اعتادت أعين الناظرين أن تلحظ في زوايا المراكز التجارية أشخاصاً تستوقفهم بعض الكتب أو المجلات أو الموضوعات فيتصفحونها في عجالة وفي قليل من المرات يأخذونها معهم إلى البيت، حتى أصبح ذلك المشهد متكرراً لأناس ربما يأتون إلى تلك المراكز غير آبهين بما فيها مما لذ وطاب أو أبهر الموجودين بجماله وأناقته، ولا يجدون المتعة إلا مع أكوام الكتب والمجلات التي يطالعون بعضها ويكتفون بأجزاء وملخصات قد تشفي صدورهم ثم يعودون إلى بيوتهم وقد تسوقوا شيئاً واحداً وهو المعرفة أو الثقافة.

المراكز التجارية لم تقتصر فيما توفره على الماديات وحسب، ففي معظم تلك المعالم تحجز مئات أو آلاف الكتب والمجلات أماكن لها، وجمهورها ثلة قليلة بين جموع استهوتهم التقنيات والحداثة في كل شيء فصار اللهو والتسوق الروتيني مقصدهم من دون تردد، وفي المقابل يجد آخرون ضالتهم بقراءة بعض ما يتوفر من كتب ومجلات كثيرة وبلغات متعددة.

في «مول أبوظبي» والجمعية التعاونية تحديداً انتشرت رفوف كثيرة فوقها الآلاف من الكتب والدوريات، والصورة تشير إلى إقبال محدود من الجمهور قياساً بالسلع الأخرى الموجودة تحت سقف ذلك المكان، ولكن وعلى محدودية من يتوقفون بين الرفوف تلك فإن ما يتاح لهم من معلومات ومعرفة مجانية كفيلة بأن تسجل ضمن قائمة المصادر المزودة بالثقافة خارج إطار الحدود أو القيود، فهي كتب ومجلات معروضة لكل من يرغب ولا تقتصر على جيل دون آخر أو أبناء جنسية محددة، فالأبواب مشرعة لكل من يطلب المعرفة أو المعلومات ولا مقابل في ذلك.

جمال موسى عمره في حدود الأربعين ويعمل سائقاً خاصاً يؤكد أنه يتابع الصحف بشكل يومي، وعندما يجد وقتاً في يوم إجازة يأتي إلى المراكز التجارية فقط من أجل القراءة ومتابعة الكتب والمجلات الأسبوعية، ومع صفحاتها ينسى الوقت فإذا به يبقى واقفاً يقرأ لساعات كما يقول.

ويضيف أن أكثر ما يشده المواضيع الإنسانية والاجتماعية، ويجدها كثيراً في المجلات المتنوعة العربية والدولية التي تأخذ مكانها على رف المكتبات، وبالنسبة للأمور السياسية فهي موجودة في الصحف اليومية التي يطالعها كل صباح، ويشير إلى أن غالبية من يتوقفون بين كم الكتب والمجلات يكونون في أعمار فوق الثلاثين، وتجدهم يستمرون في تقليب أوراق بعض الكتب والمجلات والتي ربما تروق لهم عناوينها أو أغلفتها.

ويوضح أنه وكونه يتواجد في ذلك المكان باستمرار فهو يلاحظ أن الشباب الصغار ينسجمون مع كتب الفن والمجلات أكثر من غيرها، وبالنسبة للمواضيع الأخرى التي تتناولها بعض الكتب فمن النادر جداً أن تجد شاباً قريباً منها، فالتقنيات وعجائبها الحديثة سرقتهم عن واقع القراءة والمطالعة.

في المكان نفسه تواجد شابان أحدهما مراد النتشة البالغ من العمر 31 عاماً، والآخر أحمد عدوان وعمره 21 عاماً، وكلاهما يعملان في أشغال خاصة، أجابا أن هذا الركن المختلف في المراكز التجارية دائماً يستهويهما، فهو الأفضل كونه يوفر المعرفة والثقافة العامة في أمور تهمهما.

وأضاف انه ونتيجة لمجال عملهما فإن السيارات تستحوذ على فضولهما في المعرفة عن طريق المجلات العالمية المتنوعة، وفي مكتبات المراكز التجارية تتوفر معلومات متنوعة عن السيارات والتقنيات الحديثة وعالم الفن والأبراج، وبالنسبة للشباب عموماً فيتوقفون عادة لقراءة مثل هذه المواضيع المرغوبة لديهم، ولا سيما أبراجهم وأبراج الطرف الآخر، ويأتي إلى هنا أناس من مختلف الجنسيات نظراً لتعدد لغات الكتب والمجلات المعروضة، كما أن أغلب القارئين من الذكور وبالنسبة للمجلات فتستحوذ على اهتمام الشريحة العظمى من الجمهور.

محمد سليمان موظف حكومي لفت نظره كما يقول الكم الهائل من الكتب فجاء يتفحص تلك التي تعنى بالأطفال، فإذا وجد الكتاب الذي يمتع أبناءه الصغار اشتراه، قائلاً: إنه يقرأ من الكتاب فهرسه ليتعرف على موضوعاته، ومن كتاب إلى آخر يضيع الكثير من الوقت دون أن يشعر، وخصوصاً إذا أعجبه موضوع معين فينسجم معه ويتابع بعض ما يمنحه أن يقرر الاستغناء عنه أو شراءه.

بينما المهندس أمين عبدالرحمن يؤكد أنه يزور كثيراً المكتبات العامة، ويستمتع في متابعة الإصدارات الجديدة للكتب، لاسيما تلك التي تخدم مجال عمله أو يرغبها أطفاله، وفي المراكز التجارية يتوقف كلما أتى إليها في الجناح المخصص للكتب المعروضة، ويكتفي غالباً بقراءة عناوينها ومحتوياتها.

ويضيف أنه قليلاً ما يتعمق في قراءة الكتاب واقفاً في المراكز تلك، لأن المكان لا يساعد بأجوائه المزعجة على ذلك، موضحاً أن معظم القارئين يذهبون إلى المجلات العالمية حيث تتوفر الأسبوعية والشهرية والفصلية منها، والكثير من القراء يتابعون مجلات معينة ويأتون بهدف متابعة عددها الجديد، إذ إن «مكتبات» المراكز التجارية تعفيهم من دفع الفلوس وتوفر لهم أصنافاً متنوعة من وسائل المعرفة تلك، لذلك ترى الازدحام دائماً في ركن المجلات.

ويعلق الأديب والقاص محمد محيي الدين مينو باعتبار تلك الأجواء لم تصل إلى حد الظاهرة بعد، فالقارئ المحترف هو من يفعل مثل هذه التصرفات، ولكن أجواء المراكز التجارية لا يمكن أن تكون محلاً للمعرفة وللفائدة، فالوطن العربي بشكل عام يفتقر إلى مثل هذه المراكز أو المكتبات التي تتيح للشخص قراءة أو تصفح الكتاب في أجواء ممتعة يتخللها فنجان قهوة أو شاي، وبهذه المواصفات يوجد مكانان فقط في العالم العربي وهما مركز الكتاب في الشارقة ومركز القراءة في الأردن.

ويضيف لا يمكن تسمية من يقرأ فقط عناوين أو محتويات الكتاب بالمتعلم، إلا إذا تمكن من قراءة بعض موضوعاته، فإذا انخرط القارئ في تفاصيل وأفكار الكتاب الذي يقع بين يديه فإنه لا محالة سينال قسطاً من المعرفة، وبالنسبة للتعليم فهو عندنا مفهوم مرتبط بالتربية وللأسف، لذلك فما يحصل أقرب إلى أن يسمى بالثقافة العامة، التي تعرَّف على أنها الأخذ من كل علم بطرف، فهي مجموعة معالم ومعارف، ولكي يصل القارئ إلى هذه النقطة فهو بحاجة إلى أجواء تحفزه على الاستمرار مع الكتاب أكبر وقت ممكن، وهو ما يحتاج إلى مراكز أو أركان مهيأة لذلك.