تمضي هذه الحلقة الأخيرة من الكتاب في سرد حقائق لا تدحض حول النزعة الحربية المسيطرة على تفكير نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني وحول مدى استعداده لضبط إيقاع الواقع السياسي وفق ميوله الأيديولوجية وتطلعاته الشخصية.
إلى حد أن تشيني ومساعديه من غلاة اليمين المتشدد في الولايات المتحدة مستعدون لإخضاع الظروف وليّ عنق الحقائق بهدف ملاءمتها مع أجندتهم السياسية، مستغلين وجود رئيس ضعيف في قمة الهرم السياسي، شبهه مؤلف الكتاب بالمسؤول السطحي الذي تمكن نائبه من وضعه تحت إبطه.
والسير به في مغامرات طائشة حول العالم، أساسها الكذب الذي بات يمثل احدى الصفات الرئيسية التي يتحلى بها تشيني ولا تسبب له ولا لأصدقائه أي نوع من الحرج لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الخارجي، وفي هذا السياق تندرج كل الذرائع التي سيقت لتبرير الحرب على العراق.
كان هنالك دائما بعض الجدل ما إذا كان تشيني أحد المحافظين الجدد الفعليين أم مجرد مقاتل حرب باردة من المدرسة القديمة، وجد أعضاء جدداً للقرن الحادي والعشرين.
لكن لم يكن هنالك أي شك في أن تشيني، إن لم يكن عضوا في خلية المحافظين الجدد، فقد كان زميلاً متنقلاً موثوقاً به. حتى إنه كان يوزع مجلة الحركة، يرسل مساعداً لجلب أكياس من الويكلي ستاندرد، التي كان يحررها مدير مشروع القرن الأميركي الجديد، وليم كريستول، لتوزيعها في البيت الأبيض.
كان هذا هو حال تشيني مع البرنامج، حتى إن بعض مساعدي البيت الأبيض أوحوا بأنه كان مؤمناً أكثر إخلاصاً من بعض المحافظين الجدد البارزين.
بعد عشرة أيام من تولّي الحكومة الجديدة لمقاليد الأمور، وفي أول اجتماع لمجلس الأمن القومي، أصبح واضحاً لوزير المالية بول أونيل أن تشيني ومتشددين وآخرين «كانوا يخططون فعلاً للحرب القادمة في العراق، وشكل البلد بعد صدام حسين».
وفي الحقيقة، فإن تشيني الهادئ والمتكتم عادة قد أظهر، كما قال أونيل، «لهفة لا حدود لها» عندما عرض جورج تينيت صورة جوية بحجم شرشف الطاولة، قال مدير السي آي إيه إنها قد تظهر «مصنعاً ينتج مواد كيماوية أو بيولوجية لتصنيع الأسلحة».
وأوحى أونيل بأن صورة المصنع بدت مثل كثير من المصانع الأخرى في كل أنحاء العالم، وتساءل: «ما الذي يجعلنا نشك في أن هذا المصنع ينتج أسلحة كيماوية أو بيولوجيه لتصنيع الأسلحة؟».
اعترف تينيت بأنه لا توجد «أية معلومات تؤكد هذا»، وهو أمر نسف الجو الذي كان أشبه بحفلة. لكن كما أشار رون سوسكيند، الذي روى تجربة أونيل في «ثمن الولاء» في عام 2004: «ومرت عشرة أيام وأصبح الموضوع حول العراق».
بالنسبة لتشيني كان الموضوع دائماً حول العراق، فقد كان الرجل مصاباً «بحمّى تغيير النظام» ،حسبما قال مساعدوه في الحكومة لبوب وودوورد. فوفقاً لوودوورد، أبقى تشيني موضوع العراق على «نار هادئة» طوال الأشهر الثمانية الأولى من عهد الحكومة الجديدة.
وحتى حين كان تشيني مشغولاً بتشكيل فرق عمله حول الطاقة ومكافحة الإرهاب في أوائل عام ،2001 كان هو ورامسفيلد يبدوان دائماً وهما يوزعان مذكرات بعناوين مثل «خطة لعراق ما بعد صدام»، أو وثيقة الخامس من مارس 2001 بعنوان «الساعون الأجانب إلى عقود حقول النفط العراقية»، والتي بدأت في البنتاغون وانتهت كوثيقة لفريق عمل الطاقة.
لكن إذا كان ذلك وكنا من أركان الإيمان لدى المحافظين الجدد بأن صدام سوف يصبح في النهاية هدفاً، فقد كان ذلك أيضاً عقيدة أساسية للحركة تحتاج إلى الكثير من الجهد لإقناع الكونغرس بالحاجة إلى مهاجمة العراق.
إن ورقة عمل مشروع القرن الأميركي الجديد لعام 2000 بعنوان «إعادة بناء دفاعات أميركا: الاستراتيجية والقوات والموارد لقرن جديد»، أوضحت أنه قد يتوجب على الذين سيخرجون لاستهداف العراق « أن ينظروا لحدث كارثي ومثير جداً مثل بيرل هاربر جديدة».
طبول الحرب
ولم يطل الانتظار، فبعد ثمانية شهور من عمر الحكومة الجديدة، قام تسعة عشر من أتباع أسامة بن لادن، وهو مليونير سعودي كان يمقت صدام مثل مقت أميركا له، برطم طائرات نفاثة في بنايتي مركز التجارة العالمي والبنتاغون في الحادي عشر من سبتمبر 2001.
كان تشيني في البيت الأبيض يوم الهجوم، وعندما اقترح قيصر مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، ريتشارد كلارك، العناصر الأولى للردّ على الأزمة، كان تشيني هو الذي قال بصوت عال: «افعلها».
وفي وقت لاحق عندما اتصل كلارك مع مركز العمليات الطارئة الرئاسية، الملجأ الواقع في الجناح الشرقي حيث أقام تشيني، كتب كلارك يقول: «تلعثم الشخص الذي ردّ على الهاتف، وأعطى السماعة لمايك فينزل، وسألت: من هو المغفل الذي يردّ على الهاتف بدلاً منك يا مايك؟ وكان الجواب: قد يكون نائب الرئيس ديك».
كان تشيني يردّ على المكالمات الهاتفية، يصدر الأوامر، ويتولى المسؤولية، مثلما كان قد تدرب قبل عقدين عندما حددت حكومة ريغان، سرياً، تشيني ورامسفيلد لقيادة «استمرار الفرق الحكومية» استعداداً لهجوم نووي.
كان تشيني مسؤولاً في الحادي عشر من سبتمبر، وفي الأيام التي أعقبت الهجوم مباشرة. وفي الحقيقة فإنه كان لاعباً مهيمناً، إلى درجة أن مساعدي البيت الأبيض أصبحوا قلقين من أن المكانة الثانوية للرئيس قد انكشفت.
وكما كتب جوليان بورغر في صحيفة الغارديان اللندنية يوم 12 يناير 2004 «بعد انتشار التصورات في أوائل فترة الحكومة بأن نائب الرئيس ديك تشيني.
والعقل السياسي المدبر للجمهوريين كارل روف، يصنعان السياسة فعلاً، فإن آلة البيت الأبيض الدعائية كرّست نفسها لترويج بوش كقائد حاسم» - وقام المساعدون الرئاسيون «بتسريب» حكايات للصحافة تظهر أن بوش يتخذ قرارات صعبة. ففي كتاب بوب وود وورد «بوش في حالة حرب» الصادر عام 2002.
والذي استند أساساً إلى مقابلات أجراها صحافي واشنطن ذائع الصيت مع الرئيس ومسؤولين رفيعي المستوى، «ليس هنالك أي شك حول الشخص المسؤول، والبلاد تواجه أكبر تحدّ لها منذ بيرل هاربر».
لكن لم يطل الوقت قبل أن يظهر تشيني من «الموقع المأمون غير المعلن عنه» الذي خصّص له وهو يجدد الشكوك، حسب كلمات بورغر، بأن مصير أميركا بأيدي «حكومة يقودها اسمياً رئيس صوري متحرر من أي التزام، لكنها يحرّكها حرس بريتوري من يمينيين متشددين يقودهم نائب الرئيس ديك تشيني، وهم مستعدون لإخضاع الظروف وليّ الحقائق لتتلاءم مع أجندتهم السياسية».
كانت الحقائق التي ستكون الإدارة في أمسّ الحاجة إليّها في الشهور المقبلة تتعلق بالعراق، فعندما اجتمع كبار المسؤولين الأميركيين في 15 سبتمبر 2001 في كامب ديفيد، كان المحافظون الجدد يفرطون جداً في الحديث عن العراق حتى ان الرئيس، وفق رواية الاستعدادات للحرب.
والتي نشرت في عدد مايو 2004 من مجلة «فانيتي فير»، «قام خلال استراحة الغداء بإرسال رسالة إلى وولفووتيز والمحافظين الجدد الآخرين يقول فيها إنه لا يريد سماع أي شيء عن العراق في ذلك اليوم».
كان الهدف بعد الحادي عشر من سبتمبر سيكون القاعدة، شبكة ابن لادن الإرهابية وليس العراق - وفي الحقيقة فإنه إذا كانت الولايات المتحدة ستهاجم في أي مكان، فإن هذا المكان سيكون أفغانستان، حيث كانت حكومة طالبان الأصولية قد وفرت الملاذ للقاعدة. وكان ذلك رائعاً بالنسبة لتشيني.
فلم يكن نائب الرئيس مهووساً جداً بالعراق إلى درجة أن يهمل هدفاً واضحاً لحرب الحكومة التي أعلنتها مؤخراً على الإرهاب. لكنه كان مهووساً إلى حدّ بدأ معه شنّ حملة لربط القاعدة بالعراق. وكانت عملية صعبة لإيجاد العلاقة، فقد كان أسامة بن لادن وأتباعه يكرهون صدام حسين.
وهو علماني تشمل حكومته مسيحيين ونساء، وكان صدام يخشى المتدينين المتشددين مثل خشيته من كل الحركات التي قد تنظم المعارضة لنظامه الاستبدادي.
التلاعب بالمعلومات
لكن تشيني كان مصمماً، وأصبح زائراً منتظماً للسي آي إيه، حيث جعل شغله الشاغل، كما قال نائب الرئيس في وقت لاحق، «أن يطرح سيلاً من الأسئلة». ويقال إن أحد الأسئلة الذي كرره نائب الرئيس هو: «لماذا لا تدعم استخباراتكم ما نعرف أنه موجود هناك؟» .
عندما لم تقم موظفة تقديم التقارير الموجزة في السي آي إيه بتزويده بالإجابات التي كان يريدها، يقال إن تشيني طالب باستبدالها. قال عضو الكونغرس سيلفستر رييس.
وهو ديمقراطي من تكساس وعضو في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب، في يوليو 2003 إنه عرف عن ثلاثة محللي استخبارات على الأقل، والذين تعرضوا للضغط للفلفة ما توصلوا إليه.
كانت التقارير عن زيارات تشيني المتكررة لمقر السي آي إيه وعن مضايقته للمحللين، مزعجة جداً، حتى إن ثلاثة أعضاء من لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب بعثوا في النهاية رسالة إلى نائب الرئيس تقول:
«هذه الزيارات لم يسبق لها مثيل. فنواب الرؤساء، وأنت واحد منهم، يتلقون في العادة إيجازات من السي آي إيه في مكتبك ولديك ضابط سي آي إيه على علم دائم بالتفاصيل. ليس هنالك أي داع ليقوم نائب الرئيس بزيارات شخصية للسي آي إيه».
عندما كانت السي آي إيه لا تقدم على إقامة العلاقات التي يريدها، بدأ تشيني يعتمد على المعلومات من وحدة استخبارات مستقلة شكلها رامسفيلد داخل البنتاغون، لكن تشيني لم يلجأ أبداً لمكتب الاستخبارات والبحث المحترم جداً في وزارة الخارجية.
حيث حافظ المحللون على نوع من التشكك الصحي، الذي سمح لهم بأن يكونوا مصيبين حول العراق بشكل أكثر استمراراً من السي آي إيه أو البنتاغون.
قال غريغ ثيلمان، الذي خدم كمدير للشؤون الاستراتيجية والعسكرية وانتشار الأسلحة في مكتب الاستخبارات والبحث: «يمكن أن يعتقد المرء أنه إذا كان تشيني نوعاً من الساعي النبيل وراء الحقيقة.
وأنه كان فعلاً يريد الدخول في التفاصيل، فقد كان يمكن له أن يلاحظ أن مكتب الاستخبارات والبحث كان يعاني من خلافات قوية ومطولة حول بعض الأجزاء الهامة من الاستخبارات إزاء العراق. قد تعتقد أنه ربما كان يرغب في السماع منا، لكن ذلك بطبيعة الحال لم يحدث أبداً لأن تشيني لم ينهمك في بحث أكاديمي عن الحقيقة».
أصبح ذلك واضحاً عندما مرّت الشهور التي تلت الحادي عشر من سبتمبر، وأصبح معروفاً عن تشيني أنه يروّج ادعاءات غير مألوفة كانت تبدو دائما وكأنهاً تعود إلى النقطة القائلة بأن العراق، حسبما أخذ تشيني يدعي بعد بدء الحرب بشهور، «كان القاعدة الجغرافية للإرهابيين الذين يهاجموننا منذ سنوات كثيرة، وبخاصة في الحادي عشر من سبتمبر».
أصبح تشيني منبر نظريات المؤامرة الغريبة التي كان قد ثبت بطلانها منذ زمن طويل في مجتمع الاستخبارات. وأوحى بأن العراق ربما كان قد لعب دوراً في التفجير الإرهابي لمركز التجارة العالمي في عام 1993 .
ونشر الخبر بأن محمود عطا، أحد مختطفي طائرات الحادي عشر من سبتمبر، قد اجتمع مع عميل استخبارات عراقي في براغ. وفي كل مرة كان يطلق فيها شكوى جديدة، كانت السي آي إيه أو الإف بي آي أو وكالة استخبارات أجنبية، توضح بهدوء أن ما كان يقوله نائب الرئيس ليس موثوقاً.
وقد كتب الكاتب في نيويوركر سيمور هيرش تقريراً مفصلاً في عدد 27 أكتوبر 2003 من تلك المجلة، كيف أن تشيني قد تم استغفاله من قبل كل شخص، من المحافظين الجدد إلى العراقي أحمد الجلبي. وساءت الأمور كثيراً في نهاية الأمر، حتى إن تقريراً نشر في 17 نوفمبر 2003 في مجلة نيوزويك بعنوان: (كيف روّج ديك تشيني الحرب) :
«لماذا اختار الاستخبارات السيئة وروجّها للرئيس» وجاء في التقرير: استبعد أحد مساعدي تشيني، فكرة أن نائب الرئيس كان على الطرف المتلقي لنوع من الضخ المعلوماتي لأخذ معلومات نصف ناضجة أو زائفة، أو أنه كان بطريقة ما يمثل رغبات المحافظين الجدد أو الأجندات الخاصة لأي شخص آخر.
كان مساعد تشيني على صواب، فبينما كان نائب الرئيس بالكاد خبيراً في الشؤون الواردة، فقد كان من المبالغة بمكان، الافتراض بأنه مغفّل، فبعد تعرية كثير جداً من ادعاءاته حول علاقات القاعدة وأسلحة الدمار الشامل، فإن تصميم تشيني على مواصلة الإلحاح عليها يوحي بأن أدق وصف له هو «الدعائي».
إذ كانت رغبته في الحرب مع العراق محمومة جداً، حتى إنه يمكن أن يحرّف أية حقيقة، ويحرف أي نقاش عن مساره، ويطلق أي ادعاء لدفع «الحجة» للحرب.
طالبت مجلة «التايم» بعد تحليل مستفيض لتحريفات تشيني المتكررة قائلة: «ماذا عن سلوك تشيني وخلفيته التي تجعل منه أشبه ما يكون بكاساندرا.
وهل أدت ترنيمته الحزينة القديمة إلى انحراف أصوات أكثر تناغماً في مجالس السلطة في واشنطن، وإلى دفع أميركا فعلاً إلى الطريق نحو الحرب».
مما لا شك فيه أن الجواب على السؤال الأخير هو «نعم». لكنها لم تكن حملة سهلة بالنسبة لتشيني، فقد كان نائب الرئيس يتعرض في أحيان كثيرة للهجوم كلما حاول أن يقرر نظرياته حول العلاقات الإرهابية وأسلحة الدمار الشامل.
وهذا ما حدث في شهر مارس ،2002 عندما زار عواصم شرق أوسطية لمحاولة حشد التأييد للحرب، فيما اعتقد تشيني أن المحاولة ستكون تكراراً للدبلوماسية الممهدة، التي بنت التحالف لحرب الخليج 1991.
ومن سوء حظ تشيني أن الحجة التي كان يطرحها لم تكن مقنعة أبداً حتى إنه، كما ذكرت الـ «واشنطن مونثلي»، «عاد بعد أسبوع وقد اصطف العرب خلف صدام وضدنا - وهو إرباك كبير للحكومة».
لكن تشيني واصل التحرك، ومع اقتراب تصويت مجلسي النواب والشيوخ في خريف 2002 حول ما إذا كان سيتم السماح باستخدام القوة ضد العراق، وقف تشيني في المؤتمر الوطني للمحاربين القدامى وأعلن ببساطة: «ليس هنالك أي شك في أن صدام حسين يملك الآن أسلحة دمار شامل».
وفي الحقيقة كان هنالك قدر كبير من الشك، وصوت أكثر من 150 عضواً من مجلسي النواب والشيوخ ضد السماح للحكومة بشن الحرب.
وبدا أن شكوكهم قد شارك فيها على الأقل عضو رفيع المستوى من حكومة بوش، حيث كان وزير الخارجية كولن باول، الذي كان قد تحدّى تشيني خلال الأيام التي أدت إلى حرب الخليج الأولى، متشككاً مرة أخرى.
اصطدم باول وتشيني مراراً بعد تصويت الكونغرس. كان باول يريد العمل مع الأمم المتحدة، بينما كان تشيني يريد الحرب. وحين كان باول يستعد لمخاطبة الأمم المتحدة في الخامس من فبراير ،2003 وفقاً لمجلة فانيتي فير في إعادة ترتيبها للأحداث:
كان موظف تشيني يلحّ باستمرار على إيراد معلومات، معينة حول علاقات العراق المزعومة مع الإرهابيين - بما فيها معلومات أصرّ باول ورجاله غاضبين بأنها لم تكن موثوقة.
يقول ريشارد كلارك، الذي غادر البيت الأبيض نتيجة إحباطه من تزييف تشيني للسياسة حول العراق، وتأثير تصرفات نائب الرئيس على الحرب الحقيقية على الإرهاب، إنه لم يكن هنالك أي شك في أن تشيني كان يستغل وضعه الفريد لترجيح الميزان نحو الحرب.
في مارس 2003 عشية الحرب، كان تشيني وليس بوش، هو الذي ظهر في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة إن بي سي، ليقدم الحجة النهائية لقرار كان قد اتخذه قبل سنوات. كانت الولايات المتحدة على وشك تطبيق نسخة من «عملية العقرب» الثانية.
وكان الوقت قد حان لتنفيذ تغيير معاصر لخطة تشيني التي أجلت طويلاً، لتغيير النظام في العراق. بدأ تشيني حديثه، كالمعتاد، بكذبة، فعندما سأله مضيفه تيم روبرت إذا كان القرار قد اتخذ بشن الحرب، أجاب قائلاً:
«حسناً، أعتقد أننا ما زلنا في المراحل النهائية من الدبلوماسية، بصورة واضحة». وتواصلت الأكاذيب، ودون أي حثّ أو تلقين، قال تشيني عن صدام حسين: «إننا نعرف أنه أعاد بناء هذه البرامج (الأسلحة الكيماوية).
ونعرف أنه يحاول مرة أخرى إنتاج أسلحة نووية، ونعرف أن له علاقة منذ زمن طويل مع حركات إرهابية مختلفة، بما فيها تنظيم القاعدة».
ومرة بعد أخرى، خلال المقابلة التي استمرت ساعة، قال تشيني عن الشعب العراقي: «إنهم سيرحبون بنا كمحررين». كان هذا تشيني في ذروة سلطته، يكشف، كما فعل بإيجاز فقط يوم الحادي عشر من سبتمبر، وخلال الأيام التي تلته، أنه كان يتولى المسؤولية كاملة.
كانت لديه الخطة والسلطة لتنفيذها. وبالنسبة لكل اهتمام صادق يمكن التعبير عنه، كان لديه وعد زائف جاهز. ومع تقدم المقابلة، أورد تشيني ذكراً ضئيلا للرئيس بوش، فقد واصل القول:
«نحن». ومع مضي الساعة، لم يعد هنالك أي ذكر لبوش، وأن كلمة «نحن» بدت أكثر فخامة. وأخيراً تساءل روبرت فيما إذا كان المنطق المالي قد يدعو إلى تعليق تخفيضات ضريبية مقترحة للأغنياء لدفع تكاليف الحرب، فقال تشيني:
«إننا لا نعتقد أن هذا هو المسار السليم للعمل، يا تيم. فهذا واحد من تلك الأوقات حين تكون الحرب على الإرهاب مهمة مثل أهمية مشكلة العراق، فإن أمامنا كثيراً من الأعمال. ولا يملك رئيس أميركي في هذه الأيام خيار التركيز على شيء واحد فقط.» .
كان ديك تشيني على هذا الصعيد ميكافيلي راشداً، بعد أن هزم منافسه الخطير الوحيد، رامسفيلد المتظاهر، لتحقيق حالة يضع فيها تحت إبطه ملك ولد يحيل الأمور للوصي على عرشه، لكن تشيني لم يهتم بتطوير المعرفة أو القدرة على تقييم نزيه للمعلومات، والتي كان يمكن لها أن تسمح له بالحكم بحكمة.
كانت الثغرة القاتلة في مخططات تشيني قد تبين أنها تشيني نفسه، فبعد أربع وثلاثين سنة من وصوله إلى واشنطن كمجرّد متدرب، صنع من نفسه أقوى رجل في تلك المدينة وفي العالم بأسره.
كان يملك السلطة ليقرر بين السلام والحرب، وقد اختار الحرب ـ ليس لأنها كانت ضرورية، ولكن لأنها أرضت احتياجاته سياسياً واقتصادياً وعاطفياً. والآن سيموت الناس ـ جنوداً ومتعهدين ومدنيين.
وسوف يتضخم العنف مع مرور الوقت، والذين كان يفترض فيهم أن يستقبلوا الأميركيين كمحررين، أخذوا يشهرون السلاح، وصار الوعد بأمان أكبر أمام الإرهاب.
والذي أطلقه تشيني بطريقة جازمة، ينظر إليه كتبجح سخيف من قبل رجل كان متلهفاً جداً لبدء حرب لم يتوقف أبداً عن النظر في عواقبها.
من بين جميع السلطات التي منحت للرجل الذي يشغل المكتب البيضاوي، ليس هنالك ما هو أشدّ وطأة من سلطة قيادة أقوى دولة في العالم إلى الحرب.
لكن جورج دبليو بوش، الذي قام بحملة لمنصب الرئيس كمحارب متردد، قد أعطى موافقته على خطة رجل آخر لشن حرب استباقية ضد بلد بعيد. لم تكن هذه الحرب حرب بوش وإنما حرب تشيني. ونتيجة لذلك، لم تكن هذه الرئاسة رئاسة جورج دبليو بوش، بل كانت رئاسة ديك تشيني.
لذلك دعونا نسجل هنا أنه في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، في وقت اهتزت ثقة الأميركيين بأنفسهم، أصبح البيت الأبيض مكاناً حافلاً بالمكائد المظلمة والخطرة، فقد كان البيت الأبيض يشغله رئيس ضعيف لا علاقة له بأي شيء،.
وبالاسم فقط، لكن سلطة الرئاسة إلى حدّ صلاحية التخطيط للحرب وشنها، كانت بيد رجل طموح بلا هوادة، لكنه سيئ الإعداد بشكل مأساوي، اسمه ريتشارد بروس تشيني.
المصداقية على المحك
تلقت مصداقية الرئيس بوش ضربة، عندما انكشف أن خطابه عن حال الاتحاد في 28 يناير 2003، شمل ست عشرة كلمة تفترض أن صدام حسين كان قد سعى إلى الحصول على «كميات كبيرة» من اليورانيوم من دولة النيجر في أفريقيا، وكان التوجه قد أورد في الخطاب لخلق الانطباع بأن العراق كان يشكل تهديداً نووياً يتوجب على الولايات المتحدة أن تتصدى له.
كانت المشكلة إزاء «علاقة» العراق-النيجر أن السي آي إيه ووكالة الطاقة الذرية الدولية توصلتا إلى أن الوثائق التي استند إليها الادعاء كانت تزويراً غير متقن وإن لم يكن ذلك كافياً، فإن دبلوماسياً أميركياً مخضرماً كان قد سافر قبل حوالي سنة إلى النيجر وتوصل إلى أن الادعاء مشكوك جداً في صحته.
لكن بوش كان غامضاً بشكل متعمّد في إطلاق الادعاءات حول العراق والأسلحة النووية، بالمقارنة مع ديك تشيني، ففي شهر أغسطس 2002 أعلن تشيني بفظاظة: «إننا نعرف أن صدام قد استأنف محاولاته للحصول على أسلحة نووية».
وبعد سبعة شهور، كان تشيني ما زال يروّج الادعاء. ففي برنامج «واجه الصحافة» على شبكة إن بي سي، وقبيل ثلاثة أيام من بدء اجتياح العراق، قال تشيني عن الزعيم العراقي صدام حسين: «إننا نعتقد أنه أعاد صناعة أسلحة نووية».
كان تشيني، الذي دأب على القيام بزيارات منتظمة إلى وكالة الاستخبارات المركزية ليحثّ المحللين على الخروج بمزيد من «الأدلة» على أسلحة الدمار الشامل العراقية، كان دائماً يبحث عن طريقة تثبت أن العراق كان يعمل على لملمة برنامج نووي.
وبهذه الطريقة، التقى مع السفير جو ويلسون، وهو دبلوماسي أميركي محترم جداً خدم في العراق وأفريقيا. وحتى نكون دقيقين؛ فإن نائب الرئيس والدبلوماسي لم يسبق لهما أن تحدثا أبداً مع بعضهما.
يقول ويلسون مازحاً: «يود نائب الرئيس أن يقول، وقد قال مراراً (إنني لم ألتق أبداً مع جو ويلسون)، وأنا سعيد بالمقدار نفسه حين أقول إنني لم ألتق أبداً مع ديك تشيني».
لكن من المؤكد أن هنالك علاقة بين تشيني - ويلسون، وفي الواقع أن هنالك قصة كلاسيكية حول كيفية عمل جمع المعلومات عندما يسعى عضو من الفرع التنفيذي إلى «أدلة» يقول محترفو الاستخبارات والدبلوماسية إنها ليست موجودة.
يوضح ويلسون كيف بدأ تواصلهما:
«إن ما يجري في مكتب نائب الرئيس - وهذا يحدث عموماً على المستوى الرفيع - أنك تحصل على تقارير مقتضبة منتظمة من موظفي تقديم هذا النوع من التقارير في السي آي إيه. وهي تأتي من الوكالة»، حسبما يقول ويلسون. ويضيف: «إن مقدم التقرير المقتضب شخص يجمع كل القضايا، لكنه ليس خبيراً في أي منها، وهو يجيء ويقدم إيجازاً بها بينما يجلس نائب الرئيس مقابله».
في أوائل عام 2002، وخلال أحد الإيجازات، كان تشيني مرة أخرى يطرح الأسئلة عن الأسلحة النووية العراقية. في هذا اليوم بالذات، قال له نائب الرئيس: «ماذا عن هذا التقرير عن اليورانيوم من النيجر؟
ليس لديك أي شيء حوله». إنه شيء غير ضارّ. فمقدم الإيجاز يأخذ الأمر على أنه قيام بالواجب، ويعود مقدم الإيجاز للعمل وتشق البيروقراطية طريقها، وهي بيروقراطية استخبارات ميزانيتها السنوية 35 مليار دولار.
وهي مرتبطة بالرئيس ونائب الرئيس. كانت طريقة عملهم إزاء هذه الحالة (العراق-النيجر)، أن يستدعوني، ضمن أعمال أخرى، ليسألوني ماذا أعرف عنها، ثم يطلبون مني الخروج والتأكد من المعلومات. اعترف نائب الرئيس بذلك في نهاية الأمر.
قال : «أوه، حسناً، لقد أثرت هذا السؤال مع مقدم الإيجاز، ثم قال لتيم روبرت إن مقدم الإيجاز عاد بعد يومين وقال: ليس لدينا أي شيء، سيدي».
عند هذه النقطة، يقول ويلسون إن الأمور لم تعد منطقية. «الآن لا أعرف شيئاً عنك، لكن إذا كنت أدير مؤسسة ميزانيتها السنوية 35 مليار دولار أو 40 مليار دولار، أسست لتزويدي بالمعلومات، لا أريد من مقدم الإيجاز أن يعود بعد يومين .
ويقول: ليس لدينا أي شيء سيدي. وأعتقد أن ديك تشيني، إن كانت هنالك أية صفة تلصق به، فهي أنه شديد الإلحاح في المطالب التي يطلبها من المؤسسات البيروقراطية ـ لذلك فإنني لا أصدق هذا».
ماذا يعني هذا؟ كيف يمكن لتشيني، الذي يفترض أنه كان مهووساً بإثبات أن العراق يعيد بناء برنامجه النووي، أن يطلب معلومات عن مشتريات العراق من اليورانيوم من النيجر وفجأة يفقد الاهتمام؟
إن أفضل تفسير يتمثل في أنه، بادعاء أنه سمح بموت القضية عندما نبذها مقدم الإيجاز، فإن بإمكان تشيني أن يقول إنه لم يقرأ التقرير الذي وضعه ويلسون حين ذهب إلى النيجر.
وبتلك الطريقة، أمكن لتشيني أن يقول إنه لم يكن على علم بالاستنتاج الذي توصل إليه ويلسون في فبراير 2002، بأن التقرير حول محاولة العراق الحصول على اليورانيوم من النيجر لم يكن موثوقاً.
ولأن تشيني كان يعتمد على علاقة العراق-النيجر للمساعدة في إضفاء الشرعية على إثارته للخوف، فمن المؤكد أنه لم يكن يريد الاعتراف بأنه كان يعرف أن دبلوماسياً رفيع المستوى قد فنّد صدق «الأدلة»، التي كانت تصريحاته تستند إليها.
لم ينطل ادعاء تشيني بأنه لم ير أبداً تقرير ويلسون. فعندما عاد ويلسون من النيجر، قال: «قدمت تقريري عبر القنوات المعتادة وتم توزيعه. لديهم تقرير».
كما أن ويلسون متأكد من أن تشيني رأى التقرير، أو على الأقل تم الإيجاز له حوله.
يقول ويلسون: «إذا كنت في منصب رفيع يؤهلك لطرح السؤال، فإنك في منصب رفيع يؤهلك لأن تحصل على إجابة محددة جداً، بالإضافة إلى التقرير الذي تم تعميمه كنتيجة لزيارتي، فإنني واثق جداً أن نائب الرئيس قد تم الإيجاز له حوله بطريقة أو أخرى». ويقول ويلسون: لدي ثقة كبيرة جداً بأن نائب الرئيس قد تم الإيجاز له، لكنه قرر تجاهل الإيجاز.
عندما بدأ يستعر الجدل حول إشارة بوش في خطاب حال الاتحاد إلى العلاقة بين العراق والنيجر، وذلك في يونيو 2003، انتشر الخبر بأن «دبلوماسياً لم تكشف هويته قد أعطى «تقريراً سلبياً» بالنسبة لادعاء اليورانيوم قبل حوالي سنة من إلقاء بوش لخطابه المصيري.
وفي شهر يوليو، استبعد ويلسون نفسه، نافياً أن يكون «الدبلوماسي الذي لم تكشف هويته» وذلك في مقالة نشرت في نيويورك تايمز، تساءلت: ما هي الأمور الأخرى التي يكذبون حولها؟
التسريب الخطر
في غضون أيام، وفيما قريء كمحادثة لتقويض مصداقية ويلسون، قام شخص من البيت الأبيض بتسريب تفاصيل للصحافي روبرت نوفاك، حول زوجة السفير، فاليري بليم، التي كانت موظفة في السي آي إيه تعمل حول قضايا أسلحة الدمار الشامل.
أدى التسريب إلى تعريض بليم، التي كانت تعمل سرّاً في ذلك الوقت، إلى مخاطر محتملة وهدّد بتدمير حياتها المهنيّة. كما أن التسريب انتهك قانوناً فيدرالياً صادراً في عام 1982 يحظر كشف هوية عملاء الاستخبارات الأميركية.
من الذي كان مسؤولاً عن التسريب إذن؟
إن ويلسون ينتظر العديد من التحقيقات للمساعدة في تسوية القضية. وهو يقول: فيما يتعلق بمن قام فعلاً بتسريب المعلومات، فإن هنالك في الحقيقة عددا ضئيلا من الناس الذين يمكن أن يكونوا قاموا بذلك، وهم أقل مما ذكر الرئيس حين قال إن هنالك عدداً كبيراً من كبار المسؤولين في الحكومة.
والذين يمكن أن يكونوا سرّبوا المعلومات، وفي النهاية يتوجب أن يكون لديك الوسائل، المفاتيح إلى الحديث الذي ربما قام أحد الأشخاص فيه بذكر اسم زوجتي، عن قصد أو بشكل غير مقصود، كما يتوجب أن يكون لديك تصريح أمن وطني وسبب يسمح لك بأن تتحدث عن هذا.
ويضيف ويلسون: عندما تنظر إلى كل هذه الأمور، فإن هنالك قلة قليلة جداً من الناس الموجودين في هذه الحلقة بين الأمن القومي والسياسة الخارجية والسياسات. فأنت بإمكانك أن تحصيهم على أصابع يدين اثنتين فقط.
ـ هل ديك تشيني واحد من أولئك الناس؟
ـ يقول ويلسون: إنه إضافة إلى العديد من مساعدي تشيني؛ فإن نائب الرئيس واحد من أولئك الناس.
