بين أيدينا كتاب ليس ككل الكتب الأخرى، إنه تجربة فكرية راقية تحاول تقديم إجابات عن أسئلة كبرى تغوص في ماهية الوجود البشري وتاريخه وتبين أن الدنيا لا تدوم لأحد.. والسطوة.. بل والحضارة ليست حكراً على طرف دون سواه.
وبالتالي فإن سطوة الولايات المتحدة في الوقت الحاضر على العالم ليست نهاية التاريخ بأي حال من الأحوال كما ادعى المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما، وما هي إلا حلقة واحدة من سلسلة حلقات تطور البشرية عموماً والتي شهدت بزوغ فجر حضارات سابقة أفلت.
ومن المؤكد أنها ستشهد في المستقبل أفول ونشوء حضارات أخرى، في ظل حركة تاريخية لا تعرف الهدوء والسكينة لأن الأمر يتعلق في نهاية المطاف، بواقع ومستقبل أرقى مخلوقات الأرض، ألا وهو الإنسان الطامح دوماً إلى الارتقاء والتغيير.
في مستهل هذا الكتاب المميز يناقش المؤلف مقولة تعاقب الحضارات أو تصادمها بين اجتهادات المفكر فوكو ياما و«عولمة» الصحافي توماس فريدمان.
هذا الكتاب صدر في ربيع عام 2005 وقد لخص النقاد مقولاته في أنها دعوة موجهة للحاكمين في العاصمة الأميركية واشنطن لكي يتبعوا سياسة خارجية ترفض مبدأ السعي الحالي نحو الهيمنة أو الانفراد بالسيطرة على مقاليد العالم تحت شعار موهوم هو شعار «القطب الأوحد»..
وبدلا من ذلك يؤكد المؤلف من خلال دراسته المستندة إلى طروحات فلسفية وتحليلية في تاريخ الحضارات الإنسانية، أن على أميركا أن تدرك الحقيقة الراهنة التي تقول بتعدد مراكز القوة في عالم اليوم.
أما مؤلفه فهو روبرت و. ميري وهو كاتب سياسي وباحث وناشر لحوليات الكونغرس الأميركي وقد حصل على جوائز صحافية رفيعة وكان مندوبا في البيت الأبيض لجريدة «وول ستريت جورنال».
ورغم أننا بإزاء كتاب في قضايا السياسة وشؤون الحكم وإدارة مصالح الأوطان.. ورغم أن تركيز هذا الكتاب ينصب في معظمه على قضايا السياسة الخارجية التي ينتهجها القطب الأوحد في عالمنا وهو الولايات المتحدة الأميركية، وورغم أن مؤلف الكتاب أستاذ مخضرم في دنيا الصحافة وقد حصل على جوائز شتى في مضمارها.
إلا أن الفصل الأول من هذا الكتاب لا يبدأ بدراسة أو إحصائية أو خارطة استراتيجية بل يطالع القارئ بمفاجأة، تتمثل في أن أولى صفحات هذا الكتاب تبدأ بقصيدة شعر! وصاحب القصيدة هو الشاعر الرومانسي الإنجليزي شيللي (1792ـ 1822).
ولأمر ما.. فقد رأى مؤلفنا، الكاتب الصحافي الأميركي «روبرت ميري» أن قصيدة الشاعر الإنجليزي الكبير بأبياتها الأربعة عشر هي المعبر الحقيقي عن المشاعر التي كانت تراوده عندما واتته فكرة تأليف هذا الكتاب.
كان مؤلفنا يطالع ويتابع التحليلات والانتقادات التي واكبت صدور كتاب «فيلسوف المرحلة» كما يسمونه في واشنطن.. وهو الكاتب الأميركي من أصل ياباني «فرانسيس فوكوياما».. وقد بات الكتاب الصادر تحت عنوان «نهاية التاريخ» يشكل إحدى علامات الطريق البارزة في تطور الفكر السياسي بالولايات المتحدة..
كيف لا وقد بشّر فيه مؤلفه بحسم معارك الحرب الباردة لصالح المعسكر الغربي وجاء كتابه إيذانا بنهاية الخصم السوفييتي الذي تهاوى بنيانه ومن ثم تسامع العالم بتداعي أركانه وخاصة مع انهيار حائط برلين عام 1989 ومن ثم زوال الكرملين الشيوعي مع السنوات الأولى من عقد التسعينات.
ربما راودت المؤلف ساعتها فكرة أن يرفع صوته بالتنبيه الذي يصل إلى درجة التحذير: لقد كاد فوكوياما وكاد مشايعوه بل وناقدوه يجمعون على أمر واحد تقريبا يلخصه الكتاب قائلاً:
ـ إن فوز الغرب في الحرب الباردة جاء ليشكل علامة مميزة وفارقة جسدت بدورها وصول التطور البشري إلى ذروة النضوج والاكتمال.
ربما أراد المؤلف أن يزيح غشاوة الغرور عن هذه المقولات.. وربما أراد أن يؤكد أن الطريق مازال طويلا، وأن البشرية أمامها أشواط عديدة كي تقطعها على ذات الطريق.
من هنا جاء اختيار المؤلف لقصيدة «أوزمانديس» للشاعر شيللي.. وفيها يتخيل شاعر الرومانسية شخصية أوزمانديس الاسطورية الذي يلقاه هائما في فيافي الصحراء وقد خلّف من ورائه مملكة بغير حدود وصولجانا بغير منازع..
ولكن هذا كله امتدت إليه عوادي الزمان وانطبقت عليه قوانين البلى والتداعي والاندثار فلم يبق منه سوى أطلال وركامات لا يصمد منها شيء أمام عصف الريح بل تكاد تذروها الرياح فإذا بها منثورة مبددة بين حبات رمال الصحراء.
من هنا نستطيع أن نصنف المؤلف ضمن فريق المثقفين - المفكرين المتشائمين ـ الذين لا يرون في صفحات المستقبل ولا في مشاهد الحاضر وتطوراته وتعقيداته ما يمكن أن يبشر بحلول للمشكلات العويصة التي تواجه البشرية.
* بين روسو وويلسون
المؤلف لا يرى عالمنا على أنه دنيا البشر الباحثين عن الكمال الإنساني.. على نحو ما كان يراه جان جاك روسو الفرنسي مبشرا بثورة الحرية والإخاء والمساواة في فرنسا أو الرئيس الأميركي ودرو ويلسون مبشرا بحق تقرير المصير وبضرورة تجميع إرادة البشرية ورعاية مصالحها ضمن عصبة للأمم، وكان ذلك في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين.
كتابنا يصدر عن رؤية مغايرة للمجتمع الإنساني، رؤية سبق ورسمها فيلسوف إنجليزي هذه المرة اسمه «توماس هوبز» (8851- 9761) ودارت حول محور واحد يكاد يقول إن الإنسان كائن شرير بطبعه ولا سبيل إلى التعامل مع نزوعه وسلوكه بمنطق الإشادة أو العطف أو التفاؤل.
من هنا نحيل إلى ما ذكرته الكاتبة الأميركية لورا سيكور في تحليلها النقدي لهذا الكتاب في عبارات تقول: في مثل هذا العالم «الهوبزي»، فإن الطروحات والشعارات البراقة لن تفيد أميركا شيئا.
ولن يفيدها أيضا سعيها نحو السيطرة على أقدار عالمها باسم الخير أو مصلحة البشر إن «روبرت ميري» (المؤلف) يدعو أميركا إلى سياسة خارجية تسعى مباشرة - بغير تردد ولا تلعثم ولا شعارات براقة ـ إلى حماية أرواح الأميركيين ودرء الأخطاء عنهم من خلال تشكيل ميزان عالمي للقوة والتحرك على أساس هذا الميزان. (ملحق نقد الكتب - نيويورك تايمز عدد 26/6/2005).
تشير الكاتبة الناقدة أيضا إلى أن مؤلف كتابنا يحذر من الانسياق نحو فكرة «اضطراد التقدم البشري» وفكرة أن هذا التقدم ظل مقتصرا على الغرب وحده، إذ كان الغرب ينتقل من نصر يحرزه إلى نصر جديد..
الأمر الذي أفضى إلى فكرة الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية بوصفها آخر معارك البشرية ومن ثم فإن الفوز فيها وقهر الخصم الأحمر وكسب معاركها جاءت لتشكّل نهاية للتاريخ.. وهي نهاية ظافرة ومكافأة للغرب في كل حال.
* الأيام دول
إن التاريخ عند مؤلفنا.. وكما سوف توضح فصول هذا الكتاب لا يسير في خط مستقيم. بل يتبع مسارا حافلا بالانحناءات، والتعرّجات بل والاستدارات، فلا المنتصر فيه سيظل منتصرا وبارزا ومتفوقا (انظر مثلاً إلى ما آل إليه مصير بريطانيا التي لم تعد عظمى ـ إلا من حيث الذكريات.
ولا عادت سيدة البحار إلا في كتب التاريخ ـ بقدر ما أنك مدعو إلى النظر فيما يبشر به حال الصين وهي في طريقها إلى مراقي الصعود بعد أن كانت كيانا استبد به التخلف وعصفت به جائحة الأفيون وذاق هوان الاحتلال الياباني..
ولم يكد يمضي على هذه الأحوال المؤسية من سيرة الصين سوى ستة عقود وربما أقل من عمر الزمان). الدنيا لا تدوم لأحد.. والسطوة.. بل والحضارة ليست حكرا على طرف دون سواه.
في هذا السياق يحكي المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب عن واقعة شهدها خريف عام 1911. بطل الواقعة كان مثقفا ألمانيا مغمورا (في تلك الفترة) كان يعيش على دخل متواضع موروث في ميونيخ ويرقب ـ في رعب كما يصف كتابنا ـ نذر حرب على وشك الاشتعال بين ألمانيا وفرنسا..
والحاصل أن إنجلترا ـ بكل جبروتها في تلك الفترة ـ أعلنت مساندتها لفرنسا فما كان من الإمبراطورية الألمانية إلا أن تراجعت ودفعت ثمن التراجع على شكل هوان ومذلة تسامع بها المجتمع الدولي في ذلك الحين.
هذه الأحداث هي التي أوحت للمثقف الألماني بالانكباب على دراسة أحوال المد والجزر التي تصيب الحضارات البشرية بما في ذلك حضارة الغرب الأوروبي التي رأى أنها سائرة على طريق الدمار.
هنالك شمر المثقف الألماني عن ساعد الفكر والكتابة والتحليل، ورغم اندلاع الحرب العالمية الأولى وما جرته من ويلات على وطنه الألماني وعلى مدينته ميونيخ حيث كانت الكهرباء تقطع خلال الغارات .
ومن ثم كان صاحبنا يواصل الكتابة على ذبالة الشموع.. إلا أن شهر إبريل من عام 1918 جاء ليشهد صدور كتابه الذي أصبح من الكتب التأسيسية في الفكر الفلسفي المعاصر. إنه كتاب «سقوط الغرب.. أو انحدار الغرب»، بعدها تسامع الناس بالكتاب وعرفت أوروبا والعالم اسم مؤلفه، الفيلسوف الألماني «أوزوالد شبنغلر».
* دعوة لمفكري أميركا
أما كتابنا فيدعو الساسة والمفكرين في أميركا إلى وعي الدروس المستفادة التي استقاها وبلورها ومن ثم سجلها شبنغلر في دراسته المذكورة ورغم تغير الظروف بتغير الحقبة الزمنية، إلا أن الدرس المستفاد لأوروبا في الماضي ولأميركا في الزمن الحاضر يكاد يتلخص في عبارات تقول:
ـ ليس هناك تقدم مطرد الخطى بغير انقطاع.. ولا يجب الركون ـ ناهيك بالغرور ـ إلى فكرة أن حضارتنا (الغرب وأميركا) ستظل فائزة.. متفوقة.. صاعدة.. مسيطرة ومن ثم قابضة على مقاليد عالمنا الراهن أو متحكمة بغير منازع في تلك المقاليد.
عند هذه النقطة.. وقرب مطالع الفصل الثالث.. يخطو كتابنا شوطا أشبه بالقفزة الزمنية إذ ينتقل من نظرية شبنغلر الألماني في «سقوط الغرب» إلى نظرية هنتنغتون الأميركي التي ذاعت - كما تعرف - واشتهرت تحت اسمها المعروف «صدام الحضارات».
إن هذا العنوان - كما يوضح المؤلف - يشير بحكم صياغته إلى أن الغرب ليس وحده في مضمار الساحة الإنسانية في زماننا، بل إن حضارته - كما تؤكد النظرية السياسية التي نبعت من جامعة هارفارد ـ أن ثمة نظائر وأندادا ومنافسين نزلوا إلى حلبة الصراع والنزال إلى حد الصدام مع الغرب.
وهو ما يفند مقولات ذاعت من قبيل الوصول إلى مرفأ اسمه «نهاية التاريخ«، كما يذهب إلى ذلك فوكوياما أو تنميط البشرية وتحويل كرة الأرض إلى جسم مسطح متساو تحت شعار اسمه «العولمة» على نحو ما يذهب إليه توماس فريدمان.
التاريخ - عند مؤلف الكتاب - لا يسير وفق خطوط مستقيمة بل هو عبارة عن دورات انتظمت كل منها إحدى الحضارات الإنسانية التي قامت ونشأت وعاشت ونضجت وازدهرت ثم آلت إلى اضمحلال وخفوت ثم إلى أفول واندثار.. لهذا آثر المؤلف أن يختار للفصل الثاني من كتابه العنوان التالي: «دورات التاريخ».
وهو يحيل قارئه منذ بداية البحث إلى رؤية الفيلسوف الألماني شبنغلر الذي تعامل مع تاريخ الإنسان فوق الأرض من خلال دورات انتظم في سلكها 8 حضارات كبرى يوردها كتابنا (ص27) على النحو التالي: حضارة الغرب، وحضارة اليونان - الرومان، وحضارة الهند، وحضارة بابل وحضارة الصين، وحضارة مصر القديمة، والحضارة العربية، ثم حضارة المكسيك.
ويقول عن كل من هذه الدورات التاريخية ما يلي: أن كلا من تلك الحضارات (أو الثقافات) العظيمة كان لها رؤيتها الخاصة المتميزة للعالم انطلاقا من النظرة الفلسفية التي كانت تنطلق منها.. وكان لها أيضا نهجها الخاص إزاء الإبداع الفني.
وكانت لها علومها وأساليبها التقنية بل كان لكل منها أسلوبه وتحصيله في مجال علوم الرياضيات على وجه الخصوص (تأمل مثلا الرياضيات ما بين أمحتب في مصر القديمة وفيثاغورث عند اليونان والخوارزمي عند العرب - المسلمين إلى علماء الهند الذين كانوا أساتذة في علوم الجبر والحساب).
وسواء صحت نظريات شبنغلر بشأن «سقوط الغرب» أو خالطها قدر كبير من التشاؤم الفكري أو التوجس الفلسفي، فالحاصل أنها أدت - كما يوضح مؤلف كتابنا - إلى أن بدأ مثقفو أوروبا مع مطالع القرن العشرين في مراجعة واقعهم.
وكان واقعا استبدت به تناقضات المجتمع ولاحت بين طياته نذر صراعات كونية عبرت عن نفسها في حربين عالميتين جلبتا دمارا لم يسبق له مثيل على مستوى العالم كله، فيما كان ماضيهم الأوروبي في معظمه مسودا بصفحات من السيطرة الاستعمارية والاستغلال الإمبريالي - الرأسمالي الذي أدى إلى نهب وقهر عديد من شعوب آسيا وافريقيا على وجه الخصوص.
* التحدي والاستجابة
عندما ظهر كتاب «سقوط الغرب» لأول مرة في مكتبات لندن.. بادر إلى اقتنائه أكاديمي انجليزي شاب كان يعد نفسه وقتها لدور بارز في دراسة علم التاريخ وكان اسمه أرنولد توينبي.
الأستاذ الإنجليزي اليافع كان وقتها في حدود الثلاثين من عمره (من مواليد عام 1889 وهي سنة ميلاد اثنين من رواد ثقافتنا العربية وهما طه حسين وعباس العقاد).
وجاءت قراءاته لفكرة دورة الحضارات لكي تحفزه على صياغة نظرية جديدة في تفسير حركة التاريخ الإنساني تحت شعاره الأثير: التحدي.. والاستجابة.
بمعنى أن التقدم البشري - عند أرنولد توينبي - يبدأ بتحديات تستنفر طاقة العزم وهمة الابتكار عند الأمم الحية والأفراد الموهوبين.. ومن ثم يشرعون في الاستجابة التي تبدأ بمراحل الكمون والتأمل والتدبر ومراجعة ما فات واستيعاب الأخطاء وبلورة الخبرة واستثمار التجارب التي سبقت .
ومن ثم يكون الانطلاق إلى حيث تكون الاستجابة موازية لمستوى ونوعية التحدي المطروح.. ومن خلال تفاعل هذين القطبين تتم معادلة التقدم البشري.
وتلك تجربة خاضتها شعوب وأمم شتى.. كان من بينها بطبيعة الحال الأمة التي استضاءت بنور الإسلام ونعمت بسماحته واستنارته وصنعت - بل شيدت حضارة عربية - إسلامية أولاها المؤرخ أرنولد توينبي في عمله الموسوعي الشهير «دراسة في التاريخ« كل اعتبار واحترام.
ومرة أخرى يمارس المؤلف لعبته الفكرية المفضلة: ويحاول أن يغطي مراحل التاريخ المعاصر قفزا حيث ينتقل بقارئه من أجواء أرنولد توينبي الذي كان ملء السمع والبصر على مدار النصف الأول من القرن العشرين (توفي عام 1981) إلى حيث يقف بنا المؤلف عند الرجلين والكتابين اللذين يستغرقان اهتمامه خلال الفصول الثلاثة الأولى من هذا الكتاب: الأول اسمه - كما ألمحنا - فرانسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ» والثاني اسمه - كما أسلفنا أيضا - توماس فريدمان في كتابه «الليكسوس وشجرة الزيتون».
* المفكر والصحافي
الأول مفكر تخرج من اثنتين من الجامعات المرموقة وهما «كورنيل وييل» حيث درس - يا للغرابة - الأدب المقارن ولكنه ما لبث أن تحّول بمسار الدراسة إلى أن حصل على دكتوراه العلوم السياسية من «هارفارد» حيث تخصص في موضوعين كان لكل منهما دلالة خاصة بالنسبة لدارسي السياسة، ومن ثم ممارسي الدبلوماسية في الولايات المتحدة وهما: موضوع الشرق الأوسط. وموضوع السياسات السوفييتية.
ورغم هذه الخلفية الأكاديمية الشديدة التميز، إلا أننا - كعرب ومسلمين - نرى أن فوكوياما لم يكن متعمقا بما فيه الكفاية أو على الأقل بما كان خليقا بأستاذ ظلوا يعدونه مفكر السياسة الخارجية الأميركية.
وذلك حين أطل على عالم الإسلام والمسلمين: أولا لأنه يصنف الإسلام الدين والحضارة تحت مقولة «البدائل الآسيوية» وثانيا لأنه يفتعل - كما نتصور - نوعا من المقابلة أو المفارقة بين الإسلام وبين ما يسميه النزعة اللبرالية.
أما كتاب فريدمان فقد ظهر عام 1999 مبشرا بانتشار - بل نقول استشراء «العولمة» (غلوبالزم) الظاهرة التي أوقف الصحافي الأميركي الشهير كتاباته وربما جهوده وحياته على الاحتفال بها والترويج لها إلى حد التهليل والتبرير في بعض الأحيان:الليكسوس عند فريدمان ـ كما يوضح مؤلفنا ـ رمز لكل طموحات سكان المعمورة في الارتقاء بحياتهم وإشباع احتياجاتهم وتطلعاتهم باستثمار منجزات العلم والتكنولوجيا.
شجرة الزيتون يرمز بها توماس فريدمان إلى ما جلبته العولمة من أواصر رآها تربط بين البشر على مستوى المعمورة.. وفي هذا ينقل كتابنا عن فريدمان وصفه لها في عبارات بليغة تقول:
- إنها كل شئ يصنع جذورنا، ويعمّق وجودنا ويحدد هوياتنا ويعين لنا المواقع التي نشغلها فوق ظهر البسيطة.. سواء كنا نعيش في كنف أسرة أو وسط جماعة أو بين صفوف قبيلة أو كنا ننتمي إلى أمة أو نعتنق عقيدة دينية.
وهكذا يستهل المؤلف رحلته مع قارئيه على ضفاف الفلسفة التي بدأت من حضارات الماضي وأوصلت إلى عولمة الحاضر مع ذلك فالمؤلف شغوف بحكاية الصراع المحتدم، وبالضرورة، بين الثقافات والحضارات وهو يخصص للصراع الفصل الرابع من فصول هذا الكتاب.