في الثلاثين من سبتمبر 2005 الماضي، نشرت صحيفة «يلاندس بوستن» الدنماركية 12 رسما كاريكاتوريا يسيء للرسول الكريم محمد(ص)، مما أثار حفيظة الناس في العالم الإسلامي.
فلقد حدثت احتجاجات في العديد من البلدان الإسلامية وأطلقت تهديدات وجرت بعض الاعتداءات ضد السفارات الدنماركية. الكاتب الألماني يدين نشر الرسوم ويعتبر أن عملية النشر جاءت نتيجة «إثارة متعمدة ومخطط لها من جانب صحيفة دنماركية يمينية».
ويضيف إن الغرب لا يستطيع فرض ما يجب وما لا يجب فعله.صحيفة «لايترسيرا» التشيكية استطلعت رأي غونترغراس الأديب الأماني الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1999 حول هذه القضية الشائكة من خلال الحوار التالي:
* هل فاجأك أن يشعل ظهور الرسومات نار كل هذه الإشكالية؟
- نعم ولا. جميعنا نعلم أن هناك قانوناً مكتوباً وغير مكتوب، لا يمكن بمقتضاه تصوير الذات الإلهية ولا الرسول الكريم محمد(ص) في العالم الإسلامي.
ولذلك فإن الأمر يتعلق باستفزاز متعمد ومحسوب من قبل صحيفة دنماركية يمينية، دعت لمسابقة للرسومات الكاريكاتورية، رفض البعض المشاركة فيها متذرعا بأن رسم الرسول هو أمر محرّم من المحرمات.
وقاموا باستشارة متخصص دنماركي في الشؤون الإسلامية وهذا قام بتحذيرهم. واستمروا لأنهم متشددون من اليمين ويكرهون الأجانب.
* هل فاجأتك ردود الأفعال العنيفة؟
- نحن نعيش في حقبة ردود الأفعال فيه تتوالى تباعا. لكن المبادرة جاءت من الغرب، الذي غزا العراق. ونحن ندرك اليوم أن ذلك الغزو خرق القانون الدولي، فلقد تغذت الحرب على براهين أصولية من جانب بوش، الذي كان قد قال إن الخير والشر يتصارعان في هذا النزاع.أي أن المسألة تتعلق برد فعل أصولي على فعل أصولي.
وهي ليست مرتبطة هنا بمناظرة أو جدال بين ثقافتين، وإنما بمناظرة بين حالة لا ثقافة ضد حالة لا ثقافة.
* ما العمل؟ وهل يكمن الحل في الرقابة الذاتية؟
- الغرب يتولى أمر هذا النقاش بنوع من الرضا التلقائي وعلى قاعدة أننا نتمتع بحرية إعلامية. لكن من لا يخدع نفسه يدرك أن الصحف تعيش على الإعلانات وأنه من أجل نشر تلك الإعلانات لابد من أن يأخذوا بعين الاعتبار ما تأمر به سلطات اقتصادية معينة.
وسائل الإعلام تشكل جزءا من مجموعات ضخمة تحتكر الرأي العام. لقد فقدنا حقنا في الاحتماء بحق حرية الرأي، لم يمض وقت طويل بعد منذ أن كان المساس بالجلالة يعتبر جريمة.
ولا يجب أن ننسى أن هناك أماكن لا يوجد فيها فصل بين الكنيسة والدولة. من أين يغرف الغرب تلك العجرفة من أجل فرض ما يجب فعله وما لا يجب فعله؟ انصح الجميع بأن يلقي نظرة على الرسومات، فستتذكرون رسومات صحيفة ألمانية شهيرة من العهد النازي وتدعى «دير سترومر».
فلقد نشرت رسومات كاريكاتورية معادية للإسلام من الطراز ذاته...لا يمكن استحضار حرية التعبير من دون تحليل كيف هو حالها في الغرب.
* هل هذا تعبير عن صدام الحضارات؟
- ذلك بالضبط ما يريده الأصوليون من كلا الجانبين. ربما بات يتعين علينا البدء بتمييز الدرجات اللونية للظواهر. فلقد حالفنا الحظ بأننا شهدنا عصر النهضة والنور، بعد أن اجتزنا عملية مؤلمة أعطتنا سلسلة من الحريات، التي ما زالت مهددة. بينما لم يمر العالم الإسلامي بتلك العملية، وهو يمر بمرحلة مختلفة من التطور، ويجب احترامه.
* هل سيكون المستقبل متفجرا بالطريقة ذاتها؟
- أخشى أنه كذلك. فالجراح أضحت عميقة جدا وأنا لا أشير بذلك إلى البلدان العربية فحسب، وإنما إلى البلدان الفقيرة عموما. الغرب لا يبدو قادرا على إيجاد طريق من أجل قبول تلك البلدان كشركاء بالتساوي. لقد كان مستحيلاً خلق الظروف ذاتها التي ندعيها لأنفسنا.
في سنوات السبعينيات، كتب ويلي برانت، بتكليف من الأمم المتحدة، تقريرا حول مشكلات شمال والجنوب وتكهن بالمشاكل التي نواجهها اليوم.هذا التقرير لا يزال نافذا.
* هل عشت تجربة عدم تسامح؟
- أنا عشت نوعاً من عدم التسامح ككاتب. عندما نشرت «طبل الصفيح»، انطلقت عمليات ضد الكتاب ووجهت إليه اتهامات بالتجديف والخلاعة، في البلدان الشيوعية كما في بلدان مثل اسبانيا والبرتغال، حيث كانت الرواية ممنوعة. في اليمن، اجتمعنا قبل عامين كتاب غربيون وعرب للحديث عن موضوعات أدبية وغزلية.
وكان ذلك غير عادي بالنسبة للعرب، لكن تم في نهاية المطاف الاتفاق على الموضوعات الني كن بصدد مناقشتها. يمكن الحديث عن كل شيء، بما في ذلك موضوعات مثيرة جدا للجدل والخلاف، طالما أن المرء يتعامل على أساس التسامح الذي ينتظره من الآخر، رغم أن للآخر أمة ذات حضارة مشروطة بمحرماتها الخاصة.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن«لا تيرسيرا» ـ تشيلي