يعتز المدير التنفيذي لجائزة الشارقة للتميز التربوي،موجه الإدارة المدرسية ببدايات نشأته، المتواضعة مادياً، الثرية تربوياً ومعنوياً، في أحضان أسرة عانت شظف العيش في الماضي ككل الأسر في منطقة «كلباء» لكنها لم تعرف المستحيل فغرست قيم الدين والأصالة والتطلع للغد الأفضل في نفسه فتسلح بالارادة والتحدي الذي «رافقه في غربة الدراسة بالكويت» وأوصله للتميز مدرسا ومدير مدرسة وموجهاً للإدارة ومسؤولاً تربوياً في أكثر من موقع.

يؤكد حسين الجوهري أنه تربي في «جامعة جدته» ومدرسة الأسرة وثقافتها التي تفتقدها مدارسنا حاليا، مطالبا بمنهاج تربوي للثقافة الأسرية تهتم به الإدارات المدرسية التي يجب أن تتخلى عن «أسلوب التمدرس» في الإدارة لأنه من وجهة نظره جهد لا يواكب العصر ويتعارض مع مفاهيم التخطيط والتنظيم والإشراف والنظرة المستقبلية التي تحتاج 80% من تلك الإدارات إلى تعزيزها.

تساؤلات واجابات حملتها سطور تذكرها المدير التنفيذي لجائزة الشارقة للتميز التربوي وجاءت على النحو التالي:

ـ أين وكيف كانت البدايات الأولى للتلميذ حسين الجوهري؟

ـ ولدت بين الجبل والبحر في غابة التضاريس الجميلة خورفكان بالشارقة وكانت البدايات الأولى كتلميذ في الكويت حيث هاجرت الأسرة عام 1968 بحثا عن سعة الرزق وفكاكا من معاناة شظف العيش التي عاشها آباؤنا وأجدادنا في تلك المناطق، فالأسرة متوسطة الدخل والوالد يعمل في وظيفة حكومية بسيطة بدخل محدود يكفي بالكاد متطلبات الأسرة، ولذلك كانت الهجرة سمة معظم الأسر في تلك الفترة.

ـ عمل أبناء الجيل الأول لمساعدة الأسرة، فهل كنت واحداً من هؤلاء المكافحين؟

ـ صحيح، ولكن الوالد كفاني هم ذلك فلم أعمل في الصغر وهو مايعد تتويجا لدور الأسرة في تلك المرحلة وفضلا لاأنساه.

ـ عاش كثيرون من أبناء الوطن الغربة عن الوطن صغارا، فهل أثر ذلك في تكوينك النفسي والتربوي؟

ـ كثيرا بالإيجاب وليس بالسلب، فقد ولدت الغربة لدي تحدياً غير مباشر بأهمية النجاح وربت في الإحساس بالمسؤولية وضرورة الانتقال من مرحلة ذات مواصفات معينة «ضعف الدخل الأسري العام إلى مرحلة تحقيق الذاتية والطموح» وان أساعد الأسرة مصدر التربية الأول ومنطلق أي نجاح للأبناء، إلى جانب القناعة الكاملة بأهمية أن تكون هذه المؤسسة الاجتماعية مصدر التربية.

ـ وإذا رجعنا إلى فترة الطفولة وعلاقتها بالتربية، فماذا تقول؟

ـ هي الأكثر تأثيرا في شخصيتي وخاصة الجدات اللائي كن جامعات تربوية في الأسرة حيث كانت جدتي مصدر القوة في العطاء والمحاسبة في التقصير والأمومة في العواطف، ومن كل ذلك تتولد الدافعية لكل شيء في حياة الإنسان.

ـ فلماذا إذاً تراجع هذا الدور الجميل للأسرة في التربية؟

ـ ما تقصده من تراجع يعود لحالة الأسرة أولا ومدى قناعتها بأهمية دورها، والتراجع نتيجة معطيات الحاضر والانفتاح الإعلامي الكبير وظهور العولمة حيث تغير مفهوم دور الأسرة وكذلك دور المدرسة فأصبحت الشراكة واجبة ليست فقط في التعليم ولكن في التربية أيضا ومن ذلك تأتي النظرة لاختلاف الأدوار ولمسؤولية المعلم والبيت لأن ما يفتقده الطالب أحيانا في المدرسة قد يجده في المنزل والعكس.

ـ نعود إلى ما بعد فترة الكويت، متى رجعت من الغربة؟

- نهاية السبعينات مع فترة الدراسة الثانوية في مدرسة سيف اليعربي بكلباء، وبعدها التحقت بجامعة الإمارات وحصلت على الليسانس ثم على شهادتي دبلوم عالٍ.

ـ «العمل» بداية الكفاح الحقيقي أين وكيف كان؟

ـ بدأت العمل مدرسا في مدرسة الخليل بن أحمد في خورفكان بداية الثمانينات بناء على رغبة وليس بحكم التخصص ثم مديرا لمدرستي البراء بن مالك والمثنى بن حارثة وبعدهما للثانوية الفنية في الفجيرة حتى عام 1999فموجها للادارة المدرسية حتى الآن.

ـ وبعد هذا الانخراط الطويل في العمل التربوي، ماذا تعلم حسين الجوهري وما الحكمة التي يؤمن بها؟

ـ رغبتي وحبي للعمل التربوي أفادني كثيرا كمدرس، أصبحت أمتلك مهارات كانت بمقاييسي ناجحة مما جعلني أتميز في عملي، ولم أعرف المستحيل وتلك هي الحكمة التي ورثتها عن نظرات عيون الوالدين حينما كانا يبحثان عن رقي أبنائهم في التعليم، والآن لا أومن بالمستحيل ولكن إيماني بعد التوكل على الله أن كلاً ميسر لما خلق له.

ـ كثيرون ممن مارسوا هذه المهنة خالط مشاعرهم الندم على ضياع العمر في عطاء غير مقدر..!

ـ لست من هؤلاء، ولكن فقط في مواقف الضعف الإنساني وهي طبيعية في كل الأعمال، نتيجة جهد مضن وفي مواجهة سلوكيات طلابية سلبية كنت أفكر في ترك المهنة وسرعان ما كنت أتعامل بأسلوب التدريس والإدارة بالحب، وكمدير تعلمت كيف أتحمل المسؤولية وأخاطب الآخرين وأتعامل مع أنماط مختلفة من السلوكيات والتكيف مع المواقف الطارئة وكيف يفكر الآخرون وكذلك مفاهيم القيادة ليس بالسلطة الآمرة ولكن بسلطة الاقناع التي فرضت على تحدي اثبات الذات.

ـ وما الفرق بين التربويين سابقا وحاليا، المدرس والمدير والموجه؟

ـ المدرس كان سابقا مصدر معلومات ومعارف والآن يجب أن يكون موجها جيدا للطلبة لكيفية تحصيل المعلومات والمعارف، والإدارة المدرسية سابقا ارتبطت بمفاهيم «التمدرس» في الإدارة أي الإدارة التقليدية إلا أنه في الوقت الحاضر مع تطور مفهوم المدرسة وتحولها إلى مؤسسة فرضت على إدارات المدارس مجموعة من الكفايات يجب اتباعها وإتقانها ومنها التخطيط والتنظيم والإشراف مع النظرة المستقبلية لما سيؤول إليه المخرج التربوي «الطالب».

ـ ومن خلال خبرتك الطويلة ميدانيا، هل تملك الإدارات الحالية تلك المفاهيم؟

- أكثر من 80% من الإدارات لديهم هذا الحدث ولكنهم بحاجة إلى تعزيز هذه المفاهيم من خلال قناعات بأدوارهم الميدانية وإثارة الدافعية لدى العناصر الميدانية نحو التسلح بها «مفاهيم النظرة المستقبلية» مع ضرورة وجود الدور الذي يقوم به الموجه الإداري في الميدان التربوي، علما بأن طول عملي كموجه أفادني معرفة أنواع الإدارات وتنمية ذاتي مهنيا وفكريا وربطني بخبرات ميدانية من الاخوة الموجهين ذوي الكفاءة فأصبحت أبحث عن التميز.

ـ وماذا أثمر وأضاف اليك هذا البحث؟

- أثمر ثلاث جوائز تربوية: جائزة الشارقة للتميز التربوي، جائزة خليفة للمعلم، وجائزة حمدان بن راشد للاداء التعليمي المتميز، حصلت عليها جميعا وهو ما أضاف تحديا جديدا تمثل في الاستمرار في البحث عن التميز.

ـ وهل كان ذلك السر وراء تعيينك أمينا عاما لجائزة الشارقة للتميز التربوي،ثم مديرا تنفيذيا لها على مستوى الدولة؟

ـ قد يكون، ولكنها بالدرجة الأولي ثقة أعتز بها من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلي حاكم الشارقة زمن سمو الشيخة عائشة بنت محمد القاسمي ومجلس أمناء الجائزة، أدعو الله أن أكون أهلا لها.

ـ نترك الجانب التربوي ونسأل عن حياة حسين الجوهري الأسرية وكيف يربي أبناءه وما هي رؤيته لمشكلات المجتمع؟

ـ تزوجت مبكرا وأعترف أن لزوجتي دورا كبيرا في تميزي إذ تحملت عن رضا وقناعة عبء متابعة الأبناء دراسيا وتربويا فكانت اليد اليمنى لي والدافع للعطاء، ومشكلات مجتمعنا يتسبب فيها عدم فهم دور الأسرة والعلاقة والشراكة بين مؤسسات المجتمع إضافة إلى وجود ما يسمى بثقافة العيب ووضعها في غير محلها، وكل ذلك ما أحاول توضيحه من خلال محاضراتي التربوية وغرسه في نفوس أبنائي بطريقة غير مباشرة سواء في ذلك من هم في البيت أو في المدرسة.

ـ والى أي حد تعايش مدارسنا هذه الثقافة ؟

- سريعا رجعت للجوانب التربوية، حيث لا انفصال بين الأسرة والمدرسة، أو لنقل جامعة الحياة، وهنا لابد أن نعترف أن مدارسنا تفتقد إلى ثقافة التربية الأسرية بمفهومها الاستقراري والعاطفي وأطالب بمنهاج متخصص للجنسين في هذا الجانب حتى نتمكن من مواجهة مشكلات مجتمعنا، وبالتدرج سوف يتقبل المجتمع هذه المناهج بمحتوياتها الضرورية وسوف يحدث التأثير المطلوب.

محطات العمر

- من مواليد خورفكان أوائل الستينات من القرن الماضي.

- متخرج في جامعة الإمارات عام 1985.

- مدرس بمدرسة الخليل بن أحمد في خورفكان ثم مساعد لمديرها.

- مدير مدرسة البراء بن مالك عام 1993 ثم مدير لمدرسة المثنى بن حارثة، ثم مدير للثانوية الفنية بالفجيرة حتى عام 1999.

- موجه ادارة مدرسية من 1999 حتى الآن.

- أمين عام جائزة الشارقة للتميز التربوي خلال دورتيها العاشرة والحادية عشرة من 2003 حتى 2005 فالمدير التنفيذي لها بعد أن تحولت من جائزة خاصة بإمارة الشارقة إلى مستوى الدولة خلال دورتها الحالية.

مدرستان للحياة والمستقبل

يعتبر المدير التنفيذي لجائزة الشارقة للتميز التربوي المغفور له باذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عميداً لمدرسة الحياة التي ترى الصعوبات والمعوقات سلما للنجاح، وإن تلك المدرسة تعلم النظرة والتطلع دائما إلى المستقبل وتربي في الانسان تحمل المسؤولية ومهارات التعامل حتى مع الجماد ومفهوم الصبر بكل أنواعه.

وقال الجوهري إن مفهوم مدرسة المستقبل يقوم على ثلاثة محاور، التربية وهو المحور المتعلق بالقيم التربوية التي تغرسها البيئة المدرسية، التعلم وهو وجوب قابلية جميع من يعمل في الميدان للتعلم المستمر والاستفادة الدائمة من تلك البيئة وغيرها لصالح العملية التعليمية، والمحور الثالث ويرتبط بالعمل المؤسسي المبني على استراتيجية ونظرة واضحة لما ينبغي أن تفعله إدارة المدرسة لتحقيق أهدافها،

موضحا أنه شارك في عدة مؤتمرات خارج الدولة منها مؤتمر مدارس المستقبل نظرة تطويرية في الكويت عام 2003، وقبله في مؤتمر اليونسكو في باريس عام 2002، ومؤتمر الابداع في دبي نهاية التسعينات إضافة لجميع مؤتمرات اتحاد المعلمين العرب المنعقدة بالدولة ما بين عامي 1992 و2004، مؤكداً ان جميع المشاركات منحته مزيدا من الثقة بالنفس والقدرة على التخاطب مع الآخر وانماط وأساليب إدارة المدارس والنظام التربوي الذي يحقق مخرجات ايجابية من الخبرات التراكمية لتلك المشاركات بصفة عامة.

حوار: فتحي عبدالكريم