إعلى الرغم من أنها لا تحتل المرتبة الأولى في قائمة أفضل 500 جامعة في العالم، وهي المرتبة التي تحتلها عن جدارة ومنذ أعوام جامعة هارفارد الأميركية، إلا أنها أخرجت للعالم أكبر عدد من الحاصلين على جوائز نوبل، ما يعني أنها ساهمت طوال تاريخها في إثراء البشرية بمختلف الابتكارات التقنية والأكاديمية بشكل لم تقم به أي جامعة من جامعات العالم حتى الآن.

إنها جامعة كامبريدج البريطانية التي تعتبر الجامعة البريطانية الوحيدة الموجودة ضمن أفضل خمس جامعات في العالم بحسب تصنيف 2005، حيث جاءت قبل منافستها اللدودة جامعة أكسفورد العريقة التي احتلت المركز الثامن في التصنيف ذاته الذي يصدره معهد التعليم العالي التابع لجامعة شنغهاي جياو تونغ. وتعد كامبريدج أقدم ثاني جامعة في البلدان الناطقة بالانجليزية بعد جامعة أكسفورد. وتشير الأدلة التاريخية إلى أن الجامعة الكبيرة وُلدت داخل كلية صغيرة في مدينة كامبريدج وخرجت إلى النور في صورة جامعة متكاملة الأركان عام 1209 .

وذلك على أيدي مجموعة من العلماء كانوا يشعرون بالاضطهاد في جامعة أكسفورد، ما أرغمهم على الهروب من الجامعة الأعرق في العالم ليؤسسوا تلك الجامعة محل حديثنا. وتسبب هذا الحدث فيما بعد في نشوب معاداة كبيرة بين الجامعتين اللتين يشار إليهما بلفظ واحد: «أكسبريدج»، لتبيان مدى التنافس الشديد بينهما. وحملت عملية إنشاء الجامعة مفارقة غريبة تمثلت في أن جريمة اُرتكبت في 1209 كانت هي السبب وراء تشييد هذا الصرح الأكاديمي الكبير. فقد حدث أن اُتهم اثنان من علماء جامعة أكسفورد بقتل امرأة وتم إعدامهما عن طريق سلطات المدينة بموافقة ملك بريطانيا وقتها.واحتجاجا على عملية الإعدام علقت جامعة أكسفورد الدراسة طواعية في كلياتها. وتسبب هذا في نزوح عدد من علماء ومدرسي الجامعة إلى بعض المؤسسات الأكاديمية المجاورة، كان من بينها كلية تقع في مدينة كامبريدج.

ولهذا السبب كانت كامبريدج في تلك الفترة تُعامل باعتبارها كلية وليست جامعة. وحدث بعد ذلك أن قام الباحثون المتخرجون من جامعة أكسفورد بوضع ركائز الحياة الأكاديمية في كامبريدج اعتبارا من عام 1209. وتأكد بعد ذلك وضع كامبريدج كجامعة معترف بها في 1233 بموجب مرسوم من البابا غريغوري الرابع الذي بدوره منح حماية قانونية إلى رئيس الجامعة وكلياتها.

وبعد أن اُعترف بها من قبل البابا، أضحت الجامعة قبلة عدد كبير من الباحثين القادمين من الجامعات الأوروبية الأخرى في العصور الوسطى والذين كانوا يزورونها بغرض التعلم أو التدريس في كلياتها ومعاهدها المختلفة أو بغرض إلقاء محاضرات بشكل مؤقت.

وبالإضافة إلى تاريخها الطويل في مجال العلوم البشرية، تُعرف الجامعة في أوروبا والعالم بأنها أكثر جامعات العالم تخريجا للعلماء الذين كانت لهم إسهامات بيّنة في تغيير صورة العالم، ومنهم إسحاق نيوتن، صاحب نظرية الجاذبية، وتشارلز داروين، صاحب نظرية النشوء والتطور، ووليام هارفي، مكتشف الدورة الدموية، وجى جي تومسون مكتشف الاليكترون، وإرنست روثرفورد مكتشف الهيكل النووي للذرة، وجيمس كلارك ماكسويل، صاحب النظرية الكهرومغناطيسية وجيمس دي واطسون وفرانسيس كريك مكتشفا هيكلية الحامض النووي وألان تيرنغ صاحب نظرية الحوسبة.

وحصل المنتسبون إلى الجامعة على جائزة نوبل 81 مرة، ما يجعلها تتفوق على أي جامعة أخرى في هذا الصدد. وتشير الإحصائيات إلى أن 70 من هؤلاء قد درسوا بالفعل في الجامعة، وذلك إما في مرحلة ما قبل التخرج أو في مرحلة الدراسات العليا.

وينقسم التدريس في الجامعة بين الكليات البالغ عددها 31 وبين معاهدها وأقسامها الرئيسية. وبشكل عام فإن الأقسام المختلفة للجامعة تقوم بتقديم محاضرات مركزية إلى الطلاب في حين أن الكليات التابعة لها مسؤولة عن الإجراءات والتدابير الداخلية وتوفير الخدمات المطلوبة من قبل الطلبة. والكليات الإحدى والثلاثون الموجودة في الجامعة هي عبارة عن مؤسسات مستقلة كل الاستقلال عن الجامعة ذاتها تتمتع بما يمكن وصفه بالحكم الذاتي داخل الجامعة.

فالكليات هي التي، على سبيل المثال، تحدد نوعية الطالب الذي يلتحق بالجامعة وتقوم بتعيين كبار أعضائها. ففي كامبريدج دائما يعرف لفظ «جامعة» باعتباره اللفظ المضاد للفظ «كليات».

وأول كلية أُنشئت في الجامعة هي كلية بيترهاوس، وذلك عام 1248. وتأسس عدد كبير من كليات الجامعة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ولم يتوقف بناء الكليات طوال القرون الماضية وحتى العصور الحديثة. وآخر الكليات التي أضيفت إلى الجامعة هي كلية روبنسون التي تم بناؤها في أواخر السبعينات من القرن الماضي.

وفي 2004 كانت هناك تقارير إخبارية تفيد بأن الجامعة تخطط إلى زيادة عدد طلابها عن طريق إضافة عدد من الكليات إلى المؤسسات الأكاديمية الموجودة بالفعل غير أن الخطوة رُفضت من قبل مجلس الجامعة. وفي العصور الوسطي كانت الكليات تُؤسس حتى يقوم طلابها بالصلاة والدعاء لصالح أرواح مؤسسيها،

ومن ثم كان يتم دائما الربط بين الكليات والكنائس أو أماكن العبادة المسيحية بشكل عام. غير أنه في عام 1536 وبالتزامن مع قرار حل الأديرة، أمر الملك هنري الثامن بحل جامعة القانون الكنسي وإيقاف تدريس مادة «الفلسفة اللاهوتية»، الأمر الذي تولد عنه تغيير في اتجاه مناهج الكليات التي أضحت بعد ذلك تركز بشكل أكبر على علوم الرياضيات والإنجيل والمواد الكلاسيكية، واختفت دراسة القانون الكنسي.

وفي بداية إنشائها كان كل طلبة الجامعة من الذكور. وظهرت أول جامعة للفتيات في عام 1869 وهي كلية جيرتون وتلتها كلية نيونهام في 1872. وتوجد بالجامعة أقسام بحثية وكليات تدريسية تغطي مختلف التخصصات الأكاديمية. وبحكم التقاليد المتوارثة يتضح أن الجامعة تميل بشكل عام إلى التركيز على البحوث والموضوعات العلمية غير أنها في الوقت ذاته تحوي عددا كبيرا من كليات العلوم الاجتماعية والبشرية.

ويوجد في الكلية نظام رقابي فريد من نوعه يعتمد على العلاقة بين المدرس والطالب. ويجري إعداد البحوث والمحاضرات من قبل أقسام الجامعة، في حين أن الكليات تتولى عمليات الإشراف أو على الأقل تدبير الأمور الخاصة باحتياجات الطلبة مثل المسكن والمأوى والأنشطة الإضافية على المناهج. وشهد العقد الماضي من تاريخ الجامعة نهضة بنائية داخل كامبريدج، حيث تم بناء عدد كبير من المعامل البحثية المتخصصة سواءً داخل الجامعة أو في أماكن مختلفة من مدينة كامبريدج ذاتها.

وتشير التقارير التقويمية التي تتناول مستوى الالتحاق بالجامعات في العالم إلى أن جامعتي أكسفورد وكامبريدج هما الأصعب بين جميع الجامعات البريطانية الأخرى فيما يتعلق بعملية التحاق الطلبة بهما، ولا تتميز أي منهما على الأخرى في هذا الصدد. وعلى مدار تاريخهما، أفرزت الجامعتان عددا كبيرا من العلماء والساسة والاقتصاديين البارزين الذين أثروا في تاريخ بريطانيا والعالم. وتحتل الجامعة المرتبة الأولى في قائمة أفضل الجامعات البريطانية للعام الثامن على التوالي وذلك بحسب تصنيف صحيفة «صنداي تايمز».

ووضعها تقويم ملحق التعليم العالي الذي تصدره مجلة « تايمز» في المركز الثالث عالميا. كما أن التقويم ذاته وضعها في المركز الأول في مجال تدريس العلوم وفي المركز الثاني على مستوى تدريس الطب الإحيائي وفي المركز الثالث فيما يتعلق بتدريس الفنون والعلوم البشرية وفي المركز السادس في تدريس التقنيات الحديثة وفي المركز الثامن في تدريس العلوم الاجتماعية.

كما تملك الجامعة أكبر أوقاف بين الجامعات الأوروبية الأخرى، إذ تشير أحدث التقارير الصادرة في 2005 إلى أن أوقاف الجامعة تتراوح قيمتها بين 7,2 مليار و1,3 مليارات دولار، ويتضمن هذا المبلغ قيمة الكليات والمنظمات التابعة التي تعمل تحت مظلة الجامعة.

وجرت العادة في الماضي على أن يعتمد التحاق الطلبة في مرحلة ما قبل التخرج بالجامعة على مدى معرفة الطالب باللغتين اللاتينية واليونانية القديمة والمواد التي تُقدم إلى الطلبة بهاتين اللغتين اللتين كان يتم تدريسهما بشكل رئيسي داخل المدارس ذات الرسوم في بريطانيا وهي المدارس التي تُعرف بالمدارس العامة،

الأمر الذي كان يعني وقتها أن طلبة الجامعة كانوا بالضرورة ينحدرون من عائلات الصفوة في المجتمع البريطاني. غير أن عملية الالتحاق تلك تم تطويرها في الستينات من القرن الماضي حيث أضحت عملية الاختيار تعتمد على درجات الطالب العامة وعلى أساس القدرات الذهنية والإبداعية والنفسية والاجتماعية للمتقدم، إذ يتم اختبار الطالب من خلال امتحانات صعبة للغاية يجري فيها اختبار قدراته بشكل عام، لاسيما الابتكارية منها

إعداد: حاتم حسين