عانت الجاليات الأجنبية التي كانت تقيم في تايوان منذ عقود طويلة من صعوبة الحصول على درجات أكاديمية من الجامعات التايوانية لاسيما إذا كان إتقانهم للغة الصينية تحدثاً وكتابة لا يرقى إلى درجة إجادة المواطن التايواني الذي تعد الصينية اللغة الأم له.

غير أن هذا الوضع قد بدأ يتغير خلال السنوات القليلة الماضية عندما بدأ عدد أكبر من الجامعات التايوانية في تطوير برامج ومناهج تهدف إلى إعداد الطلاب التايوانيين لمواجهة معطيات عالم حديث متغير. وفي هذا الإطار بدأت العديد من الجامعات في تقديم دورات تدريبية باللغة الانجليزية لطلابها، الأمر الذي دفع العديد من المدارس إلى فتح أبوابها أمام الأجانب من المتحدثين باللغة الانجليزية لتقديم تلك الدورات التدريبية.

وقد وجدت تلك الخطوة ترحيباً كبيراً من قبل الجاليات الأجنبية المقيمة في تايوان باعتبارها وسيلة من شأنها أن توجد مزيداً من قنوات الاتصال بينهم وبين المجتمع التايواني بشكل عام. يقول شاب أميركي يدعى ويل أساتو يحضر شهادة الماجستير في الدراسات التايوانية في كلية شنغهاي الوطنية:

«لقد فكرت ملياً في الالتحاق ببرنامج تعليمي يتيح لي الحصول على درجة الماجستير ، ولكني أحجمت عن الأمر بعد أن نصحني كثير من الأجانب المقيمين في الدولة ممن حاولوا من قبلي في المضمار نفسه وقالوا لي إن الأمر لا يستحق معاناة تعلم اللغة الصينية، وأكدوا أن الوقت الذي سأمضيه في دراسة تلك اللغة الصعبة يمكن استثماره بشكل أفضل في القيام بأشياء أكثر فائدة».

غير أن أساتو يدرس الآن في جامعة شنغهاي وسعيد بما حققه من تقدم في دراسة اللغة الصينية بعد أن تغيرت الاتجاهات داخل المجتمع التايواني وأضحي أكثر انفتاحا على الآخر على كل الأصعدة وأهمها صعيد التعليم. يقول أساتو في هذا الشأن: «ما وجدته بالفعل أمرا في غاية الأهمية من موقعي كطالب هو تلك العلاقات البناءة التي أقمتها مع الأفراد في القطاعات الأكاديمية والحكومية والخاصة داخل الدولة».

وأساتو واحد من أجانب كثيرين استفادوا من تلك التغيرات التي دخلت على المجتمع التايواني، غير أن وزارة التعليم التايوانية تأمل في زيادة عدد الطلاب الأجانب في كلياتها بمعدل عشرة أضعاف بحلول عام 2010؛ فهذا الهدف يندرج تحت إطار استراتيجية واسعة تتبناها الحكومة التايوانية من أجل صقل مكانة تايوان على الخريطة العالمية.

يقول جورج تاي - جين شين، مدير الشؤون الأكاديمية في جامعة تايوان الوطنية: «البيئة المتعددة الثقافات التي يوجدها الطلبة الأجانب في المجتمع التايواني تفتح عقول وقلوب الشعب وترتقي بمستواه، وهو الأمر الذي نريد تحقيقه هنا على أرض تايوان».

وانطلاقاً من هذا المبدأ شرعت العديد من كبريات الجامعات التايوانية في تحديث برامج تخدم احتياجات الطلبة الأجانب المقيمين في تايوان. وفي هذا الصد تبرز جامعة شنغهاي الوطنية باعتبارها أفضل الجامعات التايوانية التي يمكنها مقارعة الجامعات الكبرى على مستوى العالم.

يقول كارول لين، مدير قسم التعليم والتبادل الدولي في الجامعة: «الأمر لا يعني أننا نتنافس مع جامعة هارفارد على سبيل المثال، ولكننا ندرك مكانتنا والمميزات التي نقدمها. فنحن نقدم ما لا يجده الطالب في مكان آخر سوانا».

ويشير المسؤول في هذا الصدد إلى الاتجاه إلى تنويع المناهج وأفرع الدراسة في التعليم العالي على مستوى تايوان بشكل عام وعلى مستوى جامعته بشكل خاص، وهو الاتجاه الذي يندرج تحت سياسة أوسع نطاقا تهدف في الأساس إلى الارتقاء بمستوى البلاد على مختلف المستويات. فبجانب تشجيع الطلاب على الدراسة في الخارج،

فإن الحكومة التايوانية آخذة في تشجيع الجامعات المحلية على إيجاد بيئة أكاديمية ذات مناخ يتمتع بقدر أوسع من الصبغة العالمية، وهو الهدف الذي يتطلب مستويات أكبر من التعاون والتبادل الأكاديمي والطلابي وتحسين شامل في مهارات الطلبة واستقطاب أعداد أكبر من الطلبة الأجانب باعتبار أن تلك الأساليب هي الأفضل من نوعها لتحقيق الهدف الأسمى المتمثل في الارتقاء بمستوى الشعب وتعضيد مكانة تايوان على الخريطة العالمية.

وتعد جامعة شنغهاي الوطنية من أولى الجامعات التي تأخذ على عاتقها عبء هذا التحدي، إذ دشنت كلية التجارة في الجامعة عام 2000 برنامجا لتعليم اللغة الانجليزية يتلقى فيه الطلبة الراغبون دورة تدريبية مكثفة في اللغة الانجليزية يصل عدد ساعاتها إلى 42 ساعة. يقول لين إن الغرض من تلك الدورة هو تدريب هؤلاء الطلبة وتعليمهم كيفية التواصل بلغة أجنبية وذلك حتى يتسنى لهم مواجهة حدة التنافس في سوق العمل ومضاهاة نظرائهم من الدول الأوروبية والأميركية المتقدمة.

وعلى الرغم من أنه لا يمنح سوى شهادة أكاديمية ولا يقدم أي ضمانات بالعمل في حقل معين إلا أن البرنامج ذاع صيته في وقت قصير للغاية وتضاعف عدد المقبلين عليه في فترة محدودة.

وفي خريف عام 2001 بدأت الكلية في تقديم برنامج أكاديمي للحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال. وكان هدف الجامعة من ذلك البرنامج إفادة الطلبة المحليين عن طريق إيجاد احتكاك بينهم وبين نظرائهم الأجانب المقيمين في تايلاند. وكان هذا أول برنامج تدريبي في تايوان يشهد تدريس كل مواد الدراسة باللغة الانجليزية.

وبالإضافة إلى برامج ما بعد التخرج، لدى الجامعة برنامج لسنوات ما قبل التخرج يستفيد منه الطلبة الأجانب والمواطنون. ويستهدف ذلك البرنامج كذلك الطلبة الذين يتلقون منحة تايوان الدراسية، وهى المنحة التي تمولها كل من وزارة التعليم ووزارة الشؤون الخارجية وتتكون من خمس سنوات. ويجري التركيز في اختيار الطلبة المستفيدين من تلك المنح على هؤلاء الذين يدرسون مناهج الاتصالات السلكية واللاسلكية وإدارة الأعمال.

وتعطي وزارة التربية والتعليم التايوانية أولوية قصوى لاستقطاب المدرسين الذين يتمتعون بالقدرة على تدريس اللغة الانجليزية وإفادة قطاعات عريضة من الطلبة التايوانيين المقبلين على اللغات الأجنبية.

ويقابل الطلبة الأجانب في تايوان بعض المشكلات التي تؤثر عليهم بالسلب في أحيان كثيرة ولكن الحكومة التايوانية تسعى دائما إلى تذليل تلك الصعاب التي تواجههم عند محاولة التأقلم على الحياة اليومية في تايوان. ضمن تلك الصعاب تبرز مشكلة المسكن المناسب، وهي المشكلة التي تمثل صداعا مزمنا يواجه هؤلاء الطلبة لاسيما عند بداية قدومهم إلى البلاد.

فمعظم بيوت الطلبة التي من المفترض أن يعيش بها هؤلاء الطلبة لا تتمتع بالمساحة التي تكفي لاستيعاب العدد المتزايد من الطلبة الأجانب الذين بدأوا في التوافد على البلد في السنوات الأخيرة بعد اعتماد سياسة الانفتاح التعليمي على العالم. كما أن الإقامة بها تقتصر على فصل دراسي واحد، الأمر الذي يضطر معه الطلبة إلى الإقامة خارج الحرم الجامعي.

ومن هذا المنطلق بدأت الحكومة في الفترة القليلة الماضية في بناء المزيد من بيوت الطلبة ولكن الدلائل حتى الآن تشير إلى أن ما يجري إنشاؤه لن يكفي لاستيعاب الأعداد المتنامية من الطلبة الوفدين إلى البلاد.

وكلية شنغهاي الوطنية وحدها لديها 250 طالبا يدرسون بمختلف المراحل الأكاديمية بالجامعة. ويأمل لين أن يطور هؤلاء الطلبة القادمون من أكثر من 40 دولة على مستوى العالم نوعا من التواصل والتقارب مع الثقافة التايوانية ويفتحون قنوات من التبادل والتنسيق من المواطن التايواني.

يقول لين في هذا الصدد: «درس عدد كبير منا في الولايات المتحدة الأميركية وعملنا أيضا هناك لفترات طويلة، وهو الأمر الذي ولد لدينا ارتباطا كبيرا بتلك الدولة بل بأماكن معينة فيها. ولذا فإنني أتمنى أن يتولد عند هؤلاء الطلبة الأجانب الذين تم استقطابهم للدارسة في تايوان طبقا لمعايير معينة الشعور ذاته تجاه تايوان»

ترجمة: حاتم حسين