في 25 يوليو 2000 وفي أوستن، تكساس، أعلن جورج دبليو بوش أنه خلال أحد اجتماعاته مع تشيني في أوائل يوليو تبيّن له «أنه أفضل مرشح يمكن أن يجلس إلى جانبي». كيف كان ذلك؟ يا لها من صدفة أن الشخص الذي سيجلس إلى جانبه هو ديك تشيني.

«إنني لم أختر ديك تشيني بسبب ثلاثة أصوات انتخابية في ويومنغ، مع أننا نرغب ونسعى جاهدين إلى الحصول عليها»، على حد تعبير بوش الذي قال مازحاً أمام المراسلين الموجودين قبل أن يأخذ صوته نبرة جديدة ويقول: «اخترته لأنه دون أي شك قادر تماماً على أن يصبح رئيس الولايات المتحدة».

كان تشيني موافقاً تماماً على تلك النقطة. كذلك كان كثير من المراقبين الآخرين للعلاقة الناشئة بين «المراهق غير المريح ابن الثالثة والخمسين من العمر» وبين الرجل الذي جيء به لإدارة الأمور.

لدى ظهوره في برنامج سي بي إس «واجه الصحافة»، لم يحاول الجمهوري المخضرم الفعال، سكوت ريد، تصوير تشيني كرجل ثان في سلّم القيادة. قال ريد عن الدور الذي يمكن لتشيني أن يقوم به في حكومة لبوش: «ربما يكون بمثابة رئيس للوزراء».

بدا ذلك وكأنه من صنوف العلم بالغيب. لا سيّما إذا كان النموذج، نموذج بريطانيا العظمى أو معظم الديمقراطيات الغربية الأخرى، حيث يدير رئيس الوزراء الحكومة ويتولى عاهل أو رئيس صوري الواجبات الاحتفالية.

وكان تشيني قد قال: «يسرّني أن أكون وراء الكواليس في الساحة»، وذلك أمام الذين وصفوا المؤتمر الجمهوري الوطني في الثاني من أغسطس، بعد أن أكّد المندوبون ما كان يصرّ عليه معظم المراسلين بوصف اختيار بوش «بالمفاجئ».

لم تكن الساحة التي أشار إليها تشيني، هي ساحة المنافسة السياسية التي يمكن أن يخوضها هو وبوش كفريق غير متناسق خلال الشهور الأربعة ونصف الشهر التالية (ثلاثة للحملة الرسمية وشهر ونصف الشهر لتدقيق وضبط نتائج فلوريدا لمصلحتهما). يمكن أن تكون الحملة بالنسبة لتشيني مصدر إزعاج طفيف.

حيث يقضي معه معظم وقته يتحدث أمام مستمعين قلائل من الجمهوريين الموالين، في أماكن نائية نادراً ما يتم الكشف عنها. وخلال الحملة، كان يمكن أن يجتذب نوبتين فقط من انتباه الصحافة. كانت إحداهما عندما أشار بوش لمراسل لصحيفة «نيويورك تايمز»، آدم كلايمر على أنه أحمق، وعلّق تشيني قائلاً: «إنه كلام عظيم».

كانت المناسبة الأخرى عندما أخذ تشيني موقفاً أكثر إثارة للهزل في موسم انتخابي لم يكن تعوزه الفكاهة: ففي أثناء نقاش حول وضع الاقتصاد، الذي كان جزءا من النقاش الوحيد حول منصب نائب الرئيس، قوبل الديمقراطي جو ليبرمان بالضحك عندما أشار إلى سخاء شركة هاليبرتون التي يرأسها تشيني قائلاً:

«يسعدني أن أرى يا تشيني أنك الآن أفضل حالاً مما كنت عليه قبل ثماني سنوات». نظر إليه تشيني بوجه لم يبد عليه أي تأثر وقال: «يمكنني أن أقول لك إنه لم يكن للحكومة أي علاقة أبداً بذلك».

لكن أي واحد كان يعرف ديك تشيني، أدرك أن المزاح مع المراسلين والكذب في المناظرات لم يكن ما يتحدث عنه حين أعرب عن سعادته بأن يكون في «خلفية الساحة».

البيت الأبيض.

لم يستطع تشيني أن ينتظر حتى يتولى المسؤولية. فبينما كان بوش قانعاً بانتظار المحكمة العليا لتأكيد اختياره كرئيس، انطلق تشيني إلى واشنطن لإشهار مطلبه في الحق، وأخذ يدير فريق بوش الانتقالي من فسحة في مكتب مستأجر، ورسّخ نفسه، حسبما قالت دانا مبلانك، الكاتبة في «الواشنطن بوست» كمتحدث رسمي باسم بوش، وهمزة اتصاله القانوني، ومديره الشخصي واستراتيجيّه ـ أي باختصار رئيسه التنفيذي».

كان تشيني يجمع صلاحيات كثيرة جداً وبسرعة كبيرة جداً، حتى إنه أرهق نفسه ليصاب بنوبة قلبية أخرى.. وهي نوبته القلبية الأولى منذ عام ،1988 لكنه لم يكن ليسمح بحادثة حياة أو موت أن تبطئ من وتيرته. فبعد أن وضع الأطباء شبكة في شريان مسدود، خرج من المستشفى خلال أيام، وغادر الفراش ليعود إلى مهمة تشكيل حكومته، حكومة بوش!

عودة الفريق القديم

أعاد نائب الرئيس الجديد تجميع الفريق القديم، وحصل رامسفيلد، وولفوويتز، سكوتر ليبي، أي كل الأيادي السابقة في وزارة دفاع تشيني، على وظائف جديدة. وتولّى زميل من حكومة فورد، وهو الرئيس التنفيذي لشركة الكوا، بول أونيل، مسؤولية وزارة المالية.

وأخذ تشيني يعيد تشكيل الحلقات التي كان مرتاحاً معها في الماضي، ورأى جيم ستيفنسون، وهو كاتب طيران كان قد غطى تشيني كوزير دفاع، نموذجاً مألوفاً يتطور، فقد كان هذا هو تشيني الذي عرفه، الشخص الذي كان ميالاً : «لإحاطة نفسه ببضعة أعوان مقربين، يتلاحمون معاً مثل ثور برّي أميركي، يحمون صغيرهم».

لكن تشيني في هذه المرة كان يبني حكومة بأكملها، وتوجب أن تكون هنالك أماكن لمنافسين قدامى، مثل كولن باول الذي يمكن أن يضفي قدراً من المصداقية على حكومة لم تكن أغلبية الأميركيين قد أيدتها في نوفمبر.

كان لتشيني خلافات مع باول خلال حكومة بوش الأب، عندما قام رئيس هيئة الأركان المشتركة عندئذ بتحويل الرئيس ضد بعض مخططات تشيني الحافلة بالجنون، والمتعلقة بالعراق. حتى إن باول وجد الجرأة ليسأل في اجتماع مع الرئيس وأعضاء الوزارة فيما إذا كان تحرير الكويت هدفاً يستحق التضحية المحتومة بأرواح الأميركيين.

وانتحى تشيني بباول جانباً وأوضح له بصراحة: «كولن: أنت رئيس هيئة الأركان، لست وزيراً للخارجية، ولست مستشارا للأمن القومي، ولست وزيراً للدفاع، لذلك عليك أن تقف عند الشؤون العسكرية». كان للتوبيخ معنى واضح، «أنا المسؤول»، لكن في حكومة بوش الأب كان ذلك الادعاء بالصلاحية مفتوحاً للنقاش.

في حكومة بوش الابن لم يكن هنالك أي نقاش. سوف يكون باول وزير الخارجية، لكن حين أخذ يعلم عندما كان يطرح الأسئلة حول الأدّلة الحافلة بالعيوب، والتي طرحت لتبرير الحرب مع العراق، أشارت التسمية إلى وظيفة مختلفة جداً عما كان يشغلها جيمس بيكر في حكومة بوش الأب.

ففي هذه المرة، كان تفوق تشيني أكثر وضوحاً في شؤون الدبلوماسية والعلاقات الخارجية، وفوق كل ذلك، شنّ الحرب. لم يكن إيجاز نائب الرئيس ليقتصر على الساحة العالمية، فقد كتب ميلبانك: «للحصول على فكرة حول مدى تأثير تشيني في الحكومة الجديدة، فمن المهم أن نرسم هيكلاً تنظيمياً على غرار الشركات للفترة الانتقالية».

ينقسم عشرات العاملين إلى مجموعات: قانونية، سياسية، استراتيجية، إدارة، اتصالات، صحافة. ويرتبط رئيس كل مجموعة بالرجل الموثوق لدى تشيني، وهو كلاي جونسون الذي يرتبط بدوره بتشيني، الذي يرتبط ببوش فقط. يقول مسؤولو الفترة الانتقالية إن الشخص الوحيد الذي يرتبط ببوش مباشرة، عدا تشيني هو رئيس طاقم البيت الأبيض. وهنا يقول ميلبانك إن كارد «يرتبط أيضاً بتشيني».

كان مساعدو تشيني يرّوجون الخط بأن نموذج الحكومة الجديدة سيكون نموذجاً مؤسسياً: «يكون فيه بوش رئيس مجلس إدارة البلاد، ويكون تشيني الرئيس التنفيذي لأميركا».

كانت تلك مقارنة مرضية، لكن التشبيه برئيس الوزراء، الذي طرحه سكوت ريد في الوقت الذي تم فيه ترشيح تشيني، أخذ يتبيّن أنه أكثر ملاءمة. لم يكن بوش الشيفرة الكاملة التي ظنها أكثر النقاد قسوة أو التي خشيها أكثر مؤيديه قلقاً. فقد كان ذا تعليم ملائم.

وكان قد نشأ مع رجل يعرف طريقه نحو الحكومة الفيدرالية كأي شخص في أميركا، وكان لا يزال يتحدث هاتفياً مع والده، أحياناً مرتين أو ثلاث مرات في اليوم. وكانت تجري استشارة الرئيس عند اتخاذ قرارات كبيرة حول من يوضع في مناصب وزارية، وحول السياسة فيما بعد.

لكن المشاورات كانت بصورة ثابتة ذات صفة روتينية، مثلما يفعل رئيس الوزراء البريطاني حين يعلم الملكة بالأعمال التي يقوم بها أو سيقوم بها.

واعتقاداً منه بأن تشيني سيكون قلقاً من عدم ارتباط بوش برئاسته؛ فقد افترض بول أونيل مرة بعد أخرى أن الرئيس بحاجة إلى أن يتعرف على المزيد من تصورات ويشترك في المزيد من حوارات وأن يتم تزويده بالمزيد من خيارات، وتذكيره بأنه لديه خيارات متعددة.

ومع مرور الوقت فقد أخذ أونيل يدرك أنه يعبّر عن أفكاره للرجل غير المناسب. وقد أوضح أونيل قائلاً: «أدركت السبب الذي كان يدفع ديك إلى الإيماء برأسه عندما كنت أقول كل هذه الأشياء مرة بعد أخرى، ولم يكن يتغير أي شيء».

وقد وصل أونيل أخيراً إلى إدراك أن البيت الأبيض كان يتصرف بتلك الطريقة «لأنها الطريقة التي يريدها ديك». في دوره كرئيس وزراء، كان تشيني وليس بوش هو الذي يضع نبرة الحكومة المولعة بالقتال من البداية.

ففي رفضه للاقتراحات بأن حكومة خسرت الأصوات الشعبية في عام ،2000 والتي سيكون عليها أن تعمل مع مجلسي كونغرس منقسمين بشكل كبير، عليها أن تحكم بطريقة استرضائية وسطية:

ظهر تشيني في برنامج «واجه الأمة» على شبكة سي بي إس في اليوم الذي سبق أداءه وبوش للقسم، وأعلن قائلاً: «إن الاقتراح بأن نقوم بتغيير معتقداتنا لأن هذه الانتخابات كانت متقاربة، اقتراح سخيف كما أعتقد».

يمكن لبوش، القائد الاحتفالي، أن يلقي خطاب التنصيب الودّي حول إعادة الخطاب الصادق إلى واشنطن. لكن تشيني، رئيس الوزراء، كان يلقي بقفاز التحدي، ويقول إن الجمهوريين قد انتخبوا - أو انتخبوا تقريباً - وفق برنامج «وليس لدينا أية نية أبداً بالتراجع عنه».

كان تشيني، أولاً وأخيراً، هو الذي أخذ يرى عدم وجود أي تراجع، فهو كرئيس للوزراء سيدير شخصياً أهم الحقائب.

سياسة الطاقة

في حكومة يحركها النفط، لن يكون هنالك أي مسؤولية داخلية أهم من وضع سياسة الطاقة. لذلك ترأس تشيني مجموعة تطوير سياسة الطاقة الوطنية، وهي ما يسمى بفريق الطاقة، ليعيّن فيه جميع الأعضاء الثلاثة والستين ـ سبعة وعشرون منهم من مرفق النفط والغاز.

وسبعة عشر من الصناعة النووية، وستة عشر من المرافق الكهربائية، وسبعة من مصالح استخراج الفحم ومعالجته. وبحلول شهر مايو 2001 وضعت اللجنة التي تعمل تحت غطاء لا سابق له من السرية.

ما أشارت إليه الواشنطن مونثلي بأنها خطة طاقة وطنية للقيام بكل أنواع الحفر دون أي وجه من أوجه الحفاظ على البيئة، وهي خطة دعت إلى تطوير 1300 محطة طاقة جديدة تعمل بالفحم، توفر 33 مليار دولار كدعم وتخفيضات ضريبية لتشجيع زيادة الانتاج النووي والنفطي والفحمي، وإعادة تنظيم الصناعات القائمة، وفتح محمية الحياة البرية الوطنية القطبية الشمالية أمام أعمال التنقيب عن النفط.

وبدأ سوط تشيني في الكونغرس، هنري ووكسمان، بالإلحاح على الإفراج فورا عن الوثائق المتعلقة بمداولات فريق العمل وكان لدى فوكسمان شعور قوي بأن الاقتراحات، التي قدمها رجال ضغط صناعة الطاقة إلى نائب الرئيس، يمكن أن تتفق تماماً مع التوصيات الرسمية والتدخلات غير الرسمية من قبل تشيني والآخرين المرتبطين بالمسعى.

رفض البيت الأبيض الإفراج حتى عن أسماء رجال الضغط والرؤساء التنفيذيين للشركات، الذين كان تشيني قد اجتمع معهم. وأدى هذا إلى إدخال ذراع التحقيقات غير الحزبي للكونغرس، وهو مكتب المحاسبة الحكومية إلى المعركة.

ومع أن بعض الوثائق قد تم أخيراً تسليمها، إلا أن الحكومة واصلت رفض الإفراج عن أغلبيتها. وقد رفض القاضي جون بيتس، وهو الذي عينته حكومة بوش ـ تشيني في المحكمة الفدرالية، الدعوى القضائية التي أقامها مكتب المحاسبة الحكومية، والتي كان يمكن لها أن تفرض الكشف الكامل عن الوثائق.

ومما تجدر ملاحظته أن تشيني كان لاعباً رئيسياً في برنامج الحكومة لإعادة تشكيل النظام القضائي الفدرالي. كان نائب الرئيس يذهب بانتظام إلى «الكابيتول هيل» ليطمئن الجمهوريين المحافظين في مجلس الشيوخ، بأن البيت الأبيض سيواصل إرسال المرشحين اليمينيين المتطرفين إلى «الكابيتول هيل», ويواصل مهاجمة الديمقراطيين على رفض المصادقة على تثبيتهم.

قال عضو اللجنة القضائية، التابعة لمجلس الشيوخ، جيف سيشنز، وهو جمهوري من ألاباما كان في أغلب الأحيان رجل الحكومة البارز في معارك الترشيح، قال بعد مسيرة حاشدة قادها تشيني في عام 2002:

«هنالك سبب لتغوّل البيت الأبيض بقيادة تشيني حول هذه القضية» ففي الوقت الذي يمكن أن تكون فيه فوائد جانبية معينة من حشو المحاكم بمحافظين وديين ـ كما يظهر الحكم حول سريّة فريق عمل الطاقة - فإن الهدف الرئيسي لتحكّم تشيني بالجهاز القضائي سياسي. فبعد انتخابه على رأس حكومة «محافظة جياشة المشاعر»;

فإن إدارة بوش ـ تشيني لا تزال تحاول الظهور بمظهر المعتدل حول بعض القضايا مما يثير القلق بين المحافظين الاجتماعيين الذين كانوا دائماً حذرين من جذور عائلة بوش في التقليد الجمهوري المعتدل لنيو إنجلاند.

إن تشيني وقيصر البيت الأبيض السياسي، كارل روف، الذي يقدّر قيمة نائب رئيس ذي شعبية لدى المتطرفين، قد جعلا من مسؤوليتهما الخاصة رعاية علاقات مع اليمين الديني.

ولا يغيب تشيني عن ولائم المحافظين الاجتماعيين، حيث يطمئن المؤمنين بأن الحكومة ستقوم بتعيين القضاة الذين لن يخافوا من التشريع القضائي، حول قضايا مثل الإجهاض والصلاة في المدارس. وقد بدأ في عام 2004 مثلاً، بزيادة عدد الذين يحضرون قمة لجنة العمل السياسي المحافظ في واشنطن.

إضافة إلى متحدثين من التحالف المسيحي، وتحالف القيم التقليدية، ومنتدى نور فيليس شلافلي، ونساء أميركا القلقات، ومجلس البحث الأسري.

يعمل تشيني جاهداً للقيام بما حدّده الأسقف جيري فولويل في عام 2000 باتجاه أن الدور السياسي الرئيسي لوزير الدفاع السابق يكمن في عملية تنشيط القاعدة المحافظة.

ينأسر تشيني وروف للحقيقة الماثلة في أنه، رغم أفضل ما بذلاه من جهود، فإن حوالي أربعة ملايين أصولي مسيحي أحجموا عن التصويت في الانتخابات الرئاسية عام 2000.

وهما يدركان أهمية معارك الترشيح للمناصب القضائية، كجزء من استراتيجية شحن الناخبين المحتملين الذين يتجهون إلى اعتبار السياسة لعبة قذرة، لكن يمكن جذبهم إلى العملية بوعد بأن أصواتهم يمكن أن تضمن إعادة تجريم الإجهاض. لذلك ليس لديهما أية هواجس إزاء طرح ترشيحات المتطرفين الذين يخيفون حتى المعتدلين الجمهوريين في مجلس الشيوخ.

وعندما يعاند الديمقراطيون في اللجنة القضائية التابعة لمجلس الشيوخ ويرفضون مرشحاً؛ فإن ذلك الموقف يكون هو المطلوب. تشيني يعمل منذ أيامه في مجلس النواب وفق النظرية التي يرويها:

«المواجهة تلائم استراتيجيتنا في أن الاستقطاب ذو نتائج مفيدة جداً في أغلب الأحيان. إذا كان كل شيء يعالج بالتراضي والتسويات، وإذا لم يكن هنالك أية قضايا حقيقية تميزنا عن الديمقراطيين، فلماذا يتوجب على البلاد أن تنتخب جمهوريين؟» .

في البيت الأبيض، ربما يكون الأكثر تسيّساً في التاريخ، يخدم مكتب تشيني، الذي يضم طاقمه أكثر من ستين مساعداً، وهو رقم أكبر بكثير من رقم طاقم سلفه، آل غور، يخدم كمركز أعصاب سياسي، فهنالك روف.

وهو استراتيجي قدير وهجومي، المسؤول رسمياً عن سياسات البيت الأبيض، لكنه، لأهداف عملية، يرتبط بديك تشيني، الذي قال ذات مرة: «لقد انطلقت كي أصبح أستاذ علوم سياسية، لكن سنواتي في واشنطن حالت دون تحقيق ذلك مع أن هنالك ترابطاً. وما أريد أن أفعله هو في المجال السياسي».

في الإدارة الأميركية الحالية يقوم تشيني، وليس روف، بصناعة أهم العلاقات والروابط بين المادة السياسية والقرارات السياسية. كما يسارع إلى تولّي مسؤولية المبادرات المثيرة للجدل، والتي تشمل كل شيء، من سياسة الطاقة إلى الأمن الداخلي والإصلاح المؤسسي.

وفي أغلب الأحيان يتولّى تشيني مسؤوليات كثيرة جداً حتى إنه يفسد المسؤوليات الأساسية. ففي الشهور الأولى للحكومة، وبعد أن قدمت لجنة برئاسة السناتورين السابقين.

وارين رودمان وغاري هارت، تقريراً يدعو إلى تعجيل إجراءات مكافحة الإرهاب، خشي تشيني من أن ينسب الفضل للكونغرس بتولّي قصب السبق حول الأمن الوطني. وهذا ليس مناسباً، لأن تشيني وروف يريان أن الدفاع عن الوطن قضية «وسم» بها الجمهوريون.

لذلك قام تشيني بتشكيل فريق عمل ليقدم توصياته. وكما أشار الكاتب جوشوا ميكاه مارشال: «لم يقم فريق العمل الأمني، الذي شكله تشيني، بأي شيء طوال أربعة شهور، ولم يبدأ العمل إلا بعد أن هاجم الإرهابيون أميركا فعلاً في الحادي عشر من سبتمبر».

تشيني مستبداً

لكن تشيني لم يرتدع، وكما كان منذ بداية الفترة الانتقالية، يواصل ليس فقط حشر نفسه في كل حوار رئيسي داخل الحكومة بل يواصل الهيمنة عليها. وهذا يعني، بلا استثناء، أن الأيديولوجية والسياسات تتغلّب على النقاش المفتوح والمصلحة العامة.

وفي الاجتماعات الوزارية وجلسات الاستراتيجية الأصغر، يلعب تشيني في أغلب الأحيان دوراً مماثلاً لدور رئيس دائرة حكومية في الاتحاد السوفييتي السابق، يزجّ بحساب سياسي في كل حوار. وزير المالية المطرود، بول أونيل، الذي كان قد انضم إلى الحكومة بأمر من نائب الرئيس.

وصف تدخلاً كلاسيكيا من جانب تشيني خلال نقاش داخلي في أواخر عام 2002 حول ما إذا كان يتوجب اقتراح جولة ثانية من التخفيضات الضريبية للأميركيين الأثرياء، معرباً عن القلق إزاء العجوزات المتزايدة، والتي ردّ تشيني حولها قائلاً: «لقد فزنا بالانتخابات النصفية، وهذا دين علينا».

صدم أونيل بعبارة صديقه القديم: «لا تربكني باستبدادية الحقائق المطلقة», واستنتج أن تشيني، الأبعد ما يكون عن القوة المتوازنة الملطفة، التي توحي بها القصاصات الصحافية، قد اعتنق «أيديولوجية صفيقة» لا يمكن للحقائق أن تخترقها.

ولم يحظ أونيل بأية فرصة للاستئناف أمام الرئيس المتحلل من كل شيء حسبما يبدو، والذي بدا في نظر الإداري السابق لشركة الكوا «مثل رجل أعمى في غرفة مليئة بالطرشان».

بعد أن غادر الوزارة، أوضح أونيل للصحافي رون سوسكيند أن «تشيني وحفنة رجال آخرين أصبحوا حرساً بريتوريين» (نسبة إلى الحرس الإمبراطوري الروماني) يطوّقون الرئيس. وفيما يتعلق بنقل أفكار جديدة تغييرية إلى المكتب البيضاوي؛ «فإن هذا المتجر قد أغلق».

جون ديلوليو وهو منفيّ سابق من إقطاعيات تشيني الشاسعة، كان قد ترأس «المبادرة المستندة إلى الإيمان» التي أطلقتها الحكومة، وقد غادر البيت الأبيض بهجوم مماثل إزاء حرف السياسة لأهداف سياسية.

قال ديلوليو: «ليس هنالك أية أسبقية لأي إدارة أميركية حديثة عما يجري في كنف هذه الإدارة افتقار كامل لجهاز يختص بالسياسة. فما تراه هو أن كل شيء - أعني كل شيء ـ يدار من قبل الذراع السياسي. إنه عهد المكيافيليين».

وقال ديلوليو في رسالة رائعة كتبها في يناير 2003 إلى مجلة «إيسكواير» إن البيت الأبيض: «افتقر حتى إلى أكثر الأجهزة السياسية حساسية».

وأوضح ديلوليو أنه عندما بدأ مساعدو البيت الأبيض يتحدثون عن قضية خطيرة كان مألوفاً أن نشهد «ما هو أقرب إلى التحولات الفورية منه إلى مناقشة الحجج المؤيدة والمعارضة للسياسة الفعلية لمناقشة الاتصالات السياسية واستراتيجية الإعلام، الخ».

قد يبدو ظاهرياً أن هنالك انفصالاً بين «الأيديولوجية الصفيقة» التي ضايقت أونيل، وبين «الذراع السياسي» المتطاول الذي أزعج ديلوليو. وبعد كل ذلك، ألم تكن هنالك أوقات تسمح بالتراجع عن موقف نقيّ لتحقيق مصلحة انتخابية؟ هذا صحيح بالطبع.

لكن هذا ينطبق على تشيني «المحافظ الذي يقف إلى يمين جنكيز خان» الذي عمل جاهداً لهزيمة رونالد ريغان في عام 1976 في قلب حسابات تشيني، سواء كانت القضية سياسة طاقة أو ترشيحاً قضائياً أو الحرب مع العراق، هنالك تصميم مركب على ممارسة السلطة بهدف اكتساب سلطة أكثر.

مما لا شك فيه أن تشيني محافظ مخلص أرخي له العنان، كما أنه لا يوجد أي شك في أنه سينحرف، إلى أقصى يمين التوجه السياسي الرئيسي، كما يظهر سجل تصويته في الكونغرس. لكن من بداية حياته المهنية، كان تشيني يظهر بغضاً شديداً للتضحية بالسلطة من أجل المبدأ.

فالتحدي الذي يضعه تشيني لنفسه هو الموازنة بين المطلبين، لذلك عندما يوجه تشيني البيت الأبيض نحو اليمين، فإن ذلك لا يندرج في إطار تحقيق هدف أيديولوجي فحسب، بل إنه يريد أيضاً التأكد من أن هنالك مكسباً سياسياً.

ومن هنا، عندما أراد شيني فعلاً جولة أخرى من التخفيضات الضريبية لمكافأة قاعدة المتبرعين للحزب الجمهوري، فإنه لم يطرح الأمر إلا بعد أن انتصر الجمهوريون في الانتخابات النصفية عام 2002 .

وكان هنالك شكل آخر للحسابات السياسية، عندما روّج تشيني وروف ترشيح قاضي المسيسيبي الفدرالي، تشارلز بيكرنغ ، الذي كان سجله الحافل بمعارضة التزاوج بين الأعراق المختلفة والدفاع عن حرق الصلبان، لا يتفق مع نشطاء الحقوق المدنية، ليصبح قاضياً في محكمة الاستئناف الأميركية في الدائرة الخامسة.

وهي الدائرة التي يعتمد عليها بشكل تقليدي لتنفيذ قوانين الحقوق المدنية في أقصى الجنوب. وعندما صدّت اللجنة القضائية التابعة لمجلس الشيوخ، ترشيح بيكرنغ في مارس 2002 تحرك محور تشيني - روف لتزييف حقيقة القرار، واعتباره اهانة للتراث والقيم الجنوبية. ولم يكن الهدف قيد الحوار أبداً:

دفع البيض الجنوبيين، وبخاصة الرجال، الذين أثيروا بدرجة شديدة؛ ليخرجوا بأعداد كبيرة مؤيدين للجمهوريين، الساعين إلى مقاعد في مجلسي النواب والشيوخ.

نجحت الاستراتيجيات التي وضعها تشيني وروف في الولايات الجنوبية، مثل المسيسيبي وجورجيا، حيث عاش الجمهوريون سنة جيدة جداً في 2002 لكن مع اقتراب انتخابات الخريف، كانت هنالك - على الأقل - ولاية واحدة بدت فيها خطط ديك تشيني السياسية المرسومة على أفضل نحو، تنحرف عن مسارها.

يحب تشيني أن يكون الديمقراطيون ضعفاء، فإلى جانب أعضاء آخرين من الحكومة؛ فإنه كان سعيداً مع اقتراب انتخابات 2002 برغبة زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، توم داشل.

وزعيم الأقلية في مجلس النواب ديك غيفارت، في التوقيع على مبادرات تشريعية للبيت الأبيض حول كل شيء، من التعليم إلى إصلاح الإفلاس، إلى الحرب مع العراق - لكن لم يكن كل الديمقراطيين متشابهين، فقد بدأ أن سناتوراً، هو بول ويلسون من مينيسوتا يشن الهجوم على الحكومة كلما سنحت له الفرصة.

كان تشيني يكنّ ازدراء عميقاً نحو ويلسون، منذ وصول البروفيسور الجامعي السابق إلى واشنطن في عام 1991 بعد تغلبّه على سناتور جمهوري كان يشغل المقعد.

وكان أحد أول الأعمال التي يقوم بها ويلسون في مجلس الشيوخ، هو معارضة القرار الذي يجيز للرئيس بوش الابن شن الحرب على العراق. وكان بوش الأب قد أطلق عبارات فاحشة عندما أثار ويلسون قضية الحرب معه في عام 1991 ، وظل تشيني على موافقته على تقييم رئيسه السابق للسناتور، صاحب الشعبية في وسط غرب البلاد.

من بين جميع مشاريع تشيني السياسية في عام 2002 لم يكن هنالك ما هو أبرز وأجزى من حملته للإطاحة بويلسون. كان سباق مينيسوتا حاسماً، فلم يكن للديمقراطيين أغلبية إلا بمقعد واحد في مجلس الشيوخ.

وإذا أمكن إلحاق الهزيمة بويلسون، فسوف يكون باستطاعة تشيني، كنائب رئيس، أن يفك عقدة الأصوات لصالح الأجندة الجمهورية. وقرر تشيني أنه إذا انهزم ديمقراطي واحد فقط، فسوف يكون هذا هو ويلسون.

إلى أي مدى كان نائب الرئيس جادّاً إزاء التخلص من ويلسون؟ كان جادّاً جداً، إلى درجة أنه انخرط شخصياً وعلنيّاً جداً في اختيار المرشح الجمهوري ليتصدى للسناتور ويلسون. لكن مهلاً ! ألا يفترض بجمهوريي مينيسوتا أن يختاروا مرشحيهم لمجلس الشيوخ؟ ليس في العالم السياسي لديك تشيني.

وهذا ما تعلمه تيم بولنتي، زعيم الأغلبية في مجلس نواب مينيسوتا في 18 أبريل 2001 فقد كان بولنتي، وهو جمهوري ذو شعبية واسعة، قد قرر أن يحاول تحدّي ويلسون.

وكان يمكن لبولنتي أن يواجه رئيس بلدية سانت بول، نورم كولمان، وهو ديمقراطي سابق غير انتماءه الحزبي، وكان يرأس حملة تذكرة بوش تشيني عندما خسرت مينيسوتا في عام 2000 في انتخابات الحزب التمهيدية.

لكنه كان واثقاً إزاء احتمالاته إلى أن تلقى المكالمة، فقبل تسعين دقيقة من المؤتمر الصحافي، الذي كان من المقرر أن يعلن فيه ترشيحه، رنّ جرس الهاتف في سيارة بولنتي. وكان المتصل نائب الرئيس ديك تشيني يقدم بعض النصح.

ولو كان بولنتي يعرف ما ينفعه سياسياً فلن يمضي قدماً بالإعلان. كان البيت الأبيض قد قرر أن كولمان سيكون المرشح ضد ويلسون، وأوضح تشيني جيداً أنه لا يريد من كولمان أن يواجه تحدياً رئيسياً من جمهوري ذي مصداقية.

أصيب بولنتي بالذهول، لكنه كان جمهورياً مخلصاً. فقد قال بولنتي، الذي صدم حتى مؤيديه عندما أعلن بانصياع في المؤتمر الصحافي في ذلك اليوم، بأنه لن يزعج قوة كولمان الماحقة: «عندما تتلقى مكالمة من نائب رئيس الولايات المتحدة، الذي يشير فيها إلى أنه يتحدث نيابة عن الرئيس، فإن ذلك شيء أحترمه وأجلّه».