تتولى كارين هيوز، مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية، المقربة من الرئيس جورج بوش مهمة صعبة للغاية تتمثل في تحسين صورة أميركا في العالم. وقد أجرت معها مجلة «دير شبيغل» مقابلة تحدثت خلالها عن مشاعر العداء لأميركا المنتشرة في أنحاء العالم وموجة الاضطرابات في العالم الإسلامي. وفيما يلي نص الحوار:
؟ هيوز، قد يكون عملك أصعب عمل في إدارة بوش فمهمتك هي تحسين صورة أميركا في العالم. هل تشعرين أحياناً إنك تسعين وراء هدف لا سبيل لتحقيقه؟
ـ أذكر ذلك الصباح بعد أن أعلن الرئيس عن تكليفي بالمهمة دخلت مسرعة إلى مكتب نائب الرئيس فنظر إلي وقال «تعازينا يا كارين، لقد تم تكليفك بأصعب عمل في الحكومة» إنه تحدّ كبير، لكنه في المقابل شرف عظيم أيضاً لأنني أعتقد أن بلدنا بلد رائع.
* إذا ألقينا نظرة سريعة على ما يجري على الساحة الآن نجد أن هناك غضباً جماهيرياً واسعاً بشأن الصور الجديدة عن الفظائع في أبوغريب.
وهناك تقرير للأمم المتحدة يطالب بإغلاق غوانتانامو ـ تلك الصورة مقززة حقاً، وبصراحة فإنني أشعر بالإحراج كأميركية عندما أفكر في أن الناس في أنحاء العالم يقرنون تلك الصور ببلدنا.
إنها صور قديمة وتمثل جرائم عوقب عليها أشخاص عدة، بما في ذلك جندي يقضي الآن حكماً بالسجن لعشرة أعوام. ونحن لا نريد للعالم أن يعتبر هذه الصور عنواناً لهويتنا، كما لا يرضى الألمان بأن يتم تعريف هوية بلدهم بصور لجرائم كهذه. فهؤلاء القلّة لا يمثلون أميركا.
وبالنسبة للقضية الأخرى المتعلقة بغوانتانامو، ماذا عسانا أن نفعل مع إرهابيين خطرين يتمنون قتل مواطنين أميركيين أو ألمان أبرياء؟ إنه سؤال صعب جداً، لكننا نشعر بأن هذا التقرير الصادر عن الأمم المتحدة تشوبه عيوب جذرية. والذين أعّوا التقرير لم يقبلوا حتى بتلبية الدعوة لزيارة غوانتانامو.
إن حكومتنا تسعى جاهدة منذ زمن لإيجاد الطرق الملائمة والناجعة للتعامل مع الإرهابيين الذين يرتدون زياً عسكرياً ولا يمثلون أي دولة، وبالتالي فمن الصعب تحديد وضعهم تحت أي معاهدة أو ميثاق دولي. ومع ذلك، فإننا نعامل المحتجزين في غوانتانامو بصورة إنسانية تنسجم مع قوانيننا والتزاماتنا بالمعاهدات.
* على الأقل تستطيعون تقديمهم لمحاكمة عادلة.
ـ قمنا بمراجعة ملفات هؤلاء الأفراد بطريقة عادلة وأطلقنا سراح أولئك الذين ـ في اعتقادنا ـ لم يعودوا يمثلون تهديداً للولايات المتحدة أو حلفائها.
إن أولى المسؤوليات المناطة بالحكومة هي حماية مواطنيها قبل أي شيء آخر، لكنا مستعدون للإصغاء لأي مقترحات بنّاءة حول ماذا ينبغي لنا أن نفعل مع زهاء الـ 400 إرهابي الذين يمثلون تهديداً لنا أو يرفضون نبذ طموحاتهم المعلنة بقتل الأميركيين وغيرهم من الأبرياء. وأودّ الإشارة هنا إلى أن بعض أولئك الذين أطلق سراحهم عادوا مجدداً إلى صفوف العدو لمقاتلتنا.
* لماذا ما زالت الحكومة الأميركية ترفض الإفراج عن جميع صور أبوغريب؟
ـ هناك مخاوف من أن هذا لن يفعل شيئاً سوى إشعال شرارة المزيد من العنف وتعريض المزيد من الأرواح للخطر. تلك الأحداث وقعت قبل سنوات، وتم التحقيق فيها وعوقب المسؤولون عنها.
ونشر الصور سيزيد من تأجج الوضع العالمي الملتهب أصلاً، كما رأينا في حالة الرسومات الكاريكاتيرية. ولديّ تصورات عن خطة عمل قد تستغرق عقوداً. وعلى سبيل المثال فإن أحد أكبر مشاريعي الآن هو كيف يمكننا نزع الشرعية عن الإرهاب؟
نرسّخ في الوعي الجماهيري رفض استخدام الإرهاب كتكتيك لتحقيق أهداف معينة. كيف نقول مهما كانت مظالمك شرعية ومعاناتك كبيرة، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يبرر هذا لك تفجير نفسك وقتل أعداد كبيرة من الأبرياء.
علينا أن نفعل بالإرهاب ما فعلناه بالعبودية، التي كانت في يوم من الأيام تحظى بقبول واسع وأصبحت الآن من الأمور المنبوذة دولياً.
لكن أوروبا قلقة جداً من أن تكون أميركا قد فقدت قاعدتها الأخلاقية الرفيعة في التعامل مع هذه المشكلات. بعد 11 سبتمبر وقف العالم كله تقريباً مع الولايات المتحدة، لكننا نشهد الآن مستوى تاريخياً لمشاعر العداء لأميركا. كيف استطعتم تبديد رأس المال هذا بهذه السرعة؟
ـ شاهدت استطلاعات للرأي قبل 11 سبتمبر تظهر أن شعوباً عدة في أنحاء العالم عبّرت عن قلقها بشأن أميركا. نحن قوة عظمى، وهذا بحد ذاته يفسِّر بعض الامتعاض العالمي منا.
لكن علينا تحسين أدائنا في التواصل مع الآخرين والإصغاء لهم. ولهذا السبب بالتحديد طلب مني الرئيس القيام بهذا العمل، باعتباري صديقة مقرّبة منه وقادرة على السفر إلى أنحاء العالم والإصغاء إلى ما يقوله الناس هناك ومن ثم العودة وإطلاع الرئيس ووزيرة الخارجية على ما سمعته ورأيته.
* هل الهدف الحقيقي من وراء جهودك إيجاد إسلام أكثر اعتدالاً ووسطية؟
ـ ليس من شأني أن أقول للناس كيف يمارسون دينهم. لكنني أعمل من أجل تقوية الأصوات في داخل المجتمع الإسلامي والتي تقول إن الإسلام دين سلام لا دين عنف.
علينا عزل المتشددين وتهميشهم وتقويض مساعيهم للاستيلاء على الإسلام، وهذه ضرورة استراتيجية مهمة للغاية. ولقد استطعت بناء جسور قوية للتواصل مع المسلمين الأميركيين، لأني أعتقد أنهم يمثلون جسراً مهماً جداً.
فنحن نرسلهم إلى أنحاء العالم، لأنهم باعتقادي يملكون مصداقية لمناقشة قضايا الإيمان أكثر مني بكثير باعتباري امرأة مسيحية، وهم يدفعون بالحجة بأن تعاليم كل الأديان تؤكد على قدسية الحياة وحرمة قتل الأبرياء.
* هل شكلت قضية الرسوم الكاريكاتورية انتكاسة لهذه الجهود؟
ـ أحياناً تكون الأصوات الأكثر حدة هي الأصوات الأعلى في سوق الإعلام الذي نراه اليوم، لكن الأصوات المسلمة والغربية تحدثت بأن هذه الاحتجاجات يجب أن تكون سلمية. لا يمكن أن نسمح للمتشددين أن يحددوا شكل هذه المظاهرات.
؟ لم تظهر الرسومات إلا بشكل نادر جداً في الصحافة الأميركية؟
ـ بلدي وعاء كبير جداً ومتعدد الثقافات وقد تعلمنا كيف نتحدث باحترام عن الأمور التي لها مكانة خاصة في ثقافات الآخرين، وهناك كلمات معينة، لها دلالات مسيئة عرقياً أو اثنياً.
لا يستخدمها معظم الأميركيين المتحضرين، ليس لأن هناك قانوناً يمنعهم من ذلك، بل بدافع التحضر واللياقة والاحترام والإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع. وبالمناسبة فإن أفضل مكان لمناقشة هذه القضايا هو في المجتمعات الديمقراطية.
* هل سبب زيارتك الوشيكة لألمانيا أن مشاعر الامتعاض من إدارة بوش مرتفعة هناك؟
ـ نعتقد أن هذه، هي اللحظة الموعودة لصداقتنا التاريخية مع ألمانيا. لديكم مستشارة جديدة، وقامت بزيارة رائعة إلى واشنطن. والأميركيون يقدرون صراحتها وصدقها، والمستشارة ميركل، التي نشأت وراء الستار الحديدي، تفهم أهمية الحرية ونحن ننظر إلى ألمانيا كشريك مهم في مسيرة دعم الديمقراطيات، التي باعتقادنا سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى عالم أكثر أماناً.
* لكن الصديقة المقربة ميركل تنتقد غوانتانامو؟
ـ آمل أن يفهم شعب ألمانيا أننا لا ينبغي أن نسمح لاختلاف وجهات نظرنا بشأن كيفية التعامل مع الإرهابيين في غوانتانامو بأن يؤدي إلى انقسامنا وإفساد صداقتنا التاريخية، وأنا أحاول التركيز على المصالح المشتركة والقيم المشتركة بين أميركا وألمانيا.
لا يمكننا بناء سياستنا الخارجية على أساس التهديدات المشتركة فقط، بل علينا التركيز أيضاً على المصالح المشتركة.
؟ هناك أغلبية جماهيرية في الولايات المتحدة تؤيد شن هجوم عسكري ضد إيران كخيار أخير. والأوروبيون قلقون جداً من هذا الأمر، هل تخشين أن يؤدي هذا إلى صدع جديد في العلاقات الأوروبية الأميركية؟
ـ في الواقع اننا دأبنا في الفترة الماضية على العمل مع شركائنا في الثلاثية الأوروبية، ونأمل أن نتمكن من حل هذه الأزمة بطرق دبلوماسية، وآمل أيضاً أن تتفهم أميركا بأن الرئيس الأميركي لا يمكنه أبداً استبعاد الخيار العسكري استبعاداً مطلقاً.
* حكومتكم تنفق 75 مليون دولار لدعم جماعات المعارضة الإيرانية ومحطاتها الإذاعية. في أيام الحرب الباردة، كان هذا يسمى بـ «الحرب الدعائية» فماذا تسمونه الآن؟
ـ إنها جهود للتواصل مع شعب إيران بشكل مباشر لأننا نريد أن نوضح للجميع أننا ندعم طموحات الحرية، ونأمل أن يكون لشعب إيران يوماً ما حكومة تليق به. لكن ماذا تعني بالحرب الدعائية؟
* حكومة تحاول التأثير على حكومة أخرى عن طريق البث الإذاعي.
ـ لا أحب كلمة «تأثير» وهذا ليس عملي. إن مهمتي هي السعي لإشراك الآخرين في الحوار، وعملي ليس التحدث إلى العالم بل الإصغاء له وتبادل الآراء. صحيح انني أريد وضع بلدي في أفضل صورة ممكنة لكن عملي يبدأ بالحقيقة ويقوم على التواصل بقول الحقيقة.
؟ هل تشعرين أحياناً بأن الأوروبيين يبالغون في انتقاداتهم لصديقك الرئيس بوش؟
ـ أعرفه شخصياً معرفة جيدة، وأحياناً أشعر بالصدمة من الرسوم الكاريكاتورية التي تتهكم منه في بعض الصحف. إنه إنسان ودود جداً وعميق التفكير ومهذب جداً. وهو يهتم بالآخرين، إنه قائد رائع، وأعتقد أننا جميعاً يجب أن نكون أكثر لطفاً ورفقاً في تقييم كل منا للآخر.
ترجمة: علي محمد
عن «دير شبيغل»