في هذه الحلقة، تتوالى الحقائق التاريخية والراهنة، التي تؤكد بشكل قاطع صحة مقولة قديمة مفادها أن السياسة ما هي إلا انعكاس لمجموع المصالح الاقتصادية في مجتمع ما، فتجليات هذه الحقيقة واضحة لا لبس فيها في هذا الكتاب موضوع البحث، حيث نلحظ وجود تزواج عريق بين شتى صنوف اهتمامات ومصالح الشرائح الحاكمة في المجتمع الأميركي، والتي تنقسم بالخطوط العريضة إلى شريحتين رئيسيتين واحدة تملك وتحكم وأخرى تحكم ولا تملك،

لكن وجودهما سوياً في أعلى قمة الهرم السياسي، يجعل الفروقات ضئيلة فيما بينهما إلى حد الاندماج الظاهري على أقل تقدير. ولذلك فإنه ليس مستغرباً أن تطالعنا هذه الحلقة من الكتاب بمعلومات تاريخية تفيد بأن شخصيتين أساسيتين في الإدارة الأميركية الحالية، رامسفيلد وتشيني، كانتا تقفان وراء قرار الرئيس الأميركي الراحل جيرالد فورد بتعيين بوش الأب رئيساً للسي آي إيه آنذاك.

تم تأسيس مؤسسة الاستثمار الخاص الأميركية فيما وراء البحار، وبنك التصدير والاستيراد لمساعدة الشركات الأميركية على توسيع مصالحها وأعمالها في الخارج، على أمل أن تؤدي مثل هذه التوسعات إلى خلق وظائف على الصعيد المحلي، وبناء النوايا الحسنة في كل أرجاء العالم.

وخدمت تلك الفوائد المقصودة كتبرير لاستخدام الدولارات الضريبية لضمان الاستثمارات في المساعي الخارجية، التي يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر. لكن المشاريع التي انخرطت فيها هالبيرتون بدت، في غالب الأحيان، وكأنها تفتقر إلى الهدف النبيل الذي تصفه بروشورات مؤسسة الاستثمار، وبنك التصدير والاستيراد.

ومثال ذلك؛ فإن المشروع الروسي شمل خطة لتجديد حقل نفط سيبيري كانت تملكه شركة «تايمن» أويل، التي يسيطر عليها مجمع روسي يعرف باسم ألفا غروب. وقد نشر مركز النزاهة العامة، الذي حصل على وثائق تتعلق بالصفقة وشركة «تايمن»، تقريراً يصف الشريك الروسي لهالبيرتون بأنه «شركة تضرب جذورها في إرث من فساد المخابرات الروسية والحزب الشيوعي.

إضافة إلى أموال تهريب المخدرات والجريمة المنظمة». لكن الشركة الروسية نفت بشدة تلك المزاعم.لكن في الوقت ذاته، كان آخرون يقولون إن متلقي قروض بنك التصدير والاستيراد لدعم مشروع حقل النفط ـ لضمان ضخ 292 مليون دولار في حسابات هالبيرتون ـ كانوا وهميين.

من الذي كان يقول ذلك بالضبط؟ حسناً، إنها شركة بي بي أموكو، وهي واحدة من شركات كثيرة؛ فوفقا لتقرير السي آي إيه، فإن الشركة العملاقة للنفط وانتاج الغاز ادعت أن تايمن ارتكبت أعمالاً احتيالية وأفسدت عملية إعلان فساد تتعلق بسرقة حقل نفط من المالكين الشرعيين الذين شملت قائمتهم «بي بي أموكو».

وغضبت شركة بي بي أموكو كثيراً من تصرفات تايمن، حتى إنها مررّت إلى الولايات المتحدة تفاصيل العلاقات المزعومة للشركة مع مصالح الجريمة المنظمة الروسية. وقد اعتبرت السي أي إيه تلك المادة «سريّة». لكن حين قامت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بإعلام بنك التصدير والاستيراد حول تايمن، فإنها أخبرت المصرفيين أن المعلومات الواردة في مواد «بي بي أموكو» تتعقب المعلومات، التي كانت الوكالة قد حصلت عليها منفردة، فيما يتعلق بالشركة الروسية.

قد يبدو أن مشروعاً يشمل «تايمن» ما كان ليبدو الاستثمار الأكثر أمناً. وفي الحقيقة؛ فإن هذا هو ما رآه معظم المصرفيين، وهو أيضاً ما رأته وزارة الخارجية الأميركية، التي كانت متشائمة إزاء المشروع السيبيري، قائلة إن الصفقة تعارضت مع «المصلحة القومية». ووافقت السي آي إيه على ذلك الرأي.

وكان يتوجب لهذا أن يحكم على الصفقة بالفشل؛ لكن هالبيرتون لعبت ورقة تشيني، فبعد أن جاء إلى الشركة، قام تشيني بتحريك عملية الضغط في واشنطن لمصلحة الشركة؛ فقد ضاعف ميزانية هالبيرتون لتوسيع رقعة تأثيرها إلى 600 ألف دولار بحلول عام.

1999 ووفقاً لسجلات ديف غريبن، الذي كان يرأس مكتب هالبيرتون في واشنطن، كان التركيز منصباً على نقاط الضغط غير التقليدي، مثل مؤسسة الاستثمار وبنك التصدير والاستيراد. لكن غريبن كان داعية هالبيرتون المسؤول، فقد كانت هذه مهمة تشيني.

وقيل إن تشيني قام برحلات شخصية إلى واشنطن ليمارس الضغط لمصلحة مشروع تايمن، وكان يتودّد لرئيس مجلس إدارة بنك التصدير والاستيراد، جيمس هارمون، الذي تجاوز في نيسان 2000 توصيات وزارة الخارجية والسي آي إيه، ووافق على تقديم مبلغ 489 مليون دولار لشركة تايمن، وكان ذلك أكبر مبلغ يقدمه البنك كقرض لشركة روسية، لكن معظمه أخذ يعود إلى أميركا على شكل 292 مليون دولار لهالبيرتون من دفعات يضمنها دافع الضرائب الأميركي.

وكان ضمان القرض لشركة «تايمن» آخر مبلغ ضخم يجلبه تشيني للشركة، التي كان قد انضم إليها بعد رحلة صيد السمك المصيرية إلى نيو برونسويك، قبل خمس سنوات. وقد حان الوقت للعودة من الباب الدوّار، فقد خدم في ثلاث «إدارات أميركية واحتل أكثر المناصب نفوذاً وبشكل مطرد. والآن أراد أن يكون مسؤولاً.

كان تشيني يعرف أن الناخبين لن يعطوه اللقب الذي بذل جهده من أجله، لكنه كان يعرف كيف يحصل على القوة التي تأتي معه. كان قد وصل إلى تكساس في لحظة ملائمة، بعد أن تولى جورج دبليو بوش منصب الحاكم في عام، 1995 وأخذ ينسل في الدوائر الداخلية للولد وأبيه.

كان تشيني متأكداً من أن العائلة ستعطي الترشيح الجمهوري لجورج دبليو، وكان يعتقد أن هنالك فرصة معقولة بأن يفوز بوش في نوفمبر، ولن تكون هنالك فرص مواتية أكثر من هذه. كان على تشيني أن يكون في المركب. وكما هو الحال في الماضي، أصبح يعلن رغبته في أن يقوم بالعمل الحقير للحملة الانتخابية، فقبل المهمة التي تستنزف الوقت والحافلة بالضغط الشديد، والمحطمة للذات تاريخياً، وهي مهمة اختيار رفيق بوش في التذكرة الجمهورية.

وسمح مجلس إدارة هالبيرتون لرئيسها التنفيذي بالانقطاع عن واجباته لوقت قصير حتى يقدم خدمة بسيطة للحزب الجمهوري، التي اعتبروها خدمةً للوطن. وعلاوة على ذلك، فإن مساعدة الرئيس القادم يمكن أن تجعل تشيني أكثر قيمة للشركة، لكن تشيني كان يعرف أنه لن يعود؛ ففي شهر مايو باع بهدوء أسهم هالبيرتون بما يساوي خمسة ملايين دولار. وكان يتوجب أن تشكل عملية البيع مؤشراً، لكن أحداً لم يدرك أنه كان يسلب ذلك المبلغ، ومضى شهران قبل أن يرشح تشيني نفسه لمنصب نائب الرئيس.

مصير الأموال

تولّى نائب الرئيس ديك تشيني قيادة الحملة علانية، وحصل على موافقة الكونغرس في خريف 2003؛ على طلب حكومة بوش لمبلغ 87 مليار دولار للإنفاق على احتلال العراق والمغامرات العسكرية الأخرى في الخارج. وعند ظهوره في برنامج «واجه الصحافة» في شبكة «إن بي سي» في 14 سبتمبر، 2003 قال تشيني: «إنه يعمل عن كثب مع الكونغرس في دراسة الطلب»، ووصفه بأنه صفقة.

وأوضح تشيني بحماسة غير معهودة قائلاً: «إنه بصراحة مبلغ أقل من المبلغ الذي فرضته أحداث الحادي عشر من سبتمبر علينا هنا في الولايات المتحدة». لم يكن لدى تشيني أي داعٍ ليكون متحمساً. بينما مثلت الموافقة النهائية على حزمة المليارات الـ 87 انتصاراً سياسياً لنائب الرئيس؛ فقد كان أيضاً انقلاباً شخصياً.

كان لتشيني مصلحة خاصة في طلب ذلك المبلغ الضخم كنفقات إضافية، وبعد موافقة مجلسي النواب والشيوخ؛ فإن الاقتراح رصد حوالي 20 مليار دولار لإعادة بناء العراق، مع ذهاب معظم بقية الأموال لتغطية تكاليف الاحتلال.

كان ذلك خبراً جيداً جداً لتشيني، الذي احتفظ رغم احتجاجاته بعكس ذلك، بعلاقات مهمة مع مستخدمه السابق، شركة «هالبيرتون» التي جمعت بين الطاقة والبناء، وكانت الشركة، بطبيعة الحال، المستفيد الرئيسي من النفقات العسكرية ونفقات إعادة البناء في العراق.

في وقت تصويت الكونغرس، كان سلاح الهندسة التابع للجيش قد أحال على ذراع «هالبيرتون» للهندسة والبناء، «براون أند روث»، عقداً دون مناقصة لتجديد مرافق العراق النفطية. واستغلت «هالبيرتون» عقداً أولياً بمبلغ 5,37 مليون دولار لإخماد حرائق حقول النفط، خلال عدد من المهام التي تجاوزت تكاليفها حوالي 7,1 مليار دولار مع خريف 2003، واعترف سلاح الهندسة التابع للجيش أن «هالبيرتون» استطاعت أن تحصل على حوالي سبعة مليارات دولار من دافعي الضرائب لعملها في حقول النفط.

قال السيناتور فراند لوتنبرغ، من نيوجيرسي، الذي كان قد قاد مع عضو الكونغرس هنري ووكسمان هجوم الكونغرس لكشف تفاصيل أعمال «هالبيرتون» في العراق: «إن الحرب جحيم، لكنها تحولت إلى جنة مالية لهالبيرتون. فهذا العقد المحبوب دون مناقصة والذي أعطي لشركة «هالبيرتون» يشفط مئات الملايين من الدولارات أسبوعياً. إنه شيء فظيع».

لم تتوقف الفظاعة عند هذا الحدّ، فقد انكشف أمر عقد آخر بقيمة حوالي ملياري دولار بين البنتاغون و«هالبيرتون» ـ وكان هنالك المزيد من العقود على الخط. وهكذا، عندما وافق الكونغرس على قانون إنفاق الـ 87 مليار دولار، كانت «هالبيرتون» في وضع ليس فقط لأخذ الحدّ الأعلى من الدفعات على عقودها الموجودة، بل السعي أيضاً إلى المزيد من الذهب حين فتح البنتاغون حنفيات الدولارات.

ومن المهم أن تتذكر أن «هالبيرتون» لم تكن فقط مهيأة للاستفادة من الزيادة في تمويل إعادة بناء مرفق العراق النفطي، فقد زجت «هالبيرتون» نفسها أيضاً في الجانب العسكري من العملية، وقد تم دفع حوالي ثلث الكلفة الشهرية، البالغة 9,3 مليارات دولار لتموين القوات لأميركية في العراق في ذلك الوقت لمتعهدين خصوصيين مثل هالبيرتون، وفقاً لمحللين مستقلين.

كشف تقرير لصحيفة الواشنطن بوست في شهر أغسطس 2003 أن «الخدمات التي تقدمها «هالبيرتون» من خلال فرعها، براون أند روث، تشمل بناء وإدارة القواعد العسكرية، والدعم اللوجيستي لضباط الاستخبارات، البالغ عددهم 1200 والذين يبحثون عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، ونقل البريد وإنتاج ملايين الوجبات الساخنة.

وقد أصبح موظفو «هالبيرتون» والعاملون في تنفيذ عقودها، الذين يرتدون في أغلب الأحيان زياً عسكرياً مع شارات مدنية على أكتافهم، جزءاً لا يتجزأ من حياة الجيش في العراق».

لذلك ينبغي ألا يكون هنالك ما يثير الدهشة، إنه عندما وافق الكونغرس على 87 مليار دولار للانفاق على احتلال العراق، ودفع تكاليف مبادرات إعادة البناء، تكهن المحللون أن قيمة سهم «هالبيرتون» سوف تزداد،

لذلك كان تصويت الكونغرس مهماً بشكل خاص لتشيني. وكرئيس تنفيذي سابق لهالبيرتون، التي كانت قد شهدت تراجعاً في قيمة أسهمها نتيجة للاضطرابات في صناعة الطاقة، وما انكشف من تاريخ علاقاتها مع شركة «أينرون» التي ابتليت بالفضائح، كان تشيني في وضع يفيده من ارتفاع ثروات الشركة.

رغم ادعاء تشيني خلال ظهوره في برنامج «واجه الصحافة» في سبتمبر 2003 حين قال: «إنني قطعت كل علاقاتي مع الشركة، وتخلصت من كل مصالحي المالية» في «هالبيرتون»، قال لوتنبرغ إن تشيني احتفظ بعلاقات مالية كبيرة مع الشركة.

وكرجل أعمال ناجح ومستثمر قبل انتخابه لمجلس الشيوخ، أثار لوتنبرغ أن تشيني، الذي أخذ 44 مليون دولار خلال خمس سنوات من العمل مع «هالبيرتون»، واصل تحصيل مئات الآلاف من الدولارات كرواتب مؤجلة، واحتفظ بعدد كبير من خيارات الحصص غير المجربة.

وفقاً لتحليل وزعه لوتنبرغ، إذا كان على تشيني أن يجرب خياراته، فإنه يمكن لنائب الرئيس أن:

ـ يشتري 100 ألف سهم من أسهم «هالبيرتون» مقابل 5,54 دولاراً قبل نهاية 2007، وهذا مبلغ 000,420,5 دولار.

ـ يشتري 333,33 سهماً من أسهم هالبيرتون، مقابل 13,28 دولاراً مع نهاية 2008، وهذا يصل إلى 29,657,937 دولار.

ـ يشتري 100 الف سهم من أسهم «هالبيرتون» مقابل 5,39 دولاراً مع نهاية 2009، يصل ثمنها إلى 000,950,3 دولار.

يتحدث تشيني عن الرغبة في التبرع بأرباح بيع خيارات الأسهم للأعمال الخيرية، ويقول إنه لن يأخذ تخفيضات ضريبية من مثل هذه التبرعات. لكنه ظل يحظى بهيبة وشرف تقديم موارد كبيرة لجمعية خيرية مفضلة ـ ربما تكون مكتبة نائب الرئيس ريشارد تشيني ـ ويمكن له أيضاً أن يوفر ل«هالبيرتون» تخفيضاً ضريبياً كبيراً.

ومن سوء حظ تشيني وشركته السابقة، أن سهم «هالبيرتون» كان يباع مقابل أقل من 25 دولاراً. لذلك، وحتى يستطيع تشيني أن يحصل على المزيد من الأموال، فقد توجب أن ترتفع أسعار أسهم هالبيرتون. ومما لا شك فيه أن ذلك الاحتمال لم يهدده قرار الكونغرس بتوجيه ملايين الدولارات في نفقات جديدة نحو مشاريع، كانت «هالبيرتون» منخرطة فيها بعمق ومهيأة لتوسيع دورها.

هل زاد هذا من صراع المصالح؟ قال مكتب تشيني: «إن الجواب على ذلك السؤال هو بالنفي»، لكن ذلك كان لأنهم فسروا احتفاظ نائب الرئيس بخيارات الأسهم غير المجربة كنوع من الارتباط بهالبيرتون. أشار لوتنبرغ إلى أنه إضافة إلى التمسك بخيارات الأسهم؛ فإن نائب الرئيس تلقى مبلغ 298,205 دولاراً كرواتب مؤجلة دفعتها «هالبيرتون» في عام 2002،

وأوضح لوتنبرغ أنه كان من المقرر أن يأخذ تشيني، حسبما يبدو، دفعات مماثلة في الأعوام 2003 و2004 و2005 وقال لوتنبرغ: «يقول نائب الرئيس إنه ليس له أية علاقات مالية بـ «هالبيرتون»، لكن ملفاته المالية توحي بشيء آخر»، فلقد تلقى نائب الرئيس تشيني في عام 2001 وعام،2002 كرواتب من «هالبيرتون»، قدر ما تلقى كنائب رئيس». ولم يكن لوتنبرغ وحده في اعتبار دفعات الرواتب المؤجلة وخيارات الأسهم غير المجربة على وجود علاقة مستمرة بين تشيني و«هالبيرتون».

وصف تقرير صادر إحدى لجان التحقيق التابعة للكونغرس، الرواتب المؤجلة وخيارات الأسهم، على أنها «من ضمن تلك المنافع التي وصفها مكتب الأخلاقيات الحكومية بأنها (علاقات باقية) أو روابط بمستخدم سابق للمرء».

وهكذا، وبينما كان نائب الرئيس ومساعدوه مشغولين في نسج الحكايات حول ما إذا كانت الصراعات موجودة أم لا، فقد قال لوتنبرغ: «إنني أطلب من نائب الرئيس أن يتوقف عن تغليف القضية بلغة القضاء».

لم يأخذ نائب الرئيس بنصيحته، وحاول لوتنبرغ وديمقراطيون آخرون في مجلس الشيوخ تعديل قانون إنفاق الـ 87 مليار دولار؛ لإجبار تشيني في النهاية على قطع ما تصفه لجنة التحقيق التابعة للكونغرس «بالعلاقات المستمرة» أو «الروابط» مع هالبيرتون.

كان يمكن للتعديل أن يمنع الشركات ذات العلاقات المالية مع بوش وتشيني ووزرائهما، من الحصول على عقود البنتاغون في العراق. وكان يمكن للتعديل أن يطلب من أعضاء حكومة بوش، الذين يحتفظون بخيارات الأسهم لتنفيذها خلال تسعين يوماً أو يخسروا المنافع.

ادعى مساعدو تشيني أن كل الحديث عن علاقات نائب الرئيس مع «هالبيرتون» كان «هجوماً سياسياً رخيصاً». لكن بعد انكشاف تفاصيل صفقات «هالبيرتون» المغرية، وتورطها في أخذ أموال الحكومة الأميركية، والقيمة المتزايدة لعقودها مع البنتاغون، فإن ما وصفه مساعدو تشيني «بهجوم رخيص» بدأ يلوح كدليل دامغ.

اختيار بوش الابن وشريكه

كان الجميع يعرف أن جورج دبليو بوش سيحتاج إلى راعٍ. ولم يكن ذلك لأنه بحدّ ذاته رجل غبي، ولأنه مهمل فقط. فقد كان يدمر كل شيء يلمسه ـ بما فيها أربع شركات لصناعة النفط وولاية تكساس. وفي لحظة تأمل رزين نادرة، أوضح جورج دبليو بوش لأحد المراسلين قائلاً: «إنني في الأساس من صنع الإعلام. فأنا لم أفعل أي شيء أبداً، كنت أعمل مع والدي. عملت في مصلحة النفط، لكن ذلك لم يكن ذلك النوع من السيرة الذاتية التي تؤهلك لاختيارك لمنصب عام».

كان الأخ الذي يملك السيرة الذاتية المناسبة هو جون أيليس بوش (جيب)، الذي كان النقاد يطرون عليه منذ الثمانينات على أنه «بوش الجيل القادم». كان جيب الأخ، الذي كان يفترض فيه أن يشغل البيت الأبيض من جديد في عام 2000 .

ومن سوء الحظ أن ناخبي فلوريدا لم يكونوا على علم بجدول جيب الزمني، فحين اختار أبناء فلوريدا عدم انتخاب جيب كحاكم لهم في عام1994، فإنهم أوجدوا بذلك مشكلة كبيرة لآل بوش، ولم يكن باستطاعة جيب أن يحدّث سيرته الذاتية إلا في عام، 1998 وبالتالي فإنه لم يكن لديه الوقت الكافي للاستعداد للسباق الرئاسي القادم،

لذلك اضطرت العائلة للتحول إلى جورج دبليو، الذي تم نقله في 1994 إلى قصر حاكم تكساس بمساعدة عرّابه السياسي، كارل روف ومدّ «الثورة الجمهورية». وإذا كان يتوجب على آل بوش أن يكون لهم حصان يشارك في سباق 2000، فإنه سيكون جورج دبليو.

كانت المشكلة أن جورج بوش لم يكلّف خاطره أبداً بالاستعداد للرئاسة. ورغم محاولات روف المضحكة لجعل بوش يبدو وكأنه يجيد لغتين، فإن الحاكم عانى، وبصورة مضنية في أغلب الأحيان، مع اللغة الإنجليزية. وقد قالت آن ريشاردز، حاكمة تكساس السابقة عن طريقة جورج دبليو في التعامل مع الكلمات: «ولد وفي فمه مضغة». لم يكن لديه أية خبرة دولية.

لم يكن لديه أية خبرة بواشنطن، لم يكن لديه أية خبرة عسكرية ـ إلا الوقت الذي قضاه بطبيعة الحال في وظيفة بلا أي عمل، مع الحرس الوطني الجوي في تكساس، وهي وظيفة تم ابتداعها له لإبقائه بعيداً عن القتال في فيتنام. وكانت خبرته التجارية. سجلاً مأساوياً حافلاً بالإخفاقات، واحداً بعد آخر، وكان يتم إنقاذه من كل وضع سيئ بضخ أموال كثيرة وبشكل متزايد، من «أصدقاء» والده المتنفذ سياسياً، وهم أصدقاء محليون وأجانب مثيرون للجدل.

وقد حصل على منصب الحاكم من خلال حملة جمعت أكواماً ضخمة من أموال المصالح الخاصة، وأنفقها في تلطيخ سمعة خصم أكثر قدرة، وأكثر نزاهة. ومضى في طريقه ليخلق أزمة مالية شديدة جداً، حتى إنه عندما سئل عن عجز ولايته المترّبص خلال حملة، 2000 اعترف بوش قائلاً: «آمل ألا أكون في منصب الحاكم لأتصدّى لها».

حتى بين كبار مساعدي بوش، كان هنالك إدراك بأن هذا الرجل ليس مستعداً للحظة السياسية الحاسمة. أصبح المراسلون، الذي يغطون المراحل الأولى لحملة2000، على معرفة بمراقبة فريق بوش الموغلة بالتدقيق لتصريحات المرشح، وحين يقول شيئاً سخيفاً أو غير صحيح أو ببساطة غير مفهوم، كان آري فليشر أو كارل روف أو عضو آخر من طاقم تنظيف الاتصالات، يظهر على الفور لتوضيح ما كان بوش يقصده.

وإذا تجرأ مراسل على تفصيل الضعف الواضح جداً للمرشح، كانت تجيء مكالمة عند الساعة السادسة صباحاً من كارين. ولم يكن يساور فريق بوش أية هواجس إزاء التوجه إلى الأجنحة التنفيذية، حيث لم يكن الرؤساء التنفيذيون لمراكز وسائل الإعلام يحتاجون إلى تذكيرهم بأنه إذا أصبح بوش رئيساً فعلا، فسوف يعينهم أعضاء في مفوضية الاتصالات الفيدرالية.

كانت الحملة لتنصيب بوش رئيساً مهمة نسج الحكايات النهائية، وحتى عندما كان بوش يتعثر في بداية المعركة، وخسر عمليتين انتخابيتين تمهيديتين أمام متحديه جون ماكين، أصبح طاقم بوش، الأفضل تمويلاً، والأفضل انضباطاً، متزايد الثقة بأن بإمكانه حقّاً أن يحرك مشرحه الطفل ـ الرجل، ليكون مرشحاً جمهورياً.

لكن ما أقلق الجمهوريين المسؤولين والمعلقين المحافظين، احتمال أن يكون الحزب على وشك المقامرة بمستقبله، بالاعتماد على رجل يبرز، حسبما قال كاتب ناشونال ريفيو، ريشارد بروكهايزر «كرجل مراهق غير مريح في الثالثة والخمسين من العمر». وحتى جورج ديل، كاتب العامود لعدة صحف، والذي لم يلتق أبداً بمرشح جمهوري للرئاسة ولم يدافع عنه، أبدى قلقه، كتابة، بأن بوش أظهر «جوّاً من المراهقة، والإهمال والطيش، ربما تولدت من أشياء أسرف في السعي وراءها حتى الآن».

لم يكن هنالك أحد أكثر إدراكاً لهذه الهموم من جورج هيربرت ووكر بوش، فلم يكن الرئيس السابق يريد ما هو أكثر من إعادة آل بوش إلى البيت الأبيض، لكنه كان يدرك أن ابنه يفتقر إلى الجديّة. لكن الأب كان يعرف أن الجديّة يمكن أن ترتبط بمرشح من الوزن الخفيف، على هيئة زميل في التذكرة من الوزن الثقيل.

ولأنه خدم كنائب رئيس، وبعد أن فجّر عملية اختيار نائب الرئيس، عندما ضرب دان كويل القادر بشكل مختلف في عام، 1988 كان بوش الأب يعتقد أن زميل التذكرة المناسب يشكل المهمة الرئيسية أمام حملة ابنه في ربيع وأوائل صيف 2000.

ولم يكن الأمر مجرد تعيين سياسي، فالرئيس السابق، وهو رجل حكم تناقض سجل خبرته مع سجل ابنه المبتدئ، كان يدرك أن ضغوط الرئاسة تمثلت في أن بوش الابن سوف يحتاج إلى رجل ثان في القيادة، يملك المهارات لتوجيه الحكومة الجديدة، لتجاوز الثغرات التي حطمت الولاية الأولى لرجال أقل جاهزية.

وكما قال الصحفي المخضرم جيمس كلورفيلد «كان هنالك إدراك لدى بوش الأب وأعوانه أنه سيكون من الضروري وضع شخص مسؤول عن حكومة الابن». وأكّد الرئيس السابق لابنه أهمية اختيار الشخص المناسب لإدارة البحث عن زميل التذكرة، يجب أن يكون شخصاً كان ذات يوم على دراية بطرق واشنطن، ذا صلات جيدة بالحزب الجمهوري وقاعدة المتبرعين المؤسسين العريضة له، وموالياً جداً لآل بوش. وأدى ذلك إلى تضييق المجال أمام ديك تشيني ودونالد رامسفيلد.

لكن رامسفيلد كان استعراضياً، وكان تشيني، الذي جعل من نفسه شخصاً مفيداً للحملة بإدارة شؤون السياسة الخارجية والدفاع عن المرشح، يعرض المساعدة دائماً. لماذا لا يكون هذا الشخص هو تشيني؟ وهكذا كان الأمر، بعد أن انتهت حملته مع المتحدي المزعج ماكين، جلس جورج دبليو بوش مع ديك تشيني لمناقشة عملية اختيار نائب الرئيس.

في البداية، كان بوش قد سأل تشيني بالتحديد فيما إذا كان وزير الدفاع السابق يريد النظر إليه كمرشح. ولو أن تشيني أجاب بكلمة نعم، فقد كان يمكن إعطاء شخص آخر مسؤولية إدارة عملية الاختيار، لكن تشيني بالطبع كان يعرف منذ أيامه كمتدرب في «الكابيتول هيل» أنه إذا كنت تريد منصباً فإنك لا تعطي مسؤولية تقييم المرشحين لشخص آخر.

لذلك، وكما روى بوش، فإن تشيني ردّ بكلمة لا قاطعة. وبعد أيام قليلة، أعلن بوش بهدوء أن تشيني سوف يبدأ «استعراضه الشامل والجليل» لمرشحين محتملين للتذكرة. وأوضح بوش قائلاً: توصلت إلى رجل دولة مميز وذي خبرة ليقود عملية البحث. وعملنا معاً طوال شهور لاستعراض مؤهلات كثير من المرشحين المثيرين للاهتمام.

وبينما كنا نعمل على تقييم مكامن قوة الآخرين، رأيت الحكم المباشر الرائع لديك تشيني، وفيما كنا ننظر في كثير من المؤهلات المختلفة فإنني استفدت من رؤيته الثاقبة». وفعلها تشيني مرة أخرى، ليتولى المهمة التي لا يحمد عليها، ثم يجعل نفسه الموثوق الرئيسي لدى الشخص الذي سيتخذ القرار النهائي.

وفيما كان بوش يستعرض محاسن المرشحين المحتملين ومساوئهم لمرافقته في التذكرة ـ ماكين، سيناتور ميسوري السابق جون دانفورث، سيناتور تينيسي فريد تومبسون، حاكم بنسلفانيا توم ريدج ـ كان تشيني موجوداً يعرض بهدوء رؤاه التي تخدمه بمكر ودهاء. فقد كان تشيني هو الذي طرح المرشحين عبر امتحان عسير، يطالبهم بتقديم أكوام من الوثائق، بما فيها السجلات الصحية وتفاصيل الحماقات السابقة، حتى يستعرضها.

وعندما اجتمع بوش مع المرشحين المحتملين لم تجر أية مناقشات صريحة. كان تشيني أيضاً في الغرفة، يطرح أسئلة تحقيقية تحمل في طياتها تجريد الآخرين من الأهلية، وما يثير الدهشة، وبالنظر إلى سجل حياته، فإن معظم المشاركين في العملية كانوا يعتقدون فعلاً أنه مسعى جدّي.

لكن عدداً قليلاً من الطامحين بدأت تساورهم الشكوك، ومع اقتراب وقت اتخاذ القرار في أواخر يوليو، فإن أحد المسؤولين الذي يقال إنه كان على قائمة المرشحين المختصرة لدى بوش قد كشف لأحد المراسلين قائلاً: «أحتاج تجميع تلك الأوراق، 50، 60، 70 ساعة.. وكل ما آمله ألا يكون ذلك مضيعة للوقت». حين أصبح اسم تشيني مثار خلاف، قال مرشح آخر: «عليّ أن أصدقهم حين يقولون إنه ظهر متأخراً، لكن ذلك يجعلك تهزّ رأسك استنكاراً».

فن الاحتفاظ بالسر

كان ذلك مضيعة للوقت. وكان من الصواب هزّ الرؤوس استنكاراً. كان تشيني يضيّق العملية إزاء قرار حتمي. كان يركّز الانتباه في النهاية على دانفورث، وهو سيناتور سابق دمث الخلق، ظل محبوباً شعبياً في ولاية ميسوري المهمة المترددة. وقبل حوالي أسبوع من الموعد الذي كان من المتوقع أن يعلن بوش فيه عن اختياره، استدعى دانفورث إلى شيكاغو، لاجتماع وراء الأبواب المغلقة مع بوش وتشيني.

لكن دانفورث لم يكن أبداً عضواً «مهيأ» في تنظيم بوش، وكان يستحق اللّعنة لو أنه لم يؤلف كتاباً صغيراً لاذعاً بعنوان: «الانبعاث: تثبيت كلارنس توماس». وهو كتاب حفل بتلطيخ سمعة أستاذة القانون، أنيتا هيل، وحركات النساء. وكل شخص آخر تساءل عن ترشيح المنظّر المحافظ للمحكمة العليا في عام 1991.

وفي ضوء فوضى بوش «كمحافظ رحيم»، كان يأمل في التقليل من أهمية قضايا الصدام الثقافي التي خلفت فجوة كبيرة أمام الحزب الجمهوري، فقد تم فجأة تصوير دانفورث على أنه خيار محفوف بالمخاطر ـ حيث ذكرت الـ «سي إن إن» أن مسؤولاً مجهولاً قريباً من عملية الاختيار، كان قد أشار إلى دانفورث الهادئ والمهادن بأنه «مستقطب جداً» وليس كفؤاً بالنسبة لأصوات النساء المعتدلات في الضواحي.

وهكذا كان هنالك بوش وتشيني مع اقتراب المؤتمر الجمهوري الوطني، ولم يتبق أي مرشح لمنصب نائب الرئيس، أو هكذا بدت الأمور. وفي الحقيقة كان تشيني، قبل أسابيع، قد اتصل هاتفياً مع بوش الأب، ووفقاً للثرثرات التي ترددت داخل الحملة، قام الرفيقان القديمان ـ اللذان تعود علاقتهما إلى الأيام التي دفع رامسفيلد وتشيني فيها جيرالد فورد لتعيين بوش مديراً لوكالة المخابرات المركزية، الـ «سي آي إيه» ـ قاما بتبادل فكرة تذكرة بوش ـ تشيني،

كشفت تقارير إخبارية أن مصدراً جمهورياً مقرباً من ديك تشيني، وحاكم تكساس جورج دبليو بوش، قال إن الرئيس السابق بوش كان يثمّن تشيني عالياً. وبعد اتخاذ الخيار، كانت النكتة التي تتردد بين المطلعين الجمهوريين أن تشيني كان اختياراً «حصيفاً»، وهي إشارة إلى عبارة الأب التهكمية «ألن يكون اختياراً حصيفاً؟»

بعد أن أعطى الرئيس السابق موافقته المعروفة، كانت هذه الصفقة على وشك أن تكتمل. فبعد يومين من الاجتماع مع دانفورث في شيكاغو، خضع تشيني لفحص طبي كامل، وحصل على شهادة صحية نظيفة، على أحسن ما يمكن توقعه من رجل في التاسعة والخمسين من العمر، كان قد عانى من ثلاث نوبات قلبية وأجريت له عملية جراحية،

ثم نقل سجله الانتخابي من تكساس إلى ويومنغ ـ متحلّلاً من التعقيد الذي يخلقه مطلب الدستور بأن يكون الرئيس ونائب الرئيس من سكان ولايتين مختلفتين. وبدأت الابتسامات تظهر على وجوه المطلعين الجمهوريين الذين يعرفون تشيني. فقد أنجز المهمة بنجاح، وكما ذكرت الـ «سي إن إن» في 14 يوليو، قبل يوم من الموعد الذي كان على بوش وتشيني أن يعلنا عن تذكرة 2000،

وهو الإعلان الذي كان منتظراً منذ فترة طويلة: «قال مسؤول حزبي قديم يعرف تشيني جيداً، إنه فوجئ لأن تفاصيل تحركات تشيني الأخيرة كان يسهل تعقبها، بما فيها قراره بتغيير سجله الانتخابي، وقراره بإجراء فحص طبي شامل في الأسبوع الماضي. قال هذا المسؤول: يعرف تشيني كيف يحتفظ بالسرّ. كلما رأيت شواهد على أنه يتحرك هنا وهناك كي يصبح مرشحاً، ازدادت شكوكي».

ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية