تمضي هذه الحلقة من الكتاب قدماً في طرح تفاصيل جديدة حول الكيفية التي تدار من خلالها سياسات الحكومة الأميركية على الصعيدين الداخلي والخارجي على حد سواء وتقدم أمثلة حية رائعة على مدى تناغم تلك السياسات، التي تشكل في نهاية المطاف سيمفونية يشارك في عزفها الكثيرون.

لكن قائدها شخص واحد يدعى ديك تشيني، الذي يعكس، بلا مواربة، مصالح شركات الطاقة الأميركية ويحرص كل الحرص على تأمين إمداداتها وامتداداتها في الخارج، إلى درجة اعتبار إنتاج النفط والغاز في الهند إحدى الأولويات القومية في سياسة الطاقة الأميركية.

تلك السياسات مجتمعة، حققت ازدهاراً منقطع النظير على صعيد صناعة النفط الأميركية وذلك مرده، بالدرجة الأساسية، إلى ازدياد قدرة الحكومة الأميركية على الإيقاع بين الدول والمناطق النفطية حول العالم.

كما تظهر هذه الحلقة مدى جهل الرئيس بوش بشؤون السياسة الخارجية، رغم الجهود المضنية التي بذلها مساعدوه لجعله يستجمع أفكاره حول العالم.

في ربيع 2001، كانت حاجة كاليفورنيا الشديدة للطاقة قد أوحت بمطالب لعمل حكومي، وكانت شركة «إنرون» تواجه مشكلة. وكان المسؤولون في كاليفورنيا يقولون إن سقف الأسعار الفدرالية على مبيعات الطاقة بالجملة يمكن أن تمنع الاستغلال.

وتضفي الاستقرار على أسواق الطاقة المتذبذبة بقوة، حتى إن بعض الجمهوريين كانوا يقولون إن فكرة تحديد سقف للأسعار مجدية، لكنها يمكن أن تكلف شركة «إنرون» ثروة. والتي وصلت إلى الهيمنة على أسواق الطاقة باستغلال إعادة التنظيم.

كان الرئيس التنفيذي لشركة «إنرون»، كينيث لاي، يعرف أنه يحتاج إلى مساعدة على مستوى رفيع. لذلك رتب للاجتماع برجل كان قد ترأس شركة ذات علاقات تجارية واسعة مع «إنرون»، وكان متلقياً رئيسياً لهبات الشركة السياسية.

وفرّغ نائب الرئيس ديك تشيني برنامجه لاجتماع خاص في 17 أبريل مع لاي فيما يتعلق بما وصفه المساعدون «شؤون سياسة الطاقة» و «أزمة الطاقة في كاليفورنيا». وفي الاجتماع، قام لاي بتسليم تشيني مذكرة جاء فيها:

«على الحكومة أن ترفض أية محاولة ترمي إلى إعادة تنظيم أسواق الطاقة بالجملة بتبني فكرة سقف الأسعار..» في اليوم التالي لاجتماعه مع لاي، أعطى تشيني مقابلة هاتفية نادرة لصحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، تحدث فيها فكرة واحدة متكررة: مفادها أن مسألة سقف الأسعار إن سقوف الأسعار غير واردة.

وأعلن تشيني بفظاظة قائلاً: «إن ذلك ليس ممكناً». ووصف الاستراتيجية بأنها نجدة سياسية قصيرة الأجل للسياسيين.

كان تقدير تشيني حافلاً بالأخطاء، ففي غضون أيام وافقت لجنة تنظيم الطاقة الفدرالية على سقف للأسعار، وهدأت الأسواق، لكن تشيني لم يتوقف عن اندفاعته لتسديد الدين لإنرون.

كانت الشركة التي مقرها في هيوستن تحظى بمستوى معين من اهتمام نائب الرئيس خلال السنة الأولى من ولاية بوش - تشيني، شمل دعماً جلياً لخيارات «إنرون» لمواقف تنظيمية رئيسية، تدخلاً في شؤون حكومة أجنبية، وبناء فريق عمل لسياسة الطاقة يسمح لإنرون والشركات الأخرى التحكم بأمور السياسة بصورة فعلية.

وفي الحقيقة فإن علاقة تشيني مع «إنرون» كانت وثيقة جداً، حتى إن بعض أعضاء الكونغرس بدأوا يتساءلون فيما إذا كان قد تم اجتياز الخطوط الأخلاقية والقانونية، لكن تشيني أقام جداراً حجرياً، ورفض مناقشة مسألة اجتماعاته مع لاي أو الآخرين، وحارب باقي المحاكم لمنع إصدار الوثائق المتعلقة بتلك الاجتماعات.

قال مستشار البيت الأبيض السابق، جون دين: «يقول تشيني إنه يرفض توفير المعلومات للكونغرس كقضية مبدئية. وقال لبرنامج «توداي»: «أريد حماية قدرة الرئيس ونائب الرئيس على الحصول على المعلومات غير المجمّلة والرأي من أي مصدر نريد، وهذا يبدو لي مألوفاً جداً، فقد عملت مع ريتشارد نيكسون».

بعد أقل من عشرة أيام من تسلّمه منصب نائب الرئيس، وبعد أن وعد بأن حكومة بوش تشيني سوف تعيد الاحترام والاستقامة للمكتب البيضاوي، تولّى تشيني مسؤولية فريق سياسة الطاقة التابع للحكومة، مجموعة تطوير سياسة الطاقة الوطنية.

لم يكن هنالك أي مبادرة تهم شركة «إنرون» أكثر من هذه، ورحب تشيني بمشاركة الشركة الفعالة في مداولات الفريق. كان تشيني بالكاد غريباً عن الشركة، فقد كان ترأس «هاليبرتون»، وهي مجمع شركات للإنشاء وخدمات النفط مقرّها في تكساس، والذي ساعدت شركته الفرعية «براون آند روث» في بناء مطار «إنرون» في هيوستن.

كما أن عودته إلى السياسة، بعد أن اختار نفسه ليكون رفيق بوش في التذكرة الانتخابية، استفادت من التبرعات المرتبطة بشركة «إنرون»، التي ساعدت في تمويل حملة بوش تشيني، وتمويل معركة إعادة فرز أصوات فلوريدا، والتنصيب.

واجتمع تشيني ومساعدوه ست مرات على الأقل مع لاي ومسؤولين آخرين من «إنرون»، بينما كانوا يعدّون تقرير المجموعة، الذي وفر الأساس لمقترحات الحكومة لسياسة الطاقة. وعلاوة على ذلك، اجتمع طاقم تشيني مع منظمة ضغط ترعاها «إنرون»، وهي مجموعة الطاقة النظيفة.

ادعى تشيني أن هذا المنفذ لم يعط لإنرون أية فائدة. فقد أعلن حين سئل في يناير 2002: «الحقيقة أن «إنرون» لم تحصل على أية صفقات خاصة».

لكن مذكرة لشركة «إنرون»، اكتشفت بعد تلك المقابلة، أوحت أن الشركة وضعت أجزاء كبيرة من توصيات فريق العمل. عندما اجتمع تشيني مع لاي في أبريل 2001، قام الأخير بتسليم تشيني قائمة رغبات من ثلاث صفحات تشمل توصيات الشركة. وأمر النائب هنري ووكسمان.

وهو عضو رفيع المستوى من الأقلية في لجنة الإصلاح الحكومي التابعة لمجلس النواب، بتحليل للمذكرة أمام التقرير النهائي لفريق العمل، وهو يظهر أن المجموعة التي قادها تشيني تبنّت كل أو أجزاء مهمة من التوصيات في سبعة مجالات سياسية من السياسات التي من أصل ثمانية.

وكان من بينها سبع عشرة سياسة سعت إليها «إنرون» أو أفادت الشركة بشكل واضح، ومنها مقترحات بتوسيع السيطرة الفيدرالية على خطوط النقل، واستغلال السلطة الفيدرالية للمجالات الوشيكة لتجاوز قرارات الولايات المتحدة حول أماكن خطوط النقل.

وتسهيل الحصول على تصاريح لمرافق طاقة جديدة، والحدّ من استخدام القيود على الأسعار. وكان ووكسمان قد كتب إلى تشيني أنه «لا يوجد أي شركة في البلاد سوف تستفيد من خطة البيت الأبيض مثل شركة«إنرون».

وأضاف: «إن الأمور التي انكشفت مؤخراً فيما يتعلق بمدى علاقات «إنرون» مع فريق الطاقة التابع للبيت الأبيض، تبين الحاجة إلى كشف علني كامل».

وفقاً لقانون اللجنة الاستشارية الفيدرالية لعام 1972، يجب على فرق العمل، مثل فريق عمل تشيني، أن تعقد اجتماعات عامة وتسمح للأطراف المعنية بحضورها، وتوفر السجلات للعامة.

وبادعاء الامتياز التنفيذي، واصل تشيني ومساعدوه ووزاراته التصدي للطلبات على السجلات، رغم التحديات القانونية من مكتب المحاسبة العامة والحركات الخاصة. أفرجت إحدى الدعاوى عن وثائق لوزارة الطاقة، والتي بدأت تشير إلى مدى التأثير الذي كانت شركات الطاقة تمارسه على سياسات الحكومة، لكن تشيني واصل عناده.

خدمات تشيني

لم تكن توصيات فريق عمل الطاقة الفوائد الوحيدة التي حصلت عليها «إنرون» من تشيني، فنائب الرئيس وفر عددا من الخدمات الرسمية الأخرى للشركة المضطربة.

إذ تشير نسخ من الرسائل الإلكترونية، التي حصلت عليها «نيويورك ديلي نيوز»، إلى أن تشيني ساعد محاولة من جانب «إنرون» لإجبار مجلس كهرباء ولاية ماهاراشترا في الهند على دفع ما لا يقل عن 3ر2 مليار دولار ذات علاقة بخطة فاشلة بقيمة 9 ,2 مليار دولار لتطوير محطة طاقة.

وجاء في رسالة الكترونية، في 28 أبريل 2001 من مساعد في مجلس الأمن القومي: «خبر جيد أن مندوب شركة «إنرون» اجتمع مع زعيمة حزب المؤتمر الهندي، سونيا غاندي يوم أمس».

بعد وقت قصير من الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001، على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، أجرى تشيني محادثات بالغة الأهمية مع وزير الخارجية الهندي، الذي كانت بلاده، وهي قوة نووية، قلقة من تصميم حكومة بوش على العمل عن كثب مع حكومة باكستان، وهي بلد مجاور للهند ولها تاريخ طويل من العلاقات السيئة معها.

ورغم المخاطر الكبيرة للحرب التي أعلنتها الحكومة على الإرهاب؛ فقد وجد تشيني وقتاً في الثالث من أكتوبر 2003، لإثارة قضية دفع أموال محطة الطاقة مرة أخرى.

وحين كان فريق الطاقة التابع لتشيني ينهي تقريره في أغسطس 2001، تم تغيير مسودة وثيقة لتشمل التوصية بأن يعمل وزيرا الخارجية والطاقة الأميركيان مع الهند لمساعدة ذلك البلد على زيادة إنتاجه من النفط والغاز إلى الحد الأقصى.

كتب ووكسمان في رسالة إلى تشيني: أن «خطة الطاقة لا تناقش هذه التوصية أو توضح السبب وراء زيادة إنتاج النفط والغاز إلى الحد الأقصى في الهند على أنها أولوية قومية أميركية للطاقة. «وقال ووكسمان «إن النص أفاد «إنرون» بتجنيد وزيرين بشكل رسمي في نزاع «إنرون» مع الحكومة الهندية».

بالاستثناء الملحوظ لووكسمان، فإن علاقة «إنرون» ـ تشيني التي قامت بصورة مزعجة حدّت من انتباه الديمقراطيين في الكونغرس.

فقد أعلن السناتور جوزيف ليبرمان أن لجنة، كان يترأسها في ذلك الوقت، سوف تصدر أكثر من 22 مذكرة من مذكرات الجلب يمكن أن تلقي الضوء على علاقات «إنرون» مع البيت الأبيض، لكن تصميم ليبرمان على الحفاظ على نهج «حزبي» حدّ من مدى التحقيق.

ورغم حقيقة أن الزعماء الديمقراطيين كانوا يسيطرون على مجلس الشيوخ؛ فقد بدوا مترددين بإثارة الاتهامات بأنهم ينتقمون من الجمهوريين على ثماني سنوات من التحقيقات في حكومة كلينتون. وكان كثير من الديمقراطيين قلقين من أن فتح نقاش أكثر جدية لشركة «إنرون» يمكن أن يفتح عليهم باب التدقيق.

إن رفض تشيني للتعاون مع المحققين، الذي أشار إليه المؤرخ الرئاسي على أنه جزء من «هجوم واسع على النظام القانوني والدستوري» من قبل حكومة بوش، وفر حجة قوية لتعيين مستشار خاص لمراجعة الموضوع، في حين سمح الكونغرس بانتهاء فترة قانون المستشار الخاص في 1999، ليعطي للمدعي العام الحق في إجراء مثل هذه التعيينات.

لكن المدعي العام جون اشكروفت أنقذ نفسه من المناقشات المتعلقة بشركة إنرون، بعد أن بات معروفا أنه كان قد أخذ تبرعات للحملة من الشركة آنفة الذكر.

لكن مساعديه ظلوا أحراراً في الاتصال. كتب جون كونيرز، الديمقراطي البارز في اللجنة القضائية التابعة لمجلس الشيوخ، إلى وزارة العدل في يناير 2002 يقول: «إن قضية «إنرون» تمثل أحد أكبر أعمال الغش المؤسسي في تاريخ البلاد، واحتمالات تضارب المصالح قوية جداً، حتى انها تستدعي وجود مستشار خارجي يضمن الثقة العامة».

ومن سوء الحظ أن دعوة كونيرز لم تكن ملحوظة خارج صفوف الإصلاحيين الجادين، مثل نائب كاليفورنيا بوب فيلنر، الذي لم تحرز دعوته، «لإحساس الكونغرس» بوجود مستشار خاص، أي تقدم في مجلس النواب الذي كان الجمهوريون يسيطرون عليه.

أدرك كونيرز فيلنر حقيقة أن هناك قضية صراع خطير مصالح أخذت تبرز، لكن لم تكن وزارة العدل أو الكونغرس مستعدين لإجراء ذلك النوع من التحقيق المطلوب لكشف المدى الكامل لخدمة حكومة بوش لشركة إنرون.

كان يتوجب أن يكون ذلك التحقيق واسعاً، لأن العلاقات مع «إنرون» لم تكن تقتصر على مكتب تشيني؛ فمن وزير الجيش توماس وايت.

وهو تنفيذي سابق في إنرون، إلى المندوب التجاري الأميركي روبرت زويلك، الذي كان سابقاً عضواً في المجلس الاستشاري لشركة إنرون، كانت علاقات «إنرون» تمتد في كل أنحاء إدارة بوش، ترسم السياسات حول الضريبة والتجارة والطاقة والبيئة.

كانت كل تلك العلاقات والصراعات تستحق تدقيقا قانونياً ومن الكونغرس. لكن المكان الذي يبدأ فيه التحقيق كان عند باب ديك تشيني. ولو كان هنالك أي أمل حقيقي في كشف المدى الذي وصلت عنده آليات «إنرون» في إفساد السياسة الأميركية في الداخل والخارج، فإن مكتب نائب الرئيس لم يكن فقط مكاناً جيداً للبدء به؛ بل كان نقطة البداية الرئيسية.

جهل بوش

خلال حملة 2000 الرئاسية، شعر رجال جورج دبليو بوش بالقلق حينما يسأل عن الشؤون الخارجية، حيث إن بوش، الذي ظل جواز سفره خالياً من أي ختم للبلاد الأجنبية، لم يكترث أبداً ببقية العالم.

خلال حملته في نيوهامشاير، جلس المرشح مع المراسل السياسي لمحطة تلفزيونية في بوسطن، والذي كان قد أعد أسئلة للمرشح دون إعلام المسؤولين عن الحملة.

وكان مساعدو بوش يتذللّون حين كان الرجل، الذي اقترحوا وضعه مسؤولاً عن أقوى بلد في العالم، يكافح لتسمية المناطق الساخنة في العالم. تساءل المراسل أندي هيلر: «هل يمكن لك أن تذكر اسم المسؤول في باكستان؟».

«الجنرال الباكستاني الجديد، الذي انتخب أخيراً لم ينتخب، هذا الشخص تولى مقاليد السلطة. يبدو أن هذا الرجل سيحقق الاستقرار في البلاد، وأعتقد أنه خبر جيد لشبه القارة».

نعم، لكن ما اسمه؟

كان مؤلماً مشاهدة بوش وهو يكافح متمتماً: الجنرال.. أوه..

السؤال التالي. ماذا عن الهند، وهي قوة نووية أخرى؟

ـ «رئيس الوزراء الجديد للهند، هو...».

وهز بوش رأسه قائلاً: «كلا». إنه لم يكن يعرف اسم الشخص أيضاً. وماذا عن زعيم تايوان، وهي دولة تعهدت الولايات المتحدة بالدفاع عنها ضد كل التهديدات؟

«كلا». كانت الشيشان تتفسخ لتصبح واحداً من أخطر الأماكن على وجه الأرض؟

«كلا».

كان ذلك نهاية قائمة أسئلة هيلر وكانت نتيجة بوش، كما غطيت على نطاق واسع في الأيام التالية (0).

كانت الناطقة الرسمية باسم بوش، كارين هيوز في وضع لا سيطرة لها عليه. أعلنت قائلة: إن الشخص الذي يخوض الانتخابات ليصبح رئيساً يسعى لأن يكون زعيم العالم الحرّ، ليس طامحاً خطراً.

وأضافت أن 9 ,99% من الأميركيين لا يعرفون اسم رئيس الشيشان، لكن رغم كل التبجح، فإن رجال حملة بوش ظلّوا قلقين جداً من عجزهم عن جعل المرشح يستجمع أفكاره حول العالم. وحتى بعد شهور من الإيجازات.

وجلسات التشاور والتعريف بالخرائط ـ وكثير منها كان ديك تشيني قد أشرف عليها ـ فقد ظل هنالك قدر كبير من القلق إزاء الوقت الذي يحاول فيه بوش أن يخاطب السياسة الخارجية. وظل يشير إلى اليونانيين بأنهم «غريشيون»، وإلى أبناء كوسوفو بأنهم «كوسوفاريانز»، وإلى أبناء تيمور الشرقية بأنهم «تيموريون شرقيون».

وظل يخلط بين الدول، يخلط بين أماكن مثل سلوفاكيا وسلوفينيا، اللتين تبدأ كل منهما بحرف (س)، لكن كان لكل منهما علاقات مختلفة جداً مع الولايات المتحدة.

سياسة توسعية

كان نهج مناظرات بوش الثلاث في شهر نوفمبر مع الديمقراطي آل غور، الذي كان الرجل البارز لحكومة كلينتون في عدد من الجهات الدولية، سبباً في ارتفاع ضغط الدم لدى مساعدي بوش. لكن المرشح استطاع أن يخرج من المناظرات سليماً معافى نسبياً.

وفي الحقيقة فإنه فاجأ حتى بعض ناقديه حين قدم إجابة دقيقة بصورة معقولة على سؤال عن نشر القوات الأميركية في الخارج. فبينما كان معروفاً أن كثيراً من مساعديه ومستشاريه ـ بمن بينهم تشيني، وولفو ويتز، ورامسفيلد ـ كانوا يتبنّون العقيدة التوسعية للاشتباك الأميركي مع العالم.

وهي العقيدة التي حضّ عليها مشروع حركة المحافظين الجدد المهم، وهو «مشروع القرن الأميركي الجديد»، فإن بوش لم يكن يبدو كمغامر عسكري تماماً.

وبينما كان «مشروع القرن الأميركي الجديد» قد أرسل رسالة في يناير 1998 إلى الرئيس كلينتون، يدعو فيها إلى تغيير السياسة إزاء العراق لتحقيق الهدف الواضح «لإزاحة نظام صدام حسين من السلطة»، فإن بوش لم يكن يبدو رجل «تغيير النظام».

ففي إشارة إلى غور قال بوش: «إن نائب الرئيس وأنا نختلف حول استخدام الجنود، فهو يؤمن ببناء الدول. لكنني سأكون حريصاً جداً إزاء استخدام جنودنا كبناة دول»، وأضاف «إنني لا أريد أن أحاول وضع جنودنا في كل الأماكن في كل الأوقات. لا أريد أن أكون شرطي العالم».

عندما بدأ غور يتحدث عن كيفية احتياج الولايات المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها القيادية في هذه «الفترة الفريدة من تاريخ العالم»، قفز بوش ليقول: لست متأكداً من أن دور الولايات المتحدة هو التجول في العالم والقول: «هكذا ستكون الأمور».

بدا بوش أشبه ما يكون بالسيناتور روبرت بيرد، الداعية الأشيب من ويست فرجينيا، الذي كان يطلق التحذيرات من قاعة مجلس الشيوخ عن سخافة الغطرسة الامبراطورية، أكثر من أي شخص آخر في مشروع القرن الأميركي الجديد، فقد قال بوش: «إنني لا أعتقد أن دور الولايات المتحدة أن تدخل بلداً وتقول: إننا نتصرف على هذا النحو، عليكم أن تتصرفوا مثلنا».

كان يمكن لبعض الأميركيين، الذين استمعوا لبوش أن يتصوروا، إن كان لهم أي نزعة متفائلة أن هذا مرشح سيجعل من الولايات المتحدة لاعباً مسؤولاً في العالم، بلداً يقبل الاختلافات بين الشعوب ويفضل الواقعية على الحملات الصليبية، ويمكن أن يتصرف على الساحة العالمية بالتعاون مع الدول الأخرى فقط.

ومما لا شك فيه أنهم ما كانوا ليفترضوا خلال أقل من سنتين ونصف السنة أن بوش سوف يقود الولايات المتحدة، دون تأييد من الأمم المتحدة والحلفاء التقليديين في أوروبا، إلى حرب استباقية ضد بلد آخر، ليس بهدف الدفاع عن أميركا وإنما لفرض «تغيير النظام».

كانت المشكلة أن الأميركيين الذين استمعوا لجورج دبليو بوش في أي من مناظراته الثلاث، كانوا يولون انتباههم للطرف الخاطئ من التذكرة الجمهورية.

وكانت المناظرة، التي كان يتوجب على الأميركيين ان ينشدوا لها، هي الصدام الوحيد بين المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس، جو ليبرمان، والمرشح الجمهوري ديك تشيني: فعندما تواجه الرجلان في حرم كلية صغيرة في كنتاكي، أدار المرشحان لمنصب نائب الرئيس مناظرة متحضّرة، أثنى عليها كل من شاهدها واعتبروها أهم مناظرة في الموسم.

فهذان الرجلان، مع أنهما لم يختلفا كل ذلك الاختلاف، بدا أنهما يقولان أشياء مهمة. وكان ذلك ينطبق بشكل خاص على تشيني، حيث أثير موضوع «المسؤوليات» في كل أنحاء العالم. فقد كان ـ عموماً ـ يريد أن يكون معروفا أن الجنود الأميركيين، في ظلّه، سوف ينتشرون في كل أنحاء المعمورة «كمحاربين» لا كرجال حفظ سلام.

وبطبيعة الحال، كرّر مقولته الممجوجة الآن ضد فوائد السلام، وشكا «إننا تحت قيادة بيل كلينتون شهدنا تقليصاً لقواتنا يتجاوز أي شيء يمكن تبريره مع نهاية الحرب الباردة». لكن الموضوع الذي واصل تشيني تناوله فعلاً هو موضوع العراق.

عندما سأل مدير الحوار، بيرنارد شو، تشيني فيما إذا كان سيؤيد «سياسة مميتة» إذا تبين أن الرئيس العراقي صدام حسين يطور أسلحة دمار شامل، أجاب المرشح الجمهوري بلغة تنذر بالشؤم: « قد لا يكون لدينا أي خيار آخر».

ثم بدأ تشيني، كما هي نزعته، بإلقاء محاضرة عن كيفية انحدار الشرق الأوسط نحو الجحيم، منذ أن قام بتسليم المفاتيح للبنتاغون. قال تشيني متذمراً: «عند انتهاء الحرب، كنا قد قضينا على جيشهم، وأعدناهم إلى «صندوق»، كان لدينا تحالف دولي قوي ضدهم.

وكانت هنالك عقوبات اقتصادية فعالة، ونظام تفتيش نشيط جداً، لذلك كان نظام التفتيش، تحت رعاية الأمم المتحدة، قادراً على القيام بعمل جيد، يتمثل في تجريد العراق من القدرة على بناء أسلحة الدمار الشامل، وهو العمل الذي كان صدام يقوم به، والذي لم يتم تدميره خلال الحرب، فضلاً عن العوامل الكيماوية البيولوجية، والبرنامج النووي.

ومن سوء الحظ أننا نجد الآن أنفسنا في وضع بدأ ينقلب علينا، حيث لم يعد التحالف مترابطاً، وقد قامت الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وهما دولتان خليجيتان بإعادة فتح العلاقات الدبلوماسية مع بغداد، كما أن الروس والفرنسيين يعيدون الآن الرحلات الجوية التجارية إلى بغداد، وهو ما يخالف نظام العقوبات الدولية.

وبطبيعة الحال، تم طرد مفتشي الأمم المتحدة ولم يكن هنالك أي ردّ أبداً على ذلك. لذلك فإننا اليوم في وضع موقفنا فيه إزاء العراق أضعف مما كان عند نهاية الحرب».

عراق بلا أنياب

كانت تلك نقطة قابلة لنقاش واسع، فقد كانت سنوات عمليات التفتيش السبع على الأسلحة من قبل فرق الأمم المتحدة ناجحة جداً إذا قيست بأي مقياس نزيه. وفي الحقيقة، فإن سكوت ريتر، وهو عضو أميركي رفيع المستوى في فريق التفتيش على الأسلحة التابع للأمم المتحدة، نبش العراق بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل في التسعينيات، قال:

«إنني أحمل شهادة شخصية طوال سبع سنوات كرئيس مفتشي الأسلحة في العراق للأمم المتحدة فيما يتعلق بمدى فعالية برامج أسلحة الدمار الشامل العراقي، وفعالية مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة في القضاء عليها في نهاية المطاف».

أما السيناتور الأميركي بوب غراهام، الديمقراطي من فلوريدا، الذي خدم كعضو رفيع المستوى من الأقلية في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ قبل انتخابات 2000.

ورئيس اللجنة بعد أن استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ في عام 2001، قال إنه كشخص كان قد قرأ جميع التقارير المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية خلال التسعينات، لم يجد أي دليل على أن مستوى التهديد قد ازداد، كما زعم تشيني.

وفي الحقيقة؛ فإن معظم المراقبين المهمين، اعتقدوا أن العراق بلد عاجز يمثل تهديداً ذا خطورة ضئيلة حتى على جيرانه. وكان العراق بلا أنياب، في حقيقة الأمر، حتى إن كثيرا من شركات العالم الكبيرة، بما فيها هاليبرتون التي رأسها تشيني كانت تتعامل مع صدام لسنوات كثيرة.

لكن تشيني هو الذي كان يعرب عن قلقه «أنه إذا كان صدام حسين يقوم بخطوات في محاولة إعادة بناء القدرة النووية أو أسلحة الدمار الشامل؛ فقد كان علينا أن نولي اهتماماً كبيراً جداً لعملية عسكرية توقف ذلك النشاط».

اختتم المرشح مناجاته لنفسه، وهي من أطول التصريحات في حوار طويل بإثارة الاستهجان حين قال: «لا أعتقد أنكم تستطيعون احتمال وجود رجل مثل صدام حسين يملك أسلحة نووية، في الشرق الأوسط».

في تذكير آخر لسبب ما يمكن اعتباره أسوأ اختيار يذهب إليه الديمقراطيون لمواجهة تشيني، لم يبدأ جو ليبرمان بسؤال المرشح الجمهوري، الذي كان يثير الخوف في برنامج «خمس دقائق قبل منتصف الليل».

حيث أن ليبرمان، وهو أحد أشد الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، وأحد الأنصار المخلصين لمبدأ المحافظين الجدد الذي كان يدعو له تشيني، اصطف في حقيقة الأمر مع خصمه.

فقد قال «إن آل غور وأنا كنا اثنين من الديمقراطيين العشرة في مجلس الشيوخ، الذين خرجوا عن خط الحزب بتأييد الرئيس بوش وتشيني في الحرب (حرب الخليج الأولى)» ووافق «على أننا لن نتمتع باستقرار حقيقي في الشرق الأوسط إلا إذا رحل صدام حسين».

وعندئذ، حوّل بيرني شو الأسئلة، وقام بواحدة من تلك القفزات العرضية التي قالت كل شيء عن المنظور الذي كان ينظر عبره كثيراً في الجدل حول العراق؛ فكانت أسئلته التالية حول سياسة الطاقة، فقال: «كثير من الخبراء يتكهنون باستمرار اضطراب أسعار النفط في السوق العالمية».

وكما جرت الأمور؛ فإن شو لم يكن وحده في ربط الحقيقة الماثلة في أن العراق يقبع فوق أكبر احتياطي للنفط الخام في العالم، بالمناظرة حول سياسة الطاقة. وبعد ثلاثة شهور فقط، كان ذلك في ذهن ديك تشيني، فبعد أن أخذ يعمل من البيت الأبيض، بدأ يصوغ سياسة طاقة جديدة للولايات المتحدة:

وفي الحقيقة فإن تشيني لم يقل إن فريق عمله للطاقة سوف يناقش موضوع العراق. لكن عندما أمرت إحدى المحاكم أخيراً وزارة التجارة بتسليم السجلات التي طالب بها فريق الرقابة المحافظ، جوديشيال ووتش، وفق قانون حرية المعلومات، ظهرت ثلاث وثائق، كانت هنالك خارطة لحقول النفط، وخطوط الأنابيب والمصافي والمحطات في العراق .

وكان هنالك جدولان يبينان مشاريع النفط والغاز العراقية، والمتقدمين الأجانب لعقود حقول النفط العراقية. ولم يكن سراً أن تشيني كان يرى العراق ـ أو على الأخص، حكومة العراق الحالية ـ كقضية تتعلق بسياسة الطاقة.

وفي أكثر الخطب صراحة من قبل أي مسؤول كبير في الحكومة خلال المناظرة قبل تصويت الكونغرس عام 2002، على ما إذا كان يتوجب السماح باجتياح ذلك البلد، قام تشيني بإعلام المؤتمر الوطني للمحاربين القدامى في الحروب الخارجية في ناشفيل، تينيسي، أن هذه الحرب ستكون في الحقيقة حرباً على النفط.

وبعد التأكيد بأن صدام: كان قد استأنف محاولاته لحيازة أسلحة نووية، قال تشيني للمحاربين القدامى «عندما يتسلح بترسانة من أسلحة الرعب هذه، ويجلس فوق 10% من احتياطي العالم النفطي، فإن من المتوقع من صدام عندئذ أن يسعى إلى الهيمنة على الشرق الأوسط بأسره.

ويسيطر على إمدادات العالم النفطية ويهدد بصورة مباشرة، أصدقاء أميركا في كل أنحاء المنطقة، ويخضع الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى للابتزاز النووي».

كان تصوراً رؤيويا، لا سيما بالنسبة لرجل ربط نفسه بصناعة النفط الأميركية التي أخذت تزداد ضخامة وارتياحاً بسبب قدرة الحكومة الأميركية على الإيقاع بين الدول أو المناطق النفطية.

ومع أن سيناريو تشيني الحافل بالسواد يمكن أن يثبت أنه غير واقعي، فإن قدرته على العزف على المخاوف، التي كان قد أثارها، كانت حقيقية جداً فعلاً. لكن سياسات النفط واقتصاد صناعة النفط التي تعهد بها تشيني وجورج دبليو بوش، لم تكن كفيلة بتفسير مشاعر ديك تشيني إزاء الحرب على العراق.

كان العراق بالنسبة لتشيني أكثر من مصدر جذاب للعائدات لشركات مثل هاليبرتون. وكانت تنحية صدام حسين مشروعاً شخصياً يراود نائب الرئيس منذ زمن طويل. وكان من الصعب إضافة المزيد من الخطوط التي رسمت بالضبط بين النفط والانتقام، بين السياسة والأيديولوجية، وبين الحقيقة والخيال.

لكن لم يكن هنالك أي شك، حسبما قال الصحافي بوب وودورد في كتابه «خطة الهجوم» 2004، وهو كتابه الذي حفل بتمحيص مطول لاستعدادات الحكومة لاجتياح العراق في ربيع 2003، إن تشيني كان «قوة ساحقة» تدعو إلى الحرب.

ولم يكن هنالك أي شك في أن تشيني كان يملك القدرة على توجيه الرئيس وبقية أفراد الحكومة ـ الذين زرعهم نائب الرئيس مع حلفائه المحافظين الجدد ـ في الاتجاه الذي اختاره. وكما أشار الكاتب جيمس مان في «صعود آلهة النار»:

«كان اختيار تشيني ذا أهمية بالغة للتوجه المستقبلي للسياسة الخارجية، فقد تجاوز أي قرار آخر اتخذه بوش لتقرير طبيعة الحكومة التي سيقودها وسياساتها».

ووضع محرر ويكلي ستاندرد، وليم كريستول الأمور بصورة أكثر براعة حين قال: «عندما يتحدث تشيني، فإنه كلام بوش». وحول موضوع العراق، يبدي تشيني الحذر عادة وكأنه يتحدث طوال الوقت.

شركة إينرون... شبهات بالفساد