يعش، ثمانين حولاً، لا أب لك يسأم . ذلك هو لسان حال شاعرنا العربي الذي خبر الحياة بحلوها ومرها علمته دروسا وحكما وعبرا في زمن غابر مضى، ولكن ماذا يقول محمد راشد التميمي أول معلم في مدينة العين الذي جال عددا من الدول العربية والأجنبية ليكتسب خبره تعينه على مواجهة أعباء الحياة وتكون أيضا مادة يتعلمها الأبناء عن الآباء؟
محمد راشد التميمي الذي ألقى بأعباء 80 عاما على مقعده يتكئ على عصاه التي باتت رفيقة يومه، يشحذ قواه الذهنية ليستعيد شريطا طويلا مرّ عبر جامعة حياته ومسيرة العلم والتعليم فيها.
يقول : لقد تغير كل شيء من حولنا، ونحمد الله على نعمه وخيراته كل شيء متوفر والعالم بات قرية صغيرة، بل انه شريحة صغيرة على قرص مدمج أو شبكة الانترنت وخبر مصور تتناقله الفضائيات خلال لحظات، فيما كنا سابقا ننتظر عدة أيام بل أشهراً لنسمع بخبر أو نقرأ قصة أو حدثاً ما.
التميمي الذي تلقى أول حروف العلم والمعرفة في مسقط ثم تابع جزءا منها في البحرين غادر بعدها للسعودية في محاولة لإتمام تعليمه وهناك وجد تشجيعا من عمه الذي قام بإرساله إلى مدينة اربد الأردنية حيث نال منها الشهادة الثانوية ثم عاد مرة أخرى إلى السعودية ليلتحق في جامعة الملك عبد العزيز بن سعود التي كانت أول جامعة تفتتح هناك،
درس فيها عامين ولم يكملهما حيث أخذته تكاليف العيش والحياة ليعمل هناك بشركة النفظ العربية الأميركية «ارمكو» والتي كان يرأسها حينذاك جورج شولتز الذي أصبح فيما بعد وزيرا للخارجية الأميركية وريتشار ميرفي.
موعد مع الملك
ويروي التميمي انه في أوائل العام 1949 عمل مسؤولا عن الأمن في مستشفى الظهران، وذات يوم جاء الملك عبد العزيز بن سعود رحمه الله وأقام مخيما خلف مطار الظهران وقام بجولة تفقدية وطلب مترجما فقدمني له احد المساعدين وقمت بالمهمة على أكمل وجه، وقالي لي الملك بعدها نريد ان نأخذك معنا إلى الرياض وافقت على ذلك شريطة ان يكون ذلك بعد انتهاء عقدي مع الشركة،
وفي اليوم التالي أرسل لي الملك هدية خاصة عبارة عن بشت وغترة والعقال السعودي «شطفه» ومعها ألفا ريال، وكانت فرحتي كبيره حيث ذهبت إلى المصور وارتديت البشت والشطفه وأخذت صوره تذكارية أرسلتها للأهل ومازلت احتفظ بها حتى الآن.
وفي المرحلة الثانية من رحلة التميمي في جامعة الحياة عندما التحق في العام 1953 بإدارة التربية والتعليم السعودية التي كان يرأسها حينذاك ريتشادر ميرفي الذي أصبح وزيرا للخزانة الأميركية فيما بعد وذهب التميمي إلى كاليفورينا حيث درس هناك اللغة الانجليزية بتعمق.
دعوة زايد
بعدها بعام يقول التميمي: تغير مجرى حياتي مره أخرى، حيث علمت من عمي بأن الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله - حاكم العين حينذاك يطلبني شخصيا لمقابلته وتكليفي بمهمة تعليم أبناء المنطقة فلبيت الطلب وانتقلت إلى مدينة العين، حيث أمر سموه ان اسكن في قلعه ابن عباد في منطقة المويجعي،
وتابع التميمي بدأت رحلتنا الأولى مع التعليم حيث طلبت مكانا للمدرسة تم تجهيز غرفتين لتكونا مقرا للمدرسة الجديدة، وطلبت من الشيخ زايد ـ رحمه الله توفير بعض الدفاتر والأقلام حيث كلف شخصا اسمه هلال القبيسي بتأمين اللوازم من إمارة دبي أو من أبوظبي.
ويذكر التميمي انه وضع المنهاج بنفسه لتدريس اللغة العربية، القرآن، مبادئ الحساب مستفيدا من المنهاج الكويتي الذي كان متوفرا حينذاك.
طلاب زمان
اما طلابه في تلك السنة، فكان منهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله الذي كان يحرص على تشجيع الأولاد على الدراسة وكذلك الشيخ احمد بن مبارك وسمو الشيخ سلطان بن زايد، والشيخ سرور بن محمد آل نهيان، وعدد من معارف أبناء الشيوخ والقبائل في المدينة، ويقف التميمي لحظة
وهو يتذكر تلك الأيام الخوالي مع رحلته في جامعة الحياة ليقول: لقد كان الطلاب أيام زمان اكثر اقبالاً والحاحاً على تعلم كل شيء، كانوا يؤدون واجباتهم بانتظام وكانت الحياة صعبة والإمكانات محدودة، اما الآن فقد تغير كل شيء من حولنا، لقد كانت مدرسة الفلاحية هي أولى محطات التعليم ومنها انفتحت الأبواب للدخول في عالم جديد.
ويذكر التميمي انه في العام 1958 افتتحت الحكومة البريطانية مدرسة نظامية في ابوظبي سميت بالمدرسة الفلاحية حيث أمرنا الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان رحمه الله - حاكم ابوظبي حينذاك بالانتقال للمدرسة الجديدة حيث كان الشيخ زايد في ذلك الوقت موجودا في أميركا وأخبرت الشيخ خليفة بالموضوع فأمر رفاقه بالتوجه إلى ابوظبي وقضينا يومين على الطريق،
وهناك قابلنا الشيخ شخبوط الذي اعطاني كتاب التعيين وقدمته لمدير المدرسة حينذاك واسمه احمد الخطيب حيث كنا خمسه مدرسين اذكر منهم محمود ابو اصبع، محمد الخطيب، محمود الخواجة، ومهدي الحاج، وهاشم عطية وبعد سنتين من ذلك عدنا مره أخرى إلى مدينة العين حيث أسسنا أول مدرسة نظامية عام 1960 هي مدرسة النهيانية
حيث كان أول مدير لها هو زهير أبو الأديب وكان من أوائل المدرسين الذين قدموا إلي مدينة العين. ويذكر ان مرتب المعلم آنذاك يتراوح بين 200-300 روبية، إما هو فكان راتبه 500 روبية. ثم انتقل التميمي للحديث عن مرحلة جديدة من حياته حيث يقول: انه بعد ان امضي سنوات طويلة في سلك التعليم، انتقل بعد ذلك للعمل في ديوان صاحب السمو ولي عهد ابوظبي،
حيث أوكلت له مسؤولية الإشراف على مستودعات المزارع، وبعد دمج الدائرتين لصاحب السمو رئيس الدولة وولي العهد بدائرة واحدة هي الدائرة الخاصة انتقل للعمل سكرتيرا لوكيل الدائرة حيث بقي فيها لغاية العام 1996، وقد حظى بعد ذلك بنيل شرف الفوز بجائزة خليفة للمعلم.
أداء الرسالة
يقول التميمي، لقد قضيت رحلة ممتعة في جامعة الحياة منها تعلمت وفيها علمت، لقد قمت بأداء أشرف مهنة ورسالة كمعلم اقتداء بقول رسولنا الكريم خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وكنت سعيدا بأني حظيت بمكرمة زايد رحمه الله لأكون معلماً لنجله الأكبر خليفة وشرف ان أكون أول مدرس نظامي.
وأضاف التميمي رحلتي مع الحياة طويلة ومازالت مستمرة حيث نلت عام 1997 جائزة خليفة للمعلم تقديرا لجهودي في خدمة التربية والتعليم.
شاهد عصر
يقول التميمي لقد كنت شاهداً على مرحلة مهمة في نهضة العلم والتعليم في دولة الإمارات وكذلك نهضتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لقد حرص زايد رحمه الله على تنمية الإنسان واستثمار الموارد البشرية، كان يؤمن رحمه الله بأن العلم نور وحياة وهو الوسيلة للتقدم والتطور فخرج به إلى واقع ملموس وحقق كل الآمال والطموحات انطلاقا من إيمانه الراسخ بأن العلم والرجال أبقى من المال.
في رحلته مع جامعة الحياة، يؤكد التميمي ان التعليم قد شهد تطورا كبيرا في مختلف المجالات وباتت التقنيات الحديثة ميزته، ومخرجاته لم تعد تقليدية وطلاب اليوم يمتلكون مغريات كثيرة، والفتاه الإماراتية كان لها حضورها وأقبلت على التعليم وأخذت دورها.
وأكد التميمي انه سعيد بمهنته ورسالته ودوره الذي قام به لا سيما عندما يرى طلابه وأنجاله في مواقع قيادة الدولة والمجتمع، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية مواكبة التطور العلمي المتسارع فالعلم في كل يوم هناك ما هو جديد.
نشيد للوطن
وفي آخر محطة لنا مع «بو سعيد» قبل وداع حواره، يعود ليخلد لذكرياته، عبر نشيد ألفه للمدرسة كان الطلاب يرددونه وتذكر منه:
نحن لا نرضى الجمودا
لا ولا نرضى القيودا
نحن فتيان الجزيرة
نحن شبان كرام
قد ورثنا المجد قدماً
في الورى من عهد عاد
يا شباب المجد حيوا
زايد أزكى تحية
واقتدوا به وهبوا
فهو منال للحميه
حوار ـ داوود محمد:



