي ترى في الصراع التصادمي بين عالم الغرب وعالم الإسلام أمرا حتميا أو شبه حتمي.. كيف لا وها هو الأستاذ الأميركي يلخص آراءه في «صدام الحضارات» فيقول:
إن المشكلة الكامنة لا تتجسد في التشدد أو التطرف الإسلامي.. إنها في الإسلام بحد ذاته (تأمل!) لأنه حضارة مختلفة يصدر أهلها عن الاقتناع بالسمو من حيث ثقافتهم فيما تستبد بهم عقدة النقص من حيث قدراتهم. إن المشكلة بالنسبة للإسلام - يضيف المفكر الأميركي - ليست هي المخابرات المركزية ولا وزارة الدفاع الأميركية.
. المشكلة هي الغرب.. وحضارته المختلفة وأهله المقتنعون بعالمية وعمومية ثقافتهم من منطلق اعتقادهم بأن قوتهم المتفوقة، حتى ولو كانت متضائلة أو مضمحلة، إنما تفرض عليهم واجب توسيع آفاق هذه القوة وتمديدها في طول الدنيا وفي عرضها.
ولقد رأينا ـ في ضوء خطورة هذه الآراء ـ أن نوافي القارئ الكريم حرفيا بتعليقات مؤلف كتابنا على آراء هنتنغتون. يقول المؤلف (ص190 وما بعدها):
- لقد ذهب أستاذ العلوم السياسية الأميركي إلى أنه منذ قيام الثورة الإيرانية في عام 1979.. دخل الغرب والإسلام في «شبه حرب بين الحضارتين» وهي «شبه» حرب لأسباب ثلاثة: أولها أنه لم تدخل بلدان الإسلام جميعا في حرب مع الغرب.
وأن عدو الغرب داخل عالم الإسلام تجسَّد بصفة أساسية في دولتين تأخذان بنهج التشدد (الأصولي) وهما إيران والسودان بالإضافة إلى ثلاث دول غير متشددة أصوليا وهي العراق وسوريا وليبيا ومعها عدد من المنظمات الإسلامية الممولة من أقطار مسلمة أخرى. وثاني الأسباب يتمثل في أن هذه الحرب تم خوضها باستخدام وسائل محدودة:
هي ممارسة الإرهاب ضد القوى الجوّية على الجانب الأول ثم المخططات السرية في التجسس والتدمير إضافة إلى العقوبات الاقتصادية على الجانب الثاني.. أما السبب الثالث فيتمثل بدوره في أن تلك الحرب لم تكن متواصلة باطراد بل كانت متقطعة حيث كانت تشتعل بين حين وحين.
ولقد جهدنا في عرض هذه الأفكار ومعظمها لا نوافق عليه، وإن كنا قد رأينا أن من حق المثقف العربي، بل ومن واجبه أن يطالعها وأن يدقق في مراميها ويتدبر دلالاتها سواء كان قارئا أو كان أكاديميا أو كان في مواقع المسؤولية.. خاصة وقد أفرد لها مؤلف هذا الكتاب فصلا كاملا تحت عنوان «عالم الإسلام» هو الفصل العاشر من هذا الكتاب.
المؤلف.. والحرب
الفصل الحادي عشر يحمل عنوانا من كلمة واحدة هي: الحرب في هذا الفصل يتناول المؤلف أبعاد وأهداف الدولة التي أعلن الرئيس بوش قيامها فور إعلان فوزه بولاية رئاسية ثانية وهو فوز يصفه كتابنا بأنه انتصار بأضيق هامش انتخابي في تاريخ الولايات المتحدة.
المؤلف يصف دولة بوش كما يلي: بأنها دولة الحرب المقدسة، وهو يستند في هذا الوصف الغريب إلى العبارات التي أعلنها الرئيس الأميركي وقال فيها ما يلي:
- يتمثل هدفنا في أن نلتمس ونعزز نمو الحركات والمؤسسات الديمقراطية في كل دولة وكل ثقافة واضعين نصب أعيننا الهدف النهائي الأسمى وهو إنهاء الطغيان في عالمنا».
هذه العبارات اقتطفها المؤلف من الخطاب الافتتاحي للولاية الثانية. وفي معرض تحليلها يتوقف المؤلف - بالتأمل - عند 3 عناصر يراها أساسية وحاكمة في السياسة التي تتبعها واشنطن إزاء الواقع العالمي الراهن. وهذه العناصر الثلاثة هي:
(1) الديمقراطية التبشيرية: وفي هذا الإطار يلاحظ المؤلف أن الرئيس بوش لم يتناول الديمقراطية بوصفها تراثا وطنيا خاصا ببلاده، بل بات يتعامل معها بوصفها هدفا ينبغي توخيه وتحقيقه على مستوى الكرة الأرضية بأسرها.
(2) الدبلوماسية التبشيرية: لقد بدا الرئيس بوش في نظر المؤلف كأنه يقسم أو يصنف دول العالم إلى ثلاث فئات: أولها حلفاء أميركا ممن «نمنحهم صداقتنا.. ونعتمد على مساعدتهم ومشاركتهم لنا في هذا النشر - التبشيري بالحرية.. الخ والفئة الثانية هي الدول التي لا ترقى فيها الديمقراطية إلى المستوى المطلوب، ومن ثم فلسوف نتعامل معها دبلوماسياً..
كي نشجع الإصلاحات في نظم الحكم فيها موضحين في ذلك أن نجاح علاقاتنا معها إنما يقتضي حسن معاملة هذه النظم لشعبها» وهناك أخيرا الفئة الثالثة وتتمثل في نظم الحكم التي توصف بأنها استبدادية أو «طغيانية» إن شئت..
وهنا يلاحظ مؤلف كتابنا (ص194) أن الرئيس بوش يومئ إلى أن أميركا تحتفظ لنفسها بحق الإطاحة بتلك الحكومات (القائمة على الطغيان) على نحو ما فعلت مع نظام صدام حسين في العراق.
وذلك إذا ما رُؤي أن تنفيذ هذا الحق أمر يتم لمصلحة أميركا وربما حاول السيد بوش أن يخفف من وقع هذا التحفظ حين عمد إلى مخاطبة شعوب تلك الحكومات قائلا على نحو ما ينقل مؤلف كتابنا:
- عندما تقفون دفاعا عن حريتكم فلسوف نقف معكم جنباً إلى جنب.
(3) العلاقة بين حرية العالم ومصالح أميركا: في هذا السياق يلاحظ المؤلف أيضا أن الرئيس بوش رسم بالفعل علاقة مباشرة تصل بين مهمة أميركا في نشر الديمقراطية وبين الدفاع عن أميركا ذاتها وهو ما تعنيه عبارات الرئيس حين قال: إن بقاء الحرية في بلادنا إنما يتوقف باستمرار على نجاح الحرية في سائر البلدان.. وأفضل آمال السلام في عالمنا يتمثل في توسيع آفاق الحرية في العالم بأسره.
ومن جانبنا أيضا نلاحظ أن كلاً من مؤلف الكتاب وكذلك الرئيس الأميركي يستخدم مصطلح التبشير بالديمقراطية وبالحرية وبالسلام.. إلخ ولا يملك المحلل السياسي سوى إحالة مثل هذا المصطلح (مِشَنْ بالإنجليزية) إلى حوليات التاريخ الاستعماري الذي استخدم التبشير (الديني) أداة بل وسلاحا لبسط السيطرة الإمبريالية من جانب الغرب على العديد من الأمم والشعوب..
وربما يؤكد اجتهادنا في هذا الصدد أن المؤلف يصف جهود ودعوات الرئيس بوش في هذا الخصوص بأنها تتمثل في إقامة «دولة صليبية» وهو يستخدم بصورة مباشرة مصطلحات ترتبط بحروب العقائد وصراعات الرسالات والأديان.
والمؤلف منطقي مع نفسه ومتسق مع فكره في هذا المضمار ولذلك فهو يضيف قائلا: إن بوش يستخدم لغة الحماس التبشيري المتوتر تجسيدا لفكرته عن أميركا بوصفها كيانا فريدا أو استثنائيا.
ثم يصف تصرفات إدارة بوش بالنسبة لحرب العراق موضحا أنها أقرب ما تكون الى صيغة مستجدة لفكرة الاستعمار الإنساني.. إن جاز هذا التعبير في دنيا السياسة والعلاقات الدولية.
هذه «الإمبريالية الإنسانية» كما قد نسميها تطورت عبر تاريخ معين ولها أنصار ومؤيدون يصنفهم المؤلف ضمن فئات تجمع بين البرغماتيين وهم الواقعيون الذين ترجع أصولهم إلى أيام وأفكار هنري كيسنجر شخصيا وكان يمثلهم في إدارة بوش وزير خارجيته السابق كولن باول..
وهناك الفئة الأخرى ويصفها المؤلف بأنها فئة المتعصبين وطنيا ممن يرون ضرورة الحفاظ على تفوق أميركا وسطوتها التي لا تبارى في كل أنحاء العالم، وتضم هذه الفئة كلاً من تشيني نائب الرئيس ورامسفيلد وزير الدفاع وأخيرا يأتي من يسميهم المؤلف بفئة «المحافظين الجدد» وهو يصفهم بأنهم «الإمبرياليون.. الديمقراطيون».
. وكان على رأسهم ولفووتيز نائب وزير الدفاع سابقا - رئيس البنك الدولي حاليا ـ وإن كان أخطرهم هو ريتشارد بيرل الذي كان يتولى مسؤولية التخطيط بوزارة الدفاع في واشنطن..
وبقدر ما كان المراقبون يسلكون الوزير باول في سلك الحمائم ضمن إدارة بوش ـ الابن، كانوا يُسلكون أفرادا مثل تشيني أو بيرل ومن على شاكلته في سلك الصقور وإن كان هناك من يدافع عن باول وهو جنرال ورئيس أركان سابق على أساس أن الرجل لم يكن مجرد حمامة سلام وديعة أو متهاودة بقدر ما كان يريد تجنيب الجيش خوض مغامرات خطيرة من طراز حرب فيتنام.
قرب ختام هذا الفصل، يعود بنا المؤلف سنوات إلى الوراء.. إلى سنة 1992 على وجه الخصوص: أيامها كان تشيني قد سلّم حقيبة الدفاع التي كان يحملها كوزير في إدارة بوش - الأب وتحوّل بعدها إلى عالم البترول والإدارة والاقتصاد..
مما أتاح له وقتا أطول للعمل الفكري والحوار السياسي.. أفضت الجهود الفكرية وقتها إلى الاتفاق على بلورة فكر تشيني ورهط المحافظين الجدد بل والحزب الجمهوري بشكل عام في وثيقة خاصة بقضايا الدفاع..
أو فلنقل إنها تتعلق بقضايا الحرب والسلام.. هكذا صدرت في عام 1992 الوثيقة التي أثارت زوبعة وجدلاً محتدما في أوساط شتى في واشنطن وغيرها.. وحملت هذه الوثيقة الخطيرة العنوان التالي: دليل تخطيط قضايا الدفاع.
وقد يلفت النظر إلى حد كبير حقيقة أن كاتب مسودتها الأصلية كان «خليل زادة» الدبلوماسي الأميركي الأفغاني الأصل وهو يعمل حاليا سفيرا لأميركا في بغداد.
وكان أهم ما احتوته الوثيقة وأخطر ما روجت له هو «ضرورة بسط الهيمنة الأميركية في المستقبل على قدر ما يمكن أن يمتد إليه البصر«..
وكان الأهم أيضا - كما يضيف مؤلف كتابنا (ص202) هو «تبرير أي خطوات عسكرية يتم اتخاذها لمنع تطوير أو استخدام أسلحة الدمار الشامل» وهنا لا يفوت المؤلف القول بأن تلك كانت إشارة تومئ وقتها إلى الحرب الاستباقية (الإجهاضية كما تسمى أحيانا) من النوع الذي خاضته أميركا في العراق بعد ذلك التاريخ بأكثر من 10 سنوات.
ومضت الوثيقة الخطيرة لتحث على ضرورة اتخاذ كل ما يلزم للحيلولة دون قيام أي قوة منافسة لأميركا ولاسيما بين صفوف الدول المتقدمة صناعيا ـ في إشارة إلى ألمانيا في الغرب واليابان في الشرق الأقصى.
ومن ثم إلى أوروبا بشكل عام حيث أكدت وثيقة المحافظين الجدد أنه لا سبيل إلى بقاء التحالف بين واشنطن وأصدقائها الأوروبيين إلا باستمرار قبول هؤلاء «الحلفاء» بأن يظلوا في موقع الطرف الأقل مكانا أو الأدنى من حيث المكانة.
ثم اقترحت وثيقة 1992 المذكورة أعلاه أن تتوقف أميركا عن حكاية المحالفات الدائمة وأن نستعيض عنها بتشكيل ما وصفته بأنه «تجمعات وقتية».
أو فلنقل تحالفات مرحلية أو غائيّة بين مجاميع الدول بحيث تحقق أهدافا معينة تقتضيها الظروف أو الضرورات وكأنما كانت الوثيقة تستبق بذلك المبدأ الذي مازال يطرحه الرئيس بوش وهو: تحالفات الراغبين أو المستعدين.