قبل الامتحان يكرم الكتاب ومع نهايته يهان» هذا المشهد نراه في كل سنة دراسية خارج القاعات الامتحانية، فالطالب متمسك بالكتاب قبل دخول اللجنة ولا يريد مفارقته وبعد خروجه يلقيه على الأرض ويقطعه إربا، وقد يقوم بعضهم بصب جام غضبهم وإحراق الكتاب الذي لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه،

وطبعا هذا بخلاف حال كتب الطلاب طوال العام والتي لو تجولنا بينهم لوجدنا بعضها في حال يرثى لها والآخر امتلأ بالأشعار والرسومات والألفاظ الغريبة والنابية، كل هذا لا يدل إلا على افتقاد أبنائنا لثقافة الكتاب وكيفية التعامل معه والحفاظ عليه وعدم الإحساس بالمسؤولية، ولكن ما الأسباب التي تقود طلابنا لمثل هذا السلوك المستهجن في الميدان التربوي وهل تعود تلك الأسباب للمدرسة أم الأسرة أم أن صبغة المجتمعات غير القارئة سوف تتأصل في أجيال المستقبل؟

الدكتور صالح عوض عميد كلية التربية في جامعة عجمان أوضح ان قضية إساءة التعامل مع الكتاب المدرسي وإتلافه قضية نفسية تعود إما لإحساس الطالب أن الكتاب ملك له أو أنه ممل ويشعر الطالب أنه مجبر عليه وربما لأنه لم يبذل جهدا في الحصول عليه، مشيرا إلى أن إتلاف الكتاب هو سلوك إرادي يعتمد على أمور عديدة وتفسيرات مختلفة أولها مدى رغبة الطالب في موضوع الكتاب وإذا كان كتابا مدرسيا، فما المادة التي يدرسها،

وهنا يرتبط الأمر بمعلم المادة نفسه الذي لا بد انه فشل في إقناع الطالب بقيمة الكتاب والمادة العلمية الموجودة فيه، والمشكلة أننا نضع جميع الطلاب داخل الصف في قالب واحد رغم اختلاف ثقافاتهم وقيمهم وقدراتهم و نتعامل مع الجميع بأسلوب واحد ومن هنا يجد بعض الطلاب المادة سمجة وغير محببة لديهم، وهذه قضية تربوية أساسية لا يمكننا التغلب عليها إلا باستخدام سياسة «تفريد التعليم» أي مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب ومن هنا كانت نظرية ديمقراطية التعليم التي تعتمد على كشف رغبات الطالب والمجال الذي يبرز ويبدع فيه.

الجانب الثاني في القضية كما يوضح الدكتور عوض مرتبط بدور الوالدين وترسيخ قيمة الكتاب في نفس الطالب وإيجاد مكتبة ولو مصغرة داخل المنزل مما يشعر الطالب بأن الكتاب ثروة وعليه الحفاظ عليه. ويضيف أن المسألة تتعلق بما إذا كان الكتاب مجانيا أو مدفوع الثمن، فإذا كان مجانيا فيجب تعليم الطالب انه ثروة وملكية عامة ولا مانع من جعله يعيده للمدرسة نهاية العام ويعتاد الحفاظ عليه وان أتلفه يغرم قيمته،

أما لو كان مشترى فعلى الأسرة أن تظهر للطالب أنه تم شراؤه من مدخراتهم ليحافظوا عليه، أما الجانب الثالث فيعتمد على المربي داخل المدرسة ودوره في إعطاء الطالب معنى الكتاب وقيمته واستغلال المكتبة المدرسية في ذلك ويمكن تحقيق ذلك بمطالبة الطالب بالعودة إلى معلومة كان قد درسها في العام السابق مما يشيع لدى الطلاب في المحصلة أهمية الكتاب القديم والحفاظ عليه.

ويقول عميد كلية التربية إن هذه مجموعة من القضايا المتكاملة التي لابد ان تتكاتف لعلاج هذه الظاهرة فالمسألة ليست بسيطة لأن ثقافة الكتاب أصبحت مفقودة والطالب يفضل المختصرات والمعلومات التي تقدم بسهولة مثل «الفيديو كليب» كفيلم مختصر في مقتطفات، وزاد ذلك مع الانتشار الحادث للالكترونيات لافتاً إلى، المشكلة ان إهمال ثقافة الكتاب سوف تصل بنا في النهاية إلى ضعف في الثقافة والفكر لدى طلابنا وكذلك ضعف في تكوين شخصيتهم وفقدانهم النظرة العميقة للأمور.

مادة استهلاكية

محمد بالحمر رئيس قسم البرامج والمناهج في تعليمية أبوظبي أوضح ان ثقافة استخدام الكتاب المدرسي من شخص لآخر غير موجودة لدينا ولا يتقبلها الطالب أو المعلم أو ولي الأمر لأن الطالب اعتاد تسلم الكتاب جديداً بداية كل سنة ويعتبره ملكا شخصيا من حقه التصرف به كما يشاء، كما ان الكتاب إذا كان مستخدما من طالب آخر فهو به كتابات وحلول ولا يقبله طالب آخر،

لذلك فان فكرة الاستفادة من الكتب القديمة أو إعادتها للمدرسة أمر ليس عمليا، ويرى أن التفكير العملي في هذا الموضوع إذا أردنا تقليل التكاليف التي تنفق سنويا على طباعة الكتب فالحل في إنتاج الكتاب الالكتروني غير قابل للتلف والذي يمكن للطالب العودة إليه متى شاء.

التنفيس الانفعالي

الدكتورة كريمة العيداني الاختصاصية النفسية في تعليمية أبوظبي أكدت ان سلوك الطلاب العنيف تجاه الكتاب هو نوع من التنفيس الانفعالي، مرجعه أسباب عدة إما كراهية الطالب للمعلم أو المادة، وخلو البيئة المدرسية من عوامل الجذب خاصة في ظل ضغط المناهج وقلة الأنشطة المشجعة للطالب على الذهاب للمدرسة وإحساس الطالب بأن المدرسة ليست سوى دراسة وقوانين وامتحانات، كل هذا يشعر الطالب بالضيق والسخط ويقوم بتفريغ ذلك وإسقاطه على كتابه المدرسي باعتبار الكتاب المدرسي لا يمكنه رد الأذى عن نفسه.

وأضافت ان لديها العديد من الملاحظات الميدانية حول مشكلة تعامل الطالب السلبي مع الكتاب فهناك طالبات يتحدثن بشكل سلبي عن الكتاب ويقمن بتمزيقه أو كتابة الشعر والألفاظ النابية عليه وملئه بالرسومات ولا يشترط أن يكون ذلك مع نهاية السنة بل هذه ملاحظات تسجل خلال السنة الدراسية والمشكلة ان الطالبات كلما سئلن عن أسباب ذلك لا يكون لديهن أي تفسير والأسوأ ان بعض الطلبة نهاية السنة يقومون بحرق الكتاب تعبيرا عن الكراهية الكبيرة تجاهه، كما انه من الملاحظ أن غالبية الطالبات اللواتي سلكن ذلك السلوك كن من الضعيفات دراسيا.

وترى العيداني أن غياب الجاذبية في المدرسة وغياب الدافعية لدى الطالب الذي يعتبر ذهابه للمدرسة واجبا هو مستعد للبقاء في المنزل إن طلب أهله ذلك وهذه حالات موجودة بالفعل في الميدان ومحاولات إعادته للمدرسة تكون صعبة، مشيرة الى ان الحل لهذه المشكلة يبدأ من المنزل منذ صغر الطالب، فعلى الأسرة تعويده على القراءة من خلال قراءتهم هم ذاتهم وقراءة القصص للطفل من صغره وربطه بالكتاب حتى لا يهرب منه فيما بعد.

مجانية التعليم مسؤولية

أمل العفيفي مديرة مدرسة المواهب النموذجية في أبوظبي أشارت الى حرصهم كإدارة مدرسية على توعية الطالبات وأولياء أمورهن بقيمة كل ما توفره الدولة لهن من إمكانات وصولاً لأفضل المستويات التعليمية، مشيرة الى أنه من الضروري توعية الطالب بحجم ما تنفقه الدولة عليه في السنة الدراسية الواحدة حتى لا ينشأ متهاونا ومستهترا لأنه حصل على الشيء بسهولة،

فمجانية التعليم لا بد أن نشعر بقيمتها. وأضافت أن مشكلة تلف الكتاب مع الطالبة أو عودة بعض الطالبات مع الفصل الدراسي الثاني وقد أضعن كتبهن تعد مشكلة لأن البدائل غير متوفرة، فالطالب اعتاد انه مع انتهاء العام ينتهي عمر الكتاب، ومع مشكلة محدودية أعداد الكتب فانه لا توجد أعداد احتياطية لسد مثل هذه الحالات مما يؤثر على دراسة الطالب، وتقترح العفيفي أن يتم إلزام الطلبة برد الكتب نهاية السنة إلى المدرسة

وخاصة الكتب الأساسية مثل كتب القراءة ليكون بالإمكان الاستفادة منها لأي طالب يحتاج خلال العام وان يغرم الطالب الذي يهمل كتابه فهناك دول أوروبية فقط يتغير اسم الطالب على الكتاب ويتعهد الطالب بعدم إتلاف كتابه وإلا يدفع غرامة تعود إلى المطبعة.

التربية المكتبية

أحمد يوسف موجه المكتبات في وزارة التربية والتعليم تحدث عن التربية المكتبية واعتبرها مهمة في تعويد الطالب من المراحل العمرية الأولى على قيمة الكتاب وكيفية التعمل معه والبحث فيه وهذا أمر مفقود ميدانيا من الناحية الواقعية، فالكثير منا يعانون من أبنائهم وإتلافهم كتبهم المدرسية، لذلك فان تفعيل التربية المكتبية ودور أمين المكتبة في المدارس سيكون له بالغ الأثر في تعريف الطالب بآداب التعامل مع الكتاب.

وأضاف ان الحفاظ على الكتاب ثقافة عامة لا علاقة لها بالطالب المتفوق أو الضعيف ويبدأ تعويد الطالب عليها من الصف الأول الابتدائي لأن الروضة يعتمد طالبها على الصور والرسوم والألوان كونها الأكثر تشويقا، وتلعب الأسرة دورا حيويا في تلك التنشئة بجانب المدرسة ولابد من استخدام أسلوب الثواب والعقاب مع الطالب من خلال مكافأة المحافظ على كتابه ومعاقبة المهمل له، لأن ثقافة الكتاب مفقودة لدى طلابنا بوجه عام.

خصم من السلوك

عبد الحكيم الجوهري موجه التاريخ في تعليمية أبوظبي ذكر أن علاقة الطالب بالكتاب المدرسي تتوقف على المعلم وطريقة تقديم المادة للطالب داخل الحصة، فبإمكانه إشعار الطالب بأهمية الكتاب من عدمه.

الكتاب سجن

وذكر مصطفى الفخراني مدرس رياضيات في مدرسة الغزالي النموذجية أن الطالب يتعامل مع الكتاب وكأنه سجن بمجرد خلاصه من الامتحان يقوم بتقطيعه والتخلص منه، وقد كانت المدرسة لديهم مع نهاية العام تجمع الكتب التي يبقيها الطلاب في الساحة وتوضع في مخزن ويتم الاستفادة من بعضها في حال حاجة طالب لكتاب ولا يوجد احتياطي في المخازن،

مشيرا إلى انه من خلال التربية السلوكية داخل المدرسة يتم توجيه الطلاب لسلوكيات عدة منها الحفاظ على الممتلكات والكتب المدرسية واستجابات الطلاب تتفاوت في ذلك. ويشير الفخراني إلى أن المناهج المطورة مشوقة ولكن الطالب الذي اعتاد إهمال الكتاب سيفعل ذلك مهما اختلف شكله أو تطور لأن هناك مشكلة لدى الأسرة العربية بشكل عام فالعديد منها غير قارئ والمكتبة لديها أشبه بالديكورات المطلوبة.

الكتاب المدفوع

عفراء المري ولية أمر أكدت ان أبناءها في المدارس الخاصة وتقوم بشراء الكتب المدرسية لهم وعادة ما يحافظون على كتبهم لأنها أساسا مثل المراجع تضم العديد من المعلومات المفيدة وخاصة كتب العلوم واللغة، وهم يرجعون لكتبهم من أي سنة للاستفادة مما بها في إعداد مشاريع للمدرسة

إضافة إلى إن الكتاب مدفوع الثمن وليس رخيصا فقد يصل سعر الواحد إلى 500 درهم كما ان ابنها يحافظ على الكتاب لتستخدمه أخته في السنة التي تليها والمدرسة لا تمانع في ذلك بل إذا تم إعادة الكتاب لهما في نهاية السنة وهو بصورة جيدة قد تعيد النقود للطالب لأن الكتاب قيم وبطباعة جيدة ولا يدرس كله للطالب بل يكون بمثابة المرجع له.

الطالب خالد المزروعي من الصف العاشر اعتاد الحفاظ على كتبه المدرسية وأسرته في المنزل وجهته نحو ذلك وهو يرى أن غالبية الطلاب الذين يتلفون كتبهم خاصة مع نهاية السنة الدراسية عادة هم من الطلبة الضعاف والمهملين الذين لا يكترثون لشيء، كما انه اعتاد ترك كتبه لاخوانه الأصغر سنا للاستفادة منها وأحيانا يعود هو إلى الكتاب لمراجعة معلومات فيه أو الاستفادة منه في عمل نشاط أو مشروع ما.

أما الطالبة مها عبدالله فقالت إنها وزميلاتها اعتدن إتلاف كتبهن مع نهاية السنة عقب انتهاء الامتحانات، مشيرة إلى أنها وصديقاتها كن يقمن بتقطيع الكتاب الخاص بالمعلمة التي لا يحببنها أو إذا جاءت الورقة الامتحانية سيئة لأن الكتاب هو الوحيد الذي يمكن للطالب الانتقام منه.

التربية المكتبية

* وزارة التربية والتعليم تعد حاليا دليلا خاصا حول التربية المكتبية سيخصص لأمناء المكتبات في المراحل التأسيسية الأولى من التعليم، والدليل يرشد المعلم لما سيتم تعليمه للطالب في كل مرحلة من المراحل الدراسية بدءا من تعليم الطالب كيفية الإمساك بالكتاب والحفاظ على نظافته وطريقة تناول محتوياته وصولا الى نقده وتحليله والبحث في مختلف أنواع الكتب من موسوعات ومجلدات إضافة لفهم طريقة اختيار الكتاب وتصنيفه في المكتبة.

* والدة إحدى الطالبات المتفوقات بالمرحلة الثانوية قامت بمراجعة المدرسة واتهام إداراتها بعدم توجيه ابنتها وإهمالها من ناحية الحفاظ على كتابها المدرسي الذي بدا لها بحالة متردية، مشيرة الى ان ابنتها تملأ الكتاب بالكتابات والرسومات والأغاني والمدرسة لا تكترث،

وطبعا مبرر المدرسة ان هذا الكتاب خاص بالطالبة ولا تطلع عليه المعلمة وأن الأم لم تنتبه لذلك طوال الفصل الدراسي الأول، والطالبة عندما علمت بأن الإدارة والمعلمات عرفوا بذلك امتنعت عن تكرار عملها هذا لأنها متفوقة ولم ترد ان تهتز صورتها أمام معلماتها كما انه لم يكن لديها اي تفسير لتلك السلوكيات

تحقيق: لبنى أنور