يناقش رئيس الوزراء الدنماركي أنديرسن فوغ راسموسين قضية الرسوم الكاريكاتيرية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وردة فعل المسلمين وخطر صراع الحضارات، في هذا الحوار مع «ديرشبيغل»:
ـ وزير الثقافة في حكومتك، برايان ميكلسين، أعرب عن سروره بأن الدنماركيين كسبوا أول جولة في صراع الحضارات، بعدم تزحزحهم عن موقفهم، هل أنت مسرور أيضاً؟
ـ لا أستطيع أن أصدق ما أحدثته هذه الرسوم الكاريكاتيرية الاثنا عشر في العالم، نحن الدنماركيين نشعر بأننا وضعنا في مشهد في الفيلم الخاطئ، لكني لا أنظر إلى الأمر كصراع حضارات، بل علينا التركيز على تجنب هذا النوع من الصراعات، علينا العودة إلى الحوار، إلى التفاهم المتبادل وإلى الاعتراف بحرية الرأي.
ـ في بداية عهدك في رئاسة الحكومة، أنت نفسك أعلنت عن حركة تجديد ثقافي، لا بل عن معركة ثقافية في كل الميادين الاجتماعية، هل هذا ما عنيته؟
ـ كان ذلك سوء تفاهم ـ في ذلك الوقت بالنسبة لي، كان الأمر حول مناقشة القيم في الدنمارك لطالما لعب الاجماع والحوار دوراً مهماً خاصة في المجتمع الدنماركي.
بالطبع هناك قيم أساسية يجب احترامها، لكن داخل هذا الإطار، نحن بلد ليبرالي ومتسامح يمكن لأي شخص فيه أن يعيش كما يرغب وبحسب تقاليده، هذه هي الطريقة الدنماركية.
ـ الآن يتم حرق العلم الدنماركي في العواصم العربية، وهناك خوف على سلامة الدنماركيين في العالم الإسلامي.
ـ في الداخل، يحاول الدنماركيون دائماً تسوية مشكلاتهم سلمياً، لذلك فإنه لمشهد سريالي أن نرى هذه الصور العنيفة على شاشات التلفزة، لكن من موقعي كرئيس وزراء، لا يمكن أن أدع تلك المشاعر تسيطر عليّ.
ـ لأول مرة تجد حكومتكم نفسها في قلب أزمة دولية لا يمكن تصورها تمت دائماً انعكاساتها من شمال إفريقيا إلى جنوب آسيا.
ـ هذه الاحتجاجات لم تعد تخص الرسومات الكاريكاتيرية التي نشرتها صحيفة دنماركية مستقلة وحرة. فالعديد من الجماعات التي لديها اهتمامات منوطة بالعالم الإسلامي بدأت الآن تستغل الوضع لخدمة غاياتها الخاصة.
ـ ماذا كان رأيك الشخصي عندما شاهدت الرسوم الكاريكاتيرية في صحيفة «جيلاندز بوستن»؟
ـ لا أذكر حتى متى رأيتها أول مرة، وبالطبع بدأ اهتمامي بالأمر مع بداية المناظرات العامة حوله. وهكذا كان الأمر بالنسبة لمعظم الدنماركيين، فلم يكن أحد مهتماً كثيراً بهذه الرسوم قبل الضجة التي أثيرت.
ـ لكنها نشرت في أكبر صحيفة دنماركية؟
ـ الكاريكاتير جزء مهم من ثقافتنا الخاصة بالنقاش والمناظرات. ويفترض ان الرسوم الكاريكاتيرية تنزع فتيل المشاحنات السياسية عن طريق الهزل والسخرية، وكأنك توصل من خلال الكاريكاتير تصريحاً قوياً وناعماً وظريفاً في الوقت ذاته. ولذلك فإن الدنماركيين لا ينزعجون أبداً من الرسوم الكاريكاتيرية. وليس فينا أحد مهتم بإهانة المسلمين.
ـ هل بالغتم في التقليل من شأن المشكلة في البداية؟
ـ في البداية كان الجدل جدلاً محلياً وأخذناه على محمل الجد. وفي خطابي لرأس السنة قلت بوضوح ان هذه الحكومة ستشجب أي محاولة لتشويه صورة أية مجموعة دينية أو إثنية. ولاقت الرسالة صدى جيداً لدى الحكومات العربية وظننا إنه قد تمت تسوية المسألة.
ـ وسرعان ما اكتشفتم إنكم كنتم مخطئين؟
ـ لقد تم تصعيد الوضع فجأة ومازلنا لا نعرف لماذا. لكن من الواضح ان بعض الزعماء الدينيين الدنماركيين سافروا إلى بلدان إسلامية وعندها بدأت المعلومات المغلوطة عنا تظهر في كل مكان. وتم صب الزيت على النار.
ـ ألم ترتكبوا أخطاء أيضا؟
ـ لا أعتقد إنه كان بوسعنا القيام بأي شيء بطريقة مختلفة. وحتى الآن هناك شائعة بأن الحكومة رفضت الالتقاء بوفد مؤلف من 11 سفيراً من العالم الإسلامي. وهذا كلام غير صحيح. فلقد التقى وزير الخارجية بير سيتغ بهم في نوفمبر. وهذا أمر طبيعي. لكن السفراء طالبوا بأن اتخذ أنا إجراءات قانونية ضد الصحيفة. وأبلغتهم إن الحكومة الدنماركية الديمقراطية لا يمكن ان تفعل هذا.
ـ إذن لماذا انتقدك زميلك السويدي غوران بيرسون وقال إنه ما كان يمكن ان يقلل من شأن مثل هذه المسألة؟
ـ أولاً، هو ليس في وضعي ليحكم عليه. ثانياً. انا لا يمكن ان أخوض في الحديث عن أية قضية داخلية في السويد. وثالثاً يشرفني ان أتعرض للهجوم من الديمقراطيين الاجتماعيين في السويد ـ فهذه دلالة على ان سياساتنا هي الصحيحة.
ـ الزعيم الديني لحوالي 27 جماعة إسلامية في الدنمارك اتهمك بتجاهل التماس قدمه 17 ألف مسلم استخدموا تواقيعهم للتعبير عن غضبهم.
ـ كان ذلك أيضاً سوء تفاهم. لقد جاؤوا وظهروا فجأة أمام بابي دون سابق إنذار. حتى إنني لم أكن هناك. لكني اعتقد أني أجبت عن كل رسالة وكل ملاحظة.
ـ قبل عامين، عندما قدمت جائزة الحرّية للكاتب السينمائي الهولندي لفيلم «خضوع» للمخرج ثيوجان كوخ والذي انتقده المسلمون بشدّة، التقيت بممثلين عن عدة منظمات أجنبية. لماذا كانت ردّة فعلك مختلفة هذه المرّة؟
ـ في ذلك الوقت لم يكن الأمر عن الدين بل عن الاندماج ـ عن الهجرة وسياسات اللجوء وحتى عندها كانت هناك اختلافات كبيرة بين الممثلين السياسيين والممثلين الدينيين. لكن بعض الزعماء الدينيين لهم وجهان ـ باللغة الانجليزية أو الدنماركية يوجهون رسائل التفاهم، لكن بالعربية يفعلون العكس. حتى أن هناك رسوماً كاريكاتيرية زائفة يتم تداولها في أنحاء العالم الإسلامي علماً انها لم تنشر قط في الدنمارك، هذا ليس في مصلحة الأغلبية الساحقة من المسلمين المعتدلين في الدنمارك.
ـ هل تشعر بأن المجتمع الدولي يقدم لكم الدعم الكافي؟
ـ لا أستطيع التذمر ـ جميع شركائنا ـ الإتحاد الأوروبي، الناتو والولايات المتحدة ـ أظهروا تكاتفهم معنا. وهذا أمر مهم. فالعالم الإسلامي يجب أن يدرك إننا لسنا معزولين. الأمر لا يتعلق بالرسوم الكاريكاتيرية، بل بالقيم الديمقراطية.
ـ هل أنت مسرور بقيام بعض الصحف في بلدان أخرى بنشر الرسوم الكاريكاتيرية نفسها تعبيراً عن تضامنها معكم؟
ـ هذا متروك للصحف نفسها. على الأقل أطلق الأمر نقاشاً حول التأويلات المختلفة لحرية الرأي والتضامن بين الصحافيين في أنحاء العالم. ولا يسعني إلا أن أشدد على أن الرسومات لم تنشرها الحكومة بل الصحيفة. لذلك لا يمكن إلقاء المسؤولية على الحكومة أو على الشعب الدنماركي.
ـ هل تتوقع ردّة فعل قوية من الاتحاد الأوروبي حيال المقاطعة الاقتصادية التي تقوم بها البلدان العربية؟
ـ المفوض الأوروبي بيتر ماندلسون أعلن بوضوح ان مقاطعة إحدى الدول الأعضاء
ـ تعتبر مقاطعة للاتحاد الأوروبي كله. ولا شك إن تحدي بلد صغير مثل الدنمارك شيء، وتحدي 25 بلداً يمثلون أعظم قوة اقتصادية بالعالم شيء آخر مختلف كلياً. وهذا يؤكد على حقيقة أن الاتحاد الأوروبي مجتمع ذو قيم مشتركة.
ـ التضامن وحده لن ينهي المقاطعة، ما الذي يجب فعله أيضاً؟
ـ أنا مسرور من إن كبير الدبلوماسيين، خافيير سولانا ذهب في مهمة دبلوماسية إلى الشرق الأوسط، مؤخراً والتقى بالزعماء الإسلاميين، وليس بالمسؤولين الحكوميين. وهذا سوف يساعد. وفي الوقت نفسه نحاول نزع فتيل الصراع بالجهود الثنائية. وهناك بعض المؤشرات على إن حدة التوترات أخذة بالانخفاض.
ـ أطلقت حكومتك برنامجاً طموحاً قبل عامين لتقوية الحوار والروابط مع البلدان العربية لكن البرنامج فشل الآن. كيف ستعيدون إحياءه؟
ـ انها مفارقة مثيرة: فنحن كنا من أوائل البلدان التي بدأت مثل هذه البرامج ونحن من أكبر المتبرعين للفلسطينيين على سبيل المثال، والآن ننظر إلى العلم الدنماركي وهو يحرق في المظاهرات العنيفة ضدنا، كان من المفترض ان تعمل المبادرة على تسريع وتيرة الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة لذلك فإنها لصدمة كبيرة لنا أن يتم انتقادها الآن. في ذلك الوقت شعرنا اننا في طليعة جهود التحديث.
ـ الآن يطالب البعض بتقليص الدعم الدنماركي الاقتصادي للسلطة الفلسطينية مثلاً.
ـ لن نغير سياساتنا والآن ينبغي تهدئة الأجواء وليس قطع المساعدات. وعلى المدى البعيد. من مصلحتنا اعادة بناء علاقة جيدة مع العالم العربي.
ترجمة: علي محمد
عن «ديرشبيغل»