هنا يغوص القارئ عبر صفحات هذا الكتاب في الجذور الفكرية والتاريخية لحركة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة التي تبين بوضوح الأسس الأيديولوجية للنزعة الإمبراطورية المسيطرة على عقول القادة المتنفذين في أميركا.

لكن الغريب في الأمر يكمن في أن تلك الجذور مرتبطة بشكل وثيق بالأفكار الاشتراكية، إلى درجة يمكن القول معها إن جذور المحافظين الجدد هي جذور اشتراكية، لكنها بعيدة كل البعد عن الشيوعية وقوى اليسار.

الأغرب من كل هذا إن هذه الحركة الفكرية العريقة اعتمدت على مجموعة من الشبان اليهود بالدرجة الأساسية وعلى أربعة مفاهيم نظرية أساسية جميعها ينطلق من نظرة تشاؤمية للعالم ومن رؤية ظلامية تنزع إلى العدوان والحرب والبقاء على أهبة الاستعداد بصورة ثابتة في مواجهة الآخر.

الفصل التاسع من الكتاب يحمل العنوان التالي: «المحافظون الجدد» وهو عنوان يشير بمجرد دلالته المباشرة إلى فريق النيوكونز كما يعرفون، وهم يتحكمون حاليا في دوائر الحكم ومؤسسات رسم السياسات في العاصمة الأميركية واشنطن.

بيد أن المؤلف اهتم بهذا الفريق من ساسة أميركا ومفكريها الذين توُاكب أفكارهم وطروحاتهم النظرية والعملية طبيعة وسلوكيات إدارة الرئيس بوش الابن الحالية اهتم بها من أجل مناقشة تلك الأفكار خاصة وأنها تتعلق بالمحور الأساسي لكتابه الذي نحلله في هذه السطور: محور النزعة الإمبراطورية في سياسات الولايات المتحدة الأميركية.

الحماس المحموم

في هذا السياق بالذات، تلفت اهتمامنا ملاحظة نراها خطيرة إن لم تكن فارقة يبديها مؤلفنا على الصفحة 153 من هذا الكتاب، يقول المؤلف بالحرف الواحد:

قبيل أسابيع قلائل من غزو أميركا للعراق، وبالتحديد في ربيع عام 2003، بادرت جريدة «ويكلي ستاندارد» وهي الصحيفة القائدة المعبرة عن فكر المحافظين الجدد، إلى نشر مقالة على صفحة الغلاف بقلم «ماكس بوت» الذي يعد أكبر الدعاة المتحمسين لدرجة محمومة للإمبريالية الأميركية. جاء المقال تحت عنوان: نهاية (سياسة) الاسترضاء: فرصة بوش السانحة لتصحيح خيبات أميركا الماضية في الشرق الأوسط.

(ونفتح هنا قوسا من عندنا لكي نوضح للقارئ الكريم كيف استخدمت المقالة المذكورة لفظة «أبّيزمنت» الإنجليزية للتعبير عن معنى الاسترضاء أو فلنقل تسكين الخواطر ومحاولات تهدئة خصم توقيا لشروره.

ثم نلاحظ في هذا السياق أيضا أنه التعبير نفسه الذي ذاع تاريخيا على لسان السياسي البريطاني نيفيل تشمبرلين (1869- 1940) الذي استحق سخط مواطنيه لأنه استخدم هذه السياسة لاسترضاء هتلر توقيا لاشتعال نيران الحرب العالمية الثانية مما أدى - في رأيهم - إلى استشراء عدوانية هتلر ومن ثم إلى الدمار الذي لحق بالغرب الأوروبي في ذلك الحين).

مرة أخرى نتوقف عند المقالة المذكورة التي نشرتها صحيفة المحافظين الجدد لأخطر دعاة المحافظين الجدد.. لقد حض فيها أميركا على أن «تزود تلك الأقطار الإسلامية بإشراف (بمعنى سيطرة) إمبريالية فعالة».. ثم مضى كاتب المقالة - ماكس بوت قائلا إن «تحرير بغداد» .

- كما وصفه - يمكن أن يكون إحدى اللحظات الفاصلة في مسار التاريخ على نحو ما كان اجتياح سجن الباستيل إيذانا بثورة فرنسا الكبرى في عام 1789 أو سقوط حائط برلين إيذانا بانهيار الشيوعية والكتلة السوفييتية (وكان ذلك بعد تاريخ الباستيل - ويا للمفارقة بمئتي سنة بالضبط من عمر الزمان).

ثم عمد ماكس بوت إلى تفسير ما يذهب إليه قائلا: عندما يتسنى توفير المضاد الحيوي المعروف باسم ديمقراطية لكي تحقن به البيئة العليلة في الشرق الأوسط، فإن ذلك كفيل بتغيير أحوال المنطقة إلى الأفضل.

هكذا جاءت مقولات وأفكار المحافظين الجدد على نحو ما عبرت عنه مقالة ماكس بوت لكي تجمع بين أهم عنصرين قامت عليهما السياسة الخارجية والدور الدولي للولايات المتحدة على مدى المئة سنة الأخيرة على الأقل، وهما:

(1) العنصر الأول ـ كما يراه المؤلف ـ هو نزعة الرئيس تيدي روزفلت التي تجسدها عبارة: إرادة السيطرة والهيمنة الإمبريالية.

(2) العنصر الثاني ـ كما يراه المؤلف أيضا ـ هو اتجاه الرئيس الأميركي الأسبق أيضا ودرو ويلسون الذي تجسد بدوره عبارة النزعة الإنسانية.

سياسة المضاد الحيوي

المعنى الذي يقصد إليه ضمنا مؤلف كتابنا هو ضرورة السيطرة الإمبريالية من أجل تجسيد المبادئ الإنسانية.

وهو يرى كذلك أن هذا المزيج بين دعوة الهيمنة ـ ولو بالغزو المسلح وبين استهداف غايات تحمل شعارات الإنسانية والديمقراطية ورفاه الشعوب ـ هذا المزيج - أو هذا المضاد الحيوي - (أنتي بيوتيك).

كما وصفه الكاتب ماكس بوت هو بالضبط العقار الذي كان الرئيس بوش بحاجة ماسّة إلى وصفه واستخدامه وخاصة بعد الهجمات الإرهابية التي شهدها يوم الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001.. ولدرجة يقول معها المؤلف بالحرف الواحد أيضا (الصفحة السابقة نفسها):

- «إنه كان الدافع وراء قرار الرئيس بوش بإرسال قواته العسكرية عبر نصف قُطر الكرة الأرضية من أجل أن تغرس علم بلاده في قلب أرض الإسلام. ثم يضيف مؤلفنا قائلا:

- لقد فعل الرئيس بوش ذلك فيما كان ينكر أن الإجراءات التي اتخذها أو الأحداث التي نتجت عنها كانت دليلا على الصدام بين الحضارات من النوع الذي سبق إلى التنبؤ به البروفيسور صمويل هنتنغتون.. بل سوف نرى الرئيس بوش وهو ينكر أيضا أنه كان يراوده أي نوازع إمبريالية..

وبدلا من ذلك ظل بوش مصّرا على أن مبادرته العسكرية كانت تقصد تحديدا للقضاء على آفة الإرهاب وكانت موجهة إلى صدور الذين «يعبدون إله البغضاء» على نحو ما عبرت عنه كلمات صحفي أميركي آخر هو توماس فريدمان.

. ومن ثم كانت المحصلة المنطقية الاقتناع بأن دعاة البغضاء هؤلاء لن يجدوا مكانا ولن تقوم لهم قائمة عندما تفتح المجتمعات (في الشرق الأوسط أو غيره) قلوبها وعقولها لمبادئ الرأسمالية الديمقراطية الغربية..

وعليه فقد آلت إدارة بوش على نفسها أن تأتي بتلك المبادئ إلى أرض العراق وربما إلى أقطار أخرى في الشرق الأوسط (ص154) على حد سواء إذ كانت هذه الإدارة ترى في ذلك أنجع السبل لمواجهة وإحباط خطر يتهدد الغرب اسمه التشدد الأصولي الإسلامي.

ـ ولكن، ودائما ما تسفر النتائج عن «ولكن» هذه وعن كثير غيرها، هكذا يواصل المؤلف تحليله للقضية المطروحة ويقول: لكن الأحداث اللاحقة التي أحاطت باحتلال أميركا للعراق ما لبثت أن برهنت على أن هذه النظرة إلى الأمور كانت تجمع بين السذاجة والحماقة في آن واحد معاً.

النشأة والهوية

من هم إذن هؤلاء المحافظون الجدد الذين لا يزالون يتحكمون في سياسة أميركا الداخلية والخارجية؟ كيف كانت نشأتهم.. جذورهم..

أصولهم وكيف تبلورت الأفكار التي يطرحونها ويصوغون من خلالها مختلف السياسات والاستراتيجيات.. ومن ثم، وهذا هو الأهم، يؤثرون بها على رئيس الولايات المتحدة ونظامه الحاكم وإدارته الراهنة؟

مؤلف كتابنا يحاول أن يتصدى للإجابة على مثل هذه التساؤلات.

إن جذور المحافظين الجدد تمتد الى حقبة الثلاثينات وإلى أواخر تلك الحقبة البعيدة على وجه الخصوص أما على مستوى المكان فالمؤلف يحدده بالذات في كافيتريا كلية «سيتي كولدج» في مدينة نيويورك..

في ذلك المكان اجتمع يوما نفر من الشباب الذين كانوا يؤمنون بالاشتراكية دون أن يعتنقوا مذهب الشيوعية.. كانوا مجموعة صغيرة من الأصدقاء لمع من صفوفها اسم أرفنج كريستول .

وكانوا ينخرطون في مناقشات حارة حول طبيعة العالم الذي كانوا يعيشون فيه وحول الخلافات التي تميزهم عن أقرانهم من معتنقي الماركسية والشيوعية الذين كانوا يعقدون اجتماعاتهم في الكافيتريا المجاورة.

. وبعد التخرج اشتغل الكثير منهم بالعمل الأكاديمي أو الإعلامي أو الفكري.. إلى أن شهدتهم حقبة الحرب الباردة مع فاتح الخمسينات .

وقد أصبحوا ضمن القوى الليبرالية التي ارتفع صوتها وقتئذ مؤيدة لحركة الحقوق المدينة التي استهدفت تحقيق المساواة لصالح الأقليات الملونة من الأفرو- أميركيين ومن في حكمهم.. وفي هذا الإطار أيضا كانت مطالبتهم بتحقيق دولة الرفاه ودعوتهم لتشكيل وتعزيز النقابات العمالية.

لكن مشكلتهم كانت في عمق خصومتهم لقوى اليسار بشكل عام، الأمر الذي جعلهم يبتعدون كل يوم عن قوى التقدم والاستنارة وعن الحزب الديمقراطي الأميركي على وجه الخصوص.

عند هذا المنعطف من التحليل يفاجئنا مؤلف الكتاب بملاحظة نراها مهمة وبالغة الدلالة من منظورنا الخاص كعرب ومسلمين:

على صفحة 155 يقول المؤلف بالحرف الواحد:

كانت العناصر الأساسية التي شكلت جوهر حركة المحافظين الجدد في أميركا من.. اليهود.

وعندما نادى الحزب الديمقراطي بفكرة تخصيص حصص للفئات التي كانت محرومة في المجتمع الأمريكي.. حصص في توظيف وترقية وتعليم السود والمهاجرين الملونين والنساء والفقراء والمستضعفين.

ومن إليهم من أجل تعويضهم عن عقود طالت من الحرمان والتهميش ـ ازداد ابتعاد المحافظين الجدد عن الديمقراطيين وكان السبب أيضا هو سيطرة العنصر اليهودي على هذه الجماعات الليبرالية المعادية لليسار التقدمي.

مفاجأة يهودية

في هذا السياق يحيل المؤلف الأمر إلى كاتب أميركي آخر هو مارك غيبسون الذي يفسر هذا الموقف الغريب لليهود قائلاً: كان اليهود يشعرون بالألم ويعانون من نتائج نظام الحصص ( الذي تم لصالح السود والفقراء.. الخ) .

ولذلك شرعوا يدعون بل يحاربون من أجل إلغاء كل اعتبارات السلالة أو الديانة أو الأصل العرقي في عمليات الالتحاق بالجامعات أو في أساليب التوظيف في سلك الأعمال.

وكانت تلك ـ في رأينا ـ دعوات خبيثة يصدق عليها عبارة كلمة الحق التي يراد بها باطل.. ذلك لأن إلغاء كل الاعتبارات السابقة معناه استمرار الظلم بغير تعويض عن أي حرمان في الماضي ومعناه فتح كل الأبواب أمام يهود أميركا الذين تمكنوا على مدار عقود طويلة من اكتناز الأموال وإلحاق أبنائهم بأرقى الجامعات وأعلاها وأغلاها من حيث المصروفات.

. ومن ثم كانت مطالباتهم بفتح السبيل أمام المنافسة بغير نظر إلى النشأة أو الظروف أو الخلفية التي عاش فيها الأفراد وكانت منافسة غير متكافئة هم الفائزون فيها على كل حال.

ماذا عن بلورة أفكار هؤلاء المحافظين الجدد على مسرح السياسة الخارجية العالمي؟

في معرض إجابة السؤال، يقف المؤلف بقارئيه عند حدثين خطيرين من أحداث النصف الثاني من القرن العشرين:

الأول غزو السوفييت لتشيكوسلوفاكيا ـ ربيع براغ حسب تسميته الذائعة -ويومها أيقن المحافظون الجدد بفشل سياسة الوفاق بين واشنطن وموسكو التي كان يدعو إليها الرئيس الأميركي وقتها ـ ريتشارد نيكسون - وقادهم هذا التفكير إلى تكريس رؤية أميركا من منظور انفرادها، دون غيرها بمقاليد العالم.

الثاني كان الحرب العربية ـ الإسرائيلية التي اشتعلت في أكتوبر عام 1973 (يسميها المؤلف يوم كيبور في الشرق الأوسط). ويقول إن هذه الحرب جاءت ـ كما يؤكد هنري كيسنجر في كتاباته الصادرة ـ لكي تفتح أعينهم جيدا على حقائق الواقع الجيو- سياسي في العالم.

ويومها فسر المحافظون الجدد حرب أكتوبر على أنها مؤامرة سو؟يتية ـ عربية حيكت خيوطها ضد إسرائيل وضد الدول الديمقراطية الصناعية، ومن ثم رأوا أن أول خطوط مواجهة تلك «المؤامرة» إنما يتمثل في رفض أي تقارب أو تفاهم أو وفاق بين الشرق والغرب.

تعالوا فالمياه مواتية!

هكذا تبلورت أفكارهم وتشكلت مواقفهم إلى أن جاءت اللحظة التي رفعوا فيها لافتة «المحافظون الجدد» علامة على توجهاتهم وجهراً بأفكارهم.. وهي اللحظة التي شهدت العبارة التي نشرها ويليام بكلي في عام 1971 في مجلة ناشونال ري؟يو وقال فيها: تعالوا إلينا.. إن المياه مواتية.

واستغرق الأمر قرابة عقد كامل.. وحين تولى رونالد ريغان مقاليد الرئاسة الأميركية وجد فريقا جاهزا لمساندته وتأييده وخاصة حين وصف الاتحاد السوفييتي وقتها بأنه «إمبراطورية الشر والظلام».

عبر هذه المسيرة تبلورت الركائز الفكرية والرؤى السياسية للمحافظين الجدد.. وقد لخصها الكاتب الأميركي مارك غيبسون في 4 مبادئ أساسية على النحو التالي:

(1) الحياة شأن معقد بغير نهاية: معنى هذا أن التعقيد كفيل باستمرار بأن يعوق حركة البشر نحو النظام والتطور والارتقاء.

(2) الشر طبيعة متأصلة في نفوس البشر: حيث كوامن الشر تتغلب دوما على نزعة الخير ومن ثم فالكفاح ضد أبناء الظلام يتطلب يقظة دائمة وجسارة بغير حدود.

(3) الإنسان حيوان اجتماعي: ومن ثم فالمجتمع هو البيئة الأساسية التي لابد وأن يعيش الإنسان في كنفها.. ولا يصوغ المجتمع سوى الثقافة السائدة: قل لي ما هي ثقافة (حضارة) المجتمع.. أقل لك ما هي أفكاره وتوجهاته.

(4) إن هذه الأفكار ـ الثقافات يمكن أن تتعرض للخطر أو الضعف أو الانهيار على يد من يرفضون المشاركة فيها وعلى المشاركين في الأفكار أو الثقافة أن يظلوا على استعداد دائم للدفاع عنها بكل ما يسعهم من إمكانات.

وفي كل حال، ومن واقع تحليلنا لسطور وتوجهات هذا الفصل من كتابنا.. فلعلنا نشير على أهل الفكر والسياسة في الوطن العربي أن يضعوا أعينهم على جريدة «ويكلي ستاندارد» الناطقة حاليا باسم المحافظين الجدد.

وأن يتابعوا عن كثب، ومن خلال درس تحليلي وفهم نقدي ما تنشره من دراسات ومقالات.. وخاصة ما يتعلق بسياسة أميركا الخارجية في الفترة الراهنة.

وربما تسفر مثل هذه المتابعات عن دروس مستفادة يمكن أن نجمل منها مواقفهم كما يلي:

ـ موقف مؤيد على طول الخط لإسرائيل.

ـ موقف متربص على طول الخط بعالم الإسلام والمسلمين.

ـ موقف يبرر على طول الخط لأي توجهات تكرس استعمال القوة وبسط هيمنة القطب الواحد في مجال السياسة الخارجية لأميركا.

وبمناسبة مصطلح التهدئة أو الترضية أو تسكين الخواطر الذي ألمحنا إليه في صدر هذا الموضوع ـ مصطلح «أبيزمنت» الذي نال به صاحبه تشمبرلين سخط جماعته القومية.

فإن المحافظين الجدد لم يتورعوا عن إعادة استخدامه بعد أن ظل كامنا في قواميس السياسة على مدى ستين عاما أو نحوها.. استخدموه للتشهير بالرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الذي كانوا يمقتون شخصيته ويبغضون توجهاته.

وحين طرح كلينتون فكرة الحوار مع الصين ـ العملاق الصيني كما قد نسميه ـ استشاط المحافظون الجدد غضبا وهم دعاة المواجهة واستخدام البطش العسكري وفي هذا الإطار أطلقت جريدتهم على أفكار وتوجهات كلينتون أوصافا من قبيل: الجريمة.. الإهانة.. سلوك الاسترضاء والمداهنة.. الخ.

ويبدو أن مصطلح «أبيزمنت» المذكور أعلاه ما برح يمثل أحد الهواجس أو الوساوس بمعنى الأفكار الثابتة التي لما تبارح فكر المحافظين الجدد.

مقال خطير

في حمى الدعوة إلى غزو العراق يكتب ماكس بوت مقالا يوم 10 فبراير 2003 بعنوان: نهاية الاسترضاء (أبيزمنت كي لا ننسى).

في معرض التعليق على المقال المذكور يضيف مؤلفنا: لقد عمد ماكس بوت إلى تقصي التهادن من جانب أميركا في الشرق الأوسط إزاء الاستفزاز المتواصل الذي ظل يبديه زعماء المنطقة الوطنيون.

بمن فيهم جمال عبدالناصر في الخمسينات والستينات إلى الحكام الذين وضعوا أيديهم على الثروة النفطية في السبعينات إلى ملالي إيران الذين أهانوا أميركا في عام 1979 وأخيرا إلى صدام حسين.. وفي هذا الإطار أكد بوت أنه كان على أميركا أن تفرض سيطرتها على كل هؤلاء الحكام وعلى أقطارهم منذ وقت طويل..

ولأنها لم تفعل ذلك فإن عليها أن تتجاهل تحذيرات حكام الشرق الأوسط الحاليين من أن غزوا أمريكيا للعراق من شأنه أن يولد زعزعة للاستقرار في كل أنحاء الشرق الأوسط..

بل إن هذا الاستقرار المتزعزع سيكون أفضل بكثير من الاستقرار الذي كانت عليه المنطقة في العقود الزمنية الماضية.. لماذا؟ لأنه سيفسح المجال لأميركا كي تدخل ساحة منطقة الشرق الأوسط من أوسع أبوابها (ص174 وما بعدها).

في السياق نفسه لا يتورع لسان المحافظين الجدد ـ الكاتب «ماكس بوت» إياه عن أن يضيف على نحو ما ينقل مؤلف الكتاب فيقول ما هو أدهى:

فيما وراء العراق، توجد تحديات أخرى، وخاصة سورية وإيران وهما تشنان حربا غير معلنة على الولايات المتحدة منذ 20 عاما. ويمكن لإحراز نصر أمريكي في العراق أن يخيف هذه النظم ويجبرها على السير على نهج الصراط المستقيم..

وإلا سوف يقتضي الأمر من أميركا أن تتخذ خطوات فعالة بما يكفل مواءمة علاقاتنا بتلك الأقطار مع مصالحنا ومبادئنا.. الخ.

مرة أخرى يعلق المؤلف على هذه السطور المنشورة قبيل حرب العراق فيقول:

ـ هكذا تلوح أمام أعيننا رؤية لسياسة خارجية لا تقوم على أساس سوابق تاريخية في سياق التجربة الأميركية.. إنها رؤية لهيمنة أمريكية على مقاليد العالم تقوم على أساس مواصلة هذه الهيمنة واستمرارها وتبريرها.. و.. كله.. كله يتم باسم المثل العليا الأميركية.