يمضي المؤلف في الحديث عن خطط تشيني التي وضعها لخصخصة بعض المشاريع التابعة للجيش الأميركي بينما كان يشغل منصب وزير الدفاع في إدارة جورج بوش الأب، وكيف ان هذه الخطط قد فتحت صنابير أموال البنتاغون في جيوب أصحاب الشركات الخاصة من أمثال شركة هاليبرتون.

ويشير المؤلف كذلك إلى أن هاليبرتون استغلت علاقات تشيني الدولية من أجل تأمين عقود لها في الخارج، وحتى في الدول التي تخضع لعقوبات تجارية من قبل الولايات المتحدة ومن ضمنها العراق، حيث يؤكد مؤلف الكتاب أن هاليبرتون تعاملت بصفقات تجارية مع نظام صدام حسين أثناء فترة الحصار الذي كان مفروضاً على العراق، وكان رئيسها التنفيذي آنذاك هو ديك تشيني.

كان امتلاك هاليبرتون شركة دريسر أند ستريز مثالاً كلاسيكياً على نهج تشيني المتلخص في عبارة: «قرّر أولاً وحلّل لاحقاً». وكان الرئيس التنفيذي للشركة ورجاله متحمسين جداً لمضاعفة حجم الشركة، حتى انهم أخفقوا في تفحّص ديون شركة دريسر، والتي شملت عدداً من الدعاوى القانونية ضد شركة تابعة لها، وهي شركة هاربيون- ووكر ريفر أكتوريز، التي كانت متهمة بتعريض العمال في مصنعها في بتسبرغ للأسبست.

قال جون وول، المحامي من دالاس، عن امتلاك شركة هاليبرتون لمنافستها التي كانت تعاني من المتاعب: «إنني لم أفهم أبداً لماذا فعلت ذلك، فقد غالوا في الثمن الذي دفعته لشركة دريسر، وكل ما فعلته هو شراء حزمة كبيرة من الديون».

وفقاً لأقوال جين ماير، من نيويوركر، فإنه عندما رفعت الدعاوى ضد هاليبرتون «أثبتت أنها مدمّرة جداً حتى إن عدة أقسام في هاليبرتون سجلت فيما بعد لطلب الحماية من الإفلاس.» وأدت تسويات الأسبست إلى انهيار سعر سهم الشركة الذي انخفض بنسبة 80% خلال سنة فقط.

رغم كل التلميع لتشيني حول بنائه لهاليبرتون فإن سهم الشركة، بعد أن انفجرت القنبلة الموقوتة للدعاوى القانونية، كان يباع بأقل من ثلاثة دولارات عما كان عليه حين وصل تشيني كرئيس تنفيذي. وقد قال وزير الخارجية الأسبق، لورنس إيغلبرغر، وهو عضو في مجلس إدارة هاليبرتون: «لقد تسلل أحدهم ليحتل منصباً رفيعاً بكدّه واجتهاده».

عليك أن تنتبه إلى أن ايغلبرغر لا يلوم صديقه تشيني، فهو يقول فقط «كان لا بدّ لأحدهم أن يحصل على المنصب.» لا بأس، لأن الاندماجات لم تكن من صنع تشيني. وليس في هذا مشكلة. ورغم لقبه كرئيس تنفيذي، لم يكن يتوقع من تشيني أن يقلق إزاء مصالح تجارية تقليدية مثل، هل سيثبت التملك أنه مصدر قوة أو عبء. لكن كما قال الرئيس التنفيذي السابق لهاليبرتون، توم كروكشانك،

وهو الرجل الذي وظف تشيني، لصحيفة يو إس إيه توداي في عام 2002: «كان لدينا أناس يمكن أن يتولّوا التفاصيل، ولم يكن هذا ما أردنا له أن ينشغل به، فما احتجنا إليه هو شخص يمكن أن يساعد على الحصول على عمل وتوليد العائدات. كان تشيني يملك مكانة ومنفذاً إلى الزبائن في كل أنحاء العالم، كان هذا واحداً من عوامل الجذب.»وترجمة هذا أن تشيني تم استخدامه «ككاهن استسقاء» - وهو كاهن عند الهنود الحمر يقرأ التمائم والرقى لجلب المطر.

وكانت هاليبرتون تحتاج إلى واحد كهذا. تحدث رجال هاليبرتون المسنّون عن «الأيام المجيدة» للستينات، عندما قام ليندون جونسون التكساسي - الذي كان صعوده في عالم السياسة، بتمويل من مظاريف مليئة بالأموال من مؤسسي براون أند روث، وهما جورج وهيرمان براون - بتوجيه 85% من العقود المجزية لخدمة شن حربه في جنوب شرق آسيا إلى أولاد براون أند روث الطيبين القدامى.

وكان الجنود في ساحة الحرب في فيتنام يشيرون إلى الشركة باسم «بيرن أند لوت» - أي احرق وانهب. لكن شركات أخرى مثل بكتل كانت قد شقت طريقها إلى «المذود» الفدرالي، بينما تراجعت هاليبرتون إلى المرتبة الثالثة والسبعين على قائمة وزارة الدفاع لكبار المتعهدين.

وبتخطيطه للخصخصة، كان تشيني قد فتح حنفية جديدة لأموال البنتاغون، وأراد أصدقاؤه في دالاس منه أن يوجه الأموال إلى حسابات هاليبرتون المصرفية. وفي الوقت ذاته، أرادوا من الرجل الذي كانت لديه علاقات دولية واسعة، أن يبيع للمسؤولين في الدول الأخرى فكرة أن التعامل التجاري مع هاليبرتون يشبه التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية.

فيما يتعلق بتراكم العقود والمنافع الأخرى من الحكومة الأميركية، لدى الشركة، فإن عنوان دراسة وضعها «مركز النزاهة العامة» قد لخّص المساهمة التي قدمها وزير الدفاع السابق لمستخدمه الجديد: «تشيني قاد هاليبرتون إلى الاستمتاع بالمذود الفدرالي».

أورد التقرير كيف أنه «بتوجيه من ديك تشيني، وهو محافظ يجنّبك مسالك الحكومة الوعرة، برزت شركة هاليبرتون خلال السنوات الخمس الماضية كمؤسسة شرهة تستفيد ممّا لا يقل عن 8,3 مليارات دولار في عقود فدرالية وقروض من أموال دافعي الضرائب».

وإنصافاً لتشيني، فإنه بينما كان ليبرالياً إزاء الاحتفال بالمذود، فإنه ظل صادقاً مع مبادئه المحافظة عندما كان يتعلق الأمر بالتخلي عنها. فخلال فترة وجود تشيني كرئيس تنفيذي، رتبت هاليبرتون لنفسها أن تتوقف عن دفع الضرائب الأميركية.

وبينما كانت تقتطع حوالي 302 مليون دولار كضرائب فدرالية في الأيام الأولى لتشيني كرئيس تنفيذي، فإن الشركة التي كانت تحقق أرباحاً طائلة، جمعت بحلول عام 1999 مبلغ 85 مليون دولار من الأموال الفدرالية. كيف يمكنه أن يفعل ذلك؟ بنقل الموجودات المؤسسية البعيدة خارج البلاد إلى «ملاذات ضريبية» كانت ودية مع الشركات التي تختبئ عن أنظار الحكومة.

وما بين 1995 و1999 تضاعف عدد فروع هاليبرتون خارج الولايات المتحدة من تسعة إلى أربعة وأربعين. وكشف تحقيق «ستون دقيقة» على شبكة سي بي إس، في عام 2004 أن عدداً من فروع هاليبرتون لم تكن أكثر من صناديق مكاتب بريد وسقائف. لكن هاليبرتون لم تكن الشركة الوحيدة التي تجنبت دفع الضرائب في أواخر التسعينيات، ولم تكن الوحيدة التي استخدمت الحيل المحاسبية، على غرار شركة إنرون لخداع وول ستريت ومستثمريه.

صانع المطر

إن ما جعل هاليبرتون حالة فريدة، وما جعلها محور المجمع العسكري - الصناعي، وما أخذ يجعل اسمها مرادفاً لأشرس فساد مؤسسي، هو شخص يصنع المطر، ويهزّ الشجر وينقّب عن الأموال، وهو ديك تشيني، الذي أثبت أنه عندما تضع القواعد فليس من الصعب أن تكسبها.

وفيما يلي الطرق التي استخدمها تشيني لتحويل هاليبرتون إلى غول الشراكات العامة - الخاصة:

1- في رئاسة فريق من الموظفين الحكوميين السابقين، والذي ضم مساعد تشيني المخضرم ورئيس طاقم وزارة الدفاع السابق ديف غريبن، الذي أصبح رجل هاليبرتون على الأرض في واشنطن، شنّ تشيني حملة شرسة لجعل شركة براون اند روث، المتعهد المنشود للجيش الأميركي.

وفي ضوء خضوع الكونغرس لسيطرة الداعين الجمهوريين للخصخصة، مثل رئيس مجلس النواب، نيوت غينغريش، الذي كان صديقاً وزميلاً سابقاً لتشيني، وفي ضوء انقطاع وسائل الإعلام عن تغطية الوكالات الحكومية وقصصها «المملّة حول العطاءات والعقود، فقد كان تشيني وفريقه يتصرفون بوجود تدقيق ضئيل أو بلا أي تدقيق أبداً.

ودون أن يقلق إزاء التساؤلات حول تضارب المصالح التي تبرز بالضرورة عندما يضع أحدهم برنامج خصخصة حكومياً ثم ينتقل إلى المؤسسة الخاصة التي تكون في وضع تستفيد معه من ذلك البرنامج»، فقد أقام تشيني وزمرته الجذلة من مقاتلي رفاه الشركات، متجراً في البنتاغون. وعندما بدأ الجيش الأميركي، في خصخصة المزيد من الخدمات الأساسية، توجه فريق هاليبرتون إلى عملهم.

وخلال السنوات الخمس التي سبقت تولّي تشيني للمسؤولية في هاليبرتون، جمعت الشركة مبلغ 2,1 مليار دولار من الأموال الحكومية الفدرالية. وخلال السنوات الخمس التي كان تشيني فيها مسؤولاً، غرفت هاليبرتون 3,2 مليار دولار من الخزينة الأميركية. وكان قطار الكسب غير المشروع قد بدأ يشقّ طريقه.

لقد قوبل خبر اختيار تشيني لنفسه ليكون نائباً للرئيس بمرح شديد في مقرّ هاليبرتون. ومما لا شك فيه أنهم سيفتقدون الرجل الفظّ، لكن كما أشار تقرير لمركز النزاهة العامة في عام 2000: «محللو وول ستريت يمدحون القائم على إدارة الشركة،

ويعزون قدرته على جذب العقود والمنح الحكومية إلى وصوله عالي المستوى إلى ردهات السلطة، والذي يأتي من أيامه كوزير للدفاع في ظل الرئيس جورج بوش الأب. وفقاً لمسؤول في هاليبرتون معجب بتشيني، لكنه طلب عدم ذكر اسمه: إذا أصبح نائباً للرئيس، فإن العقود الحكومية التي تحصل عليها الشركة سوف تتجاوز السقف».

كان ذلك رهاناً جيداً.

عندما عاد تشيني إلى الخدمة الفدرالية، كرئيس تنفيذي لحكومة بوش الابن الثانية، قام بتعيين رفيقه السياسي الأكبر سناً، دونالد رامسفيلد، كوزير للدفاع، وأقرب حليف أيديولوجي له، بول وولفوويتز في منصب الرجل الثاني في البنتاغون.

وبعد أكثر من عقد من تنسيق خصخصة الخدمات العسكرية من كلا جانبي الشراكة العامة - الخاصة، أعلن تشيني في أيلول 2003 عبر برنامج (واجه الصحافة) في شبكة إن بي سي قائلاً: «ليس لي أي تأثير، أو علاقة أو معرفة بأي طريقة أو شكل، بالعقود التي تخلى عنها سلاح الهندسة (الجيش الأميركي) أو أي شخص آخر في الحكومة الفدرالية».

في حكومة ذات إعلام فعال، كان يمكن لذلك التصريح أن يثير ضجة وطنية. ولم يكن تشيني ليذهب بعيداً لو أنه سئل: «هل تعتبرنا أغبياء؟» - وهو بالطبع ما يفعله - وقد يكون من الصعب أن نتصور كيف أمكن له أن يصمد سياسياً.

في هذه الحقبة التي حفلت بتلفيقات متبادلة، حين يرفع المتلقّون الديمقراطيون لهبات الشركات عقيرتهم خلال المناقشات، حول إفراطات المتلقين الجمهوريين لهبات الشركات، وحين يكون معظم وسائل الإعلام مهتماً بخداع شخصية مشهورة أكثر من اهتمامهم بتحديات الأقوى، يظل تشيني يعامل من قبل الإعلام ومعظم الكونغرس على أنه لاعب ذو شأن كبير.

فما يزال يشار إليه بشكل متكرر مثير للدهشة «كموظف مدني»، و «رجل ذي نزاهة عظيمة» من قبل الإعلام واللاعبين السياسيين، الذين يتوجب أن يكونوا على معرفة أفضل. هنالك حفنة فقط من المتشككين يقولون ما هو واضح: إن توقع المسؤول غير المعروف في هاليبرتون قد تحقق، فقد تجاوزت عقود هاليبرتون السقف.

إن السبب الرئيسي لذلك يتمثل في حرب كان ديك تشيني الداعية الرئيسي لها. فقبل اندلاع الحرب، وفي أكتوبر 2002 عقد ممثلو نائب الرئيس ديك تشيني «اجتماعاً» غير رسمي مع مسؤولي هاليبرتون لمناقشة كيفية جعل النفط العراقي يتدفق بعد اجتياح أميركي.

ومنذ بداية الحرب في العراق، أصبحت هاليبرتون أكبر متعهد من القطاع الخاص في ذلك البلد. وفي ربيع ،2003 قدّر أن هاليبرتون كانت قد حصلت على عقود بقيمة 11 مليار دولار من عملها في العراق وحده.

وتم الحصول على بعض أكثر العقود ربحاً دون الدخول في عملية المناقصات التقليدية، بما فيها عقد مارس 2003 لإخماد حرائق آبار النفط، والذي منح لشركة براون أند روث من قبل سلاح الهندسة التابع للجيش، وكان ذلك العقد بلا مناقصات أمراً ممكناً من خلال وثيقة امتياز، منحتها حكومة بوش في يناير 2003 والتي سمحت، كما ذكرت الواشنطن بوست، «للوكالات الحكومية بانتقاء الشركات لمشاريع إعادة بناء العراق».

بعد تساؤلات متكررة أثارها عضو الكونغرس هنري ووكسمان، اعترف سلاح الهندسة التابع للجيش أن عقد إخماد حرائق آبار النفط - والذي تطور ليصبح عقداً لإعادة بناء الصناعة النفطية في العراق، يمكن أن يساوي حوالي سبعة مليارات دولار.

نظام المحسوبية

يقول عضو الكونغرس، ووكسمان، وهو ديمقراطي من كاليفورنيا وواحد من آخر المراقبين ذوي العقلية القديمة للكابيتول هيل، يقول عن العقود العراقية: «إننا نعرف أن هاليبرتون حظيت بمعاملة خاصة جداً، لكن ما لا نعرفه هو سبب تلك المعاملة».

وللحقيقة، فإن السبب ليس مثار تساؤل. فعندما عمل ديك تشيني كوزير للدفاع، أوجد نظاماً لتبديد المزيد من الأموال الفدرالية وإعطائها للمتعهدين الخصوصيين ذوي العلاقات الوثيقة باللاعبين المتنفذين في الحكومة.

وعندما عمل كرئيس تنفيذي لشركة هاليبرتون، وضع تشيني برنامجاً لاستغلال النظام، حيث يتحدث كولونيل سلاح الجو المتقاعد، سام غاردنر، وهو محاضر سابق في كلية الحرب الوطنية، ويصف العملية بأنها «نظام محسوبية». قال غاردنر لنيويوركر: «إن النظام مريض». لكن ماذا عن تشيني؟ يقول غاردنر: «إنه لا يرى فرقاً بين المصالح العامة والخاصة.»

قد لا يعرف تشيني الفرق، لكن حركة النشطاء «سيتيزن ووركس» تعرف. ففي ربيع 2003 وعندما بدأت تفاصيل عقود هاليبرتون في العراق تظهر على السطح، قامت حركة سيتيزن ووركس بالاحتفال بيوم التجارة الكبيرة، ومنحت تشيني جائزة «أب رجال الحرب» لبروزه في تحقيق الشركات للأرباح الفاحشة من الحرب، ولم يحضر نائب الرئيس ذلك الاحتفال.

وفي الوقت ذاته، لم تخفف شركة هاليبرتون حملتها لجمع كل ما تستطيع من عقود. أخذ اسم هاليبرتون يصبح اختصاراً للإثراء من الحرب، لكن الشركة لم تكن لتغيّر المسار الذي رسمه تشيني. وحتى بعد اتهام هاليبرتون بتقاضي مبالغ فاحشة من البنتاغون، بدل الوجبات للجنود، وتوفير الوقود للمركبات العسكرية، واسترداد أموال دفعت بطرق غير مشروعة لمتعهد في الكويت، فإن الشركة واصلت الارتقاء أكثر فأكثر على قائمة المتعهدين المفضلين لدى البنتاغون.

وفي ضوء التوقعات بأن إعادة بناء العراق يمكن أن تكلف حوالي 105 مليارات دولار خلال العقد القادم - كانت الوول ستريت جورنال قد بدأت في وصف احتلال العراق بأنه أكبر محاولة حكومية لإعادة البناء منذ أن ساعد الأميركيون ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية - فقد كانت هاليبرتون تتجه إلى الفوز الكبير.

ورغم العنوان الرئيسي المحرج هنا وهناك؛ فإن آفاقه بدت جيدة، فقد كانت حكومة بوش - تشيني تمسك بخيوط اللعبة ضد أي تقليص في الالتزامات الأميركية في العراق، وكان مساعدو البنتاغون لا يزالون يروّجون التلفيق بأن هاليبرتون وحدها هي التي تملك الوزن والخبرة للقيام بالعمل. وواصلت العقود تدفقها. ومع أن تشيني ربما لم يعد الرئيس التنفيذي للشركة، إلا أنه كرئيس تنفيذي للولايات المتحدة ما زال يبدو ممثلاً لهاليبرتون.

2- كانت الصفحة الأخرى من إيجاز تشيني كرئيس تنفيذي لهاليبرتون، الوصول إلى زبائن عالميين، مشروعاً أكثر طموحاً وأكثر إثارة للمتاعب بطرق كثيرة. خلال فترة تشيني في هاليبرتون، وسعّت الشركة بشكل كبير عملياتها فيما وراء البحار.

وعندما انضم تشيني إلى هاليبرتون، شكلت مشاريعها في الخارج 51% من العائدات، وعندما تركها لينضم إلى التذكرة الجمهورية عام 2000 ارتفع الرقم ليصل إلى 68%. وبعقود كبيرة في 130 بلداً، كانت هاليبرتون تضم مئة ألف عامل في كل أنحاء العالم، وذهب كثير من الفضل إزاء عولمة هاليبرتون إلى رجل واحد.

وكان تشيني بين 1995 و2000 رجل المبيعات الجوال دولياً لشركة هاليبرتون. ولم يكن يجري مكالمات فاترة، فبصفته العضو الجمهوري رفيع المستوى في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب ووزيراً للدفاع، أخذ يعرف طريقه في ردهات السلطة في كل أنحاء العالم. وعلى عكس تحايلات رؤساء الشركات الأخرى التنفيذيين للحصول على العقود والعمولات، كان تشيني يملك القدرة على أن يعرض للزبائن المحتملين ما هو أكثر من مجرد خدمات خط أنابيب.

وما عليك إلا أن تفكر فيما حدث عندما طلب من تشيني أن ينضم إلى مجلس إدارة مورغان ستانلي، الشركة المصرفية الدولية، فعند سفره إلى الصين في 1995 مع مسؤولي شركة مورغان ستانلي، استطاع تشيني أن يرتب اجتماعات بين المصرفيين وكبار القادة الحكوميين. وجاءت الرحلة في وقت متوتر، عندما أعلن الصينيون حصتهم في جزيرة تسيطر عليها الفلبين.

وكان الصينيون قد أنشأوا مباني في موقع يعرف باسم «مستشيف ريف» مما استفز الرئيس الفلبيني فيدل راموز، ليأمر السفن في بحرية بلاده بالتوجه إلى المياه المتنازع عليها. وفجأة بدا تشيني، الصقر القديم، حمائمياً بشكل بارز. ورغم حقيقة أن الصينيين كانوا قد استفزوا حليفاً منذ زمن طويل للولايات المتحدة؛ فإن وزير الدفاع السابق قال لأحد المراسلين: «إنني لا أرى أي تهديد من الصين للعالم أو المنطقة». وهكذا أعفى تشيني الصين من المسؤولية.

قال خبير في شؤون الصين، ذو علاقات مع الجمهوريين في الكابيتول هيل للنيو ريبلك في وقت لاحق: «كان تصريح تشيني حول مستشيف ريف مؤذياً جداً. فقوله إن الصين لا تشكل تهديداً، بعث برسالة إلى بلدان جنوب شرق آسيا بأن أجزاء رئيسية من المؤسسة الأميركية لم تكن تتمشى مع دعواتها للضغط على الصين من أجل الانسحاب.»

وبطبيعة الحال، لم يكن تشيني يملك أي صلاحية للتحدث باسم الحكومة الأميركية، لكن كلماته ظلت لطيفة على أسماع الصينيين، ولطيفة جداً لدرجة إن بنك التعمير الصيني الشعبي وافق، بعد فترة ليست طويلة من مغادرة تشيني لبكين، على توسيع كبير في مشروعه المشترك مع شركة مورغان ستانلي.

معارضة العقوبات

أصبحت رغبة تشيني في استغلال مكانته السياسية في مساعدة مساعي شركة هاليبرتون التجارية في الخارج، ومساعي تلك الشركات الأخرى التي كانت تدفع له مقابل عضويته في مجالس الإدارة، مثل مورغان ستانلي، ولوكهيد مارتن، وبروكتر أند غامبل - علامته الفارقة كتنفيذي تجاري. وإذا كان هنالك أية أموال يمكن جنيها، فقد كان تشيني أكثر من مستعد لطرح الحجة من أجل إخضاع السياسات لإتاحة فرص أوسع للشركات.

ومثال ذلك أنه أصبح ناقداً صريحاً للعقوبات الأميركية الأحادية ضد الدول المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان أو دعم الإرهاب - فالعقوبات لم تكن فقط تؤذي الديكتاتوريين في الخارج، بل كانت تؤذي المصالح التجارية الأميركية، حسبما ادعى وهو يلح على إعادة النظر في القيود الأميركية المفروضة على التجارة مع ليبيا وإيران والعراق. كان يمكن لمعارضة تشيني للعقوبات أن تكون رأياً سديداً من وجهة نظر إنسانية، لكنها كانت مقبولة أكثر من وجهة نظر شركة هاليبرتون.

إن معظم الدول، التي فرضت عليها العقوبات من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، كان لها بنى تحتية متخلفة أو تالفة، لاستخراج الثروات الطبيعية ومعالجتها وتصديرها. كانت إحدى الخطوات التي يتخذها قادة الدول التي تعاني من شح الأموال، عند تخفيف العقوبات، هي التعاقد مع شركات يمكن أن تساعدها في إخراج النفط أو الغاز الطبيعي أو الفحم وتصديره إلى السوق المفتوحة.

وقد اتفق أن هذا العمل هو ما كانت تجيده شركة هاليبرتون، التي لم يكن ينتابها أي وخز ضمير إزاء العمل مع الفاسدين المحليين.وفي الحقيقة فإنه عندما تدفق موظفو هاليبرتون على العراق في مارس 2003 جنباً إلى جنب مع الذين يرتدون البزة الرسمية من المجمع العسكري الصناعي، فلا بدّ أنهم وجدوا سهولة في شق طريقهم في كل أنحاء البلاد.

وعلاوة على ذلك، لم تكن الأرض جديدة أبداً عليهم، فوفقاً لسجلات الأمم المتحدة، قامت فروع هاليبرتون، وهي دريسر راند وأنغرسول دريسر بمب، ببيع معدات خطوط الأنابيب وقطع الغيار للمرافق النفطية، ومضخات معالجة المياه والمجاري لحكومة صدام حسين. كما أن فروع هاليبرتون وقعت على عقد لتصليح منصة نفطية عراقية دمرت خلال حرب الخليج، على يد القوات الأميركية حسبما هو مرجحّ.

كان بعض نشاطات هاليبرتون قانونية، وفق برنامج «النفط مقابل الغذاء»، الذي أجازه مجلس الأمن الدولي لتخفيف المعاناة الإنسانية التي نجمت عن حظر النفط والعقوبات ذات الصلة، التي فرضت بعد غزو الكويت، وكان بعضها أكثر إثارة للتساؤل حولها، ومثال ذلك أن صفقة هاليبرتون لتصليح المنصة النفطية قد أوقفتها الحكومة الأميركية في النهاية؛ لأنها كانت ترمي إلى خرق نظام العقوبات.

عندما رشّح تشيني نفسه لمنصب نائب الرئيس في عام 2000 أصبحت علاقات هاليبرتون بالعراق عبئاً سياسياً. فقد كان من الصعب الافتراض بأن حكومة كلينتون كانت متراخية في منع «الدول المارقة»، مثل العراق، من الحصول على مواد لتطوير أسلحة دمار شامل، حين تكون رئيس شركة كانت قد قدمت المعدات للعراق وأثرت النظام.

وكما أشارت الواشنطن بوست بعد فترة طويلة من القيام بالحملة: اعترف مسؤولون أميركيون وأوروبيون أن الإنتاج المتزايد للنفط، قد زاد من قدرة صدام حسين على شفط الأموال للأسلحة والمواد الترفيّة والقصور. ويقدّر دبلوماسيو مجلس الأمن أن العراق ربما أخذ حوالي 10% من عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء.

وبالنظر إلى حقيقة أن العراق صدّر ما قيمته 40 مليار دولار من النفط خلال السنوات الأربع الأولى من برنامج النفط مقابل الغذاء؛ فإن الرجال في بغداد نعموا بقدر كبير من الأموال النقدية، بفضل تخفيف القيود ومساعدة هاليبرتون والمتعهدين الآخرين.

واستفادت هاليبرتون أيضاً، ففي الوقت الذي كان تشيني فيه رئيس مجلس الإدارة والمسؤول التنفيذي الرئيسي للشركة؛ وقعت فروع الشركة عقوداً مع العراقيين بلغت قيمتها حوالي 30 مليون دولار.

لكن ما بدا أموالاً جيدة عندما كان تشيني رئيساً تنفيذياً لم تعد جيدة حين كان مرشحاً، فعندما سئل في عام 2000 عن شراكات شركته مع «الدول المارقة»، اعترف بأن هاليبرتون كانت تتعامل مع إيران وليبيا - حيث كلفت تعاملات هاليبرتون في 1995 ـ 8,3 ملايين دولار كغرامات، بسبب خرق العقوبات التجارية الأميركية - ومع كل دولة كان يمكن أن تحرّر شيكاً.

لكن تشيني، الذي كان شديد الارتباط مع المجموعات المحافظة الجديدة التي كانت تنتقد حكومة كلينتون - غور على الفشل في التصرف بقسوة مع العراق، نفى أن يكون له أية علاقة بصدام حسين. فقد قال «إن العراق مختلف»، ولدى ظهوره في برنامج «هذا الأسبوع» عبر شبكة (إيه بي سي - تي في) في يوليو 2000 سئل المرشح لمنصب نائب الرئيس، من قبل سام دونالدسون: «يقال لي، وأرجو أن تصحّحني إن كنت مخطئاً، إن هاليبرتون - من خلال فروعها كانت فعلاً تحاول العمل في العراق».

أجاب تشيني بالطريقة الهادئة شبه القاطعة: «كلا، كلا، كان لي سياسة حازمة بعدم القيام بأي عمل في العراق، حتى الترتيبات التي كان يفترض بها أن تكون مشروعة - لم نقم بأي عمل في العراق منذ فرض عقوبات الأمم المتحدة على العراق في عام 1990 وكان لي سياسة ثابتة بألا أفعل ذلك».

من سوء حظ تشيني أن الأمم المتحدة احتفظت بالقيود، فعندما ظهر في برنامج «هذا الأسبوع» في الشهر التالي، كان تشيني يتحدث باضطراب، وقال انه لم يكن يدري «أننا ورثنا مشروعين مشتركين مع انغرسول-راند، اللذين كانا يبيعان بعض القطع في العراق، لكننا سحبنا أنفسنا من تلك المصالح».

ولتوضيح الأمور هنا؛ فإن تلك القطع لم تكن تباع في العراق، وإنما كانت تباع للعراق، ولم يكن الانسحاب فورياً تماماً. حيث أن كلتا الشركتين الفرعيتين، انغرسول دريسر بمب، وأنغرسول ـ راند زادت من تعاملاتها بشكل كبير في العراق منذ وجود تشيني كرئيس تنفيذي لهاليبرتون. ولم يكن هنالك أي دليل يوحي بأنهما تحللتا من علاقاتهما بالعراق.

رجل التفاصيل

وماذا عن ادعاء تشيني بأنه لم يكن يعلم بعلاقة هاليبرتون بالعراق؟ قال جيمس بيريلا، الرئيس السابق لشركة انغرسول-راند، لصحيفة الواشنطن بوست انه استناداً إلى معرفته بكيفية عمل هاليبرتون وفروعها؛ فإن تشيني لا بدّ انه كان يعرف. وقد قال بيريلا عن تشيني: «نعم، بالتأكيد، كان يعرف بالعمل».

بالنسبة لتشيني، الذي يروّج نفسه على أنه رجل التفاصيل الذي لا يستطيع التوقف عن طرح الأسئلة، سيكون دائماً من الصعب أن يزعم أنه لم يكن يعرف أن هاليبرتون كانت منهمكة في مشاريعها العالمية. وهذا يعني أنه سيواجه، حتى آخر يوم من حياته، أسئلة دائمة حول الأفعال القذرة التي نفذت باسم هاليبرتون.

يعود هذا إلى أن عدداً ضئيلاً من الشركات في تاريخ العالم رتّبت وأبقت على اتفاقيات مع ديكتاتوريين أكثر مما فعلت هاليبرتون، حين كان تشيني مسؤولاً فيها. وقد أوضح تشيني هذه الشراكات بالقول: «إن الله لم يضع النفط والغاز في دول الأنظمة الديمقراطية الصديقة للولايات المتحدة».

وبدا أن ذلك الخط من التعليل، على الأقل في ذهنه، كان لتبرير أي منفعة يمكن إبرامها. فقد تشاركت الشركة باعتزاز مع النظام العسكري في ميانمار (بورما) مثلاً، حول مشروعين لأنابيب الطاقة، وهما مشروعان، حسب حركة حقوق الإنسان الدولية، إيرث رايتس، كانا يستغلان العمال بعقود عمل إلزامية، ويقرّان استخدام العنف ضد سكان البلاد الأصليين، الذين كانوا يعترضون على الترحيل القسري لقرى بأكملها.

وفي الحقيقة، عندما تأتي هاليبرتون إلى دولة ما، فإنه أمر مؤكد أن تحدث المتاعب بعد وصولها. وإحدى أبشع قصص هرولة شركة هاليبرتون في العالم، تجيء من نيجيريا، الدولة الغنية بالنفط والغاز في غرب أفريقيا،

حيث اجتذبت الديكتاتورية الشرسة لساني أباشا قدراً كبيراً من الانتباه لعمليات سجن وإعدام أنصار البيئة - بمن فيهم الروائي كين ديوا - والذين سخطوا من رغبة الحكم في السماح للشركاء العالميين للحكومة في مرفق النفط بترحيل المجتمعات المحلية ونهب مساحات شاسعة من الريف.

وقد بدا أن أباشا شخص يمكن لشركة هاليبرتون أن تتعامل معه. وكان الثمن الذي كان على هاليبرتون وشركائها في اتحاد دولي أن يدفعوه ثمناً باهظاً - زعموا أنهم دفعوا رشوة بقيمة 180 مليون دولار لحكومة أباشا - لكنه كان مبلغاً صغيراً إذا قورن بالعائد المحتمل، فقد قدرت قيمة محطة الغاز الطبيعي المسال، التي خططوا لبنائها، بحوالي ستة مليارات دولار، حسب المعلومات التي سربتها هاليبرتون.

كان أحد شركاء هاليبرتون شركة فرنسية، وفي عام 2003 قام أحد أبرز القضاة في فرنسا بتحقيق في تهم الفساد المؤسسي. وسبّب القاضي، وهو رينو فان رومبيك في ضجة في أوائل 2004 عندما قال إنه قد يستدعي تشيني إلى فرنسا للإجابة عن أسئلة تتعلق بعلاقة نائب الرئيس بالرشوة المزعومة للنيجيريين.

وفي الوقت نفسه تقريباً، فتحت وزارة العدل الأميركية ومفوضية السندات والأسهم تحقيقات في الفضيحة النيجيرية مثلما فعلت الحكومة النيجيرية، الجديدة. قالت هاليبرتون مؤخراً إن ما حدث في نيجيريا بدأته شركة مستقلة اشترتها هاليبرتون لاحقاً.

وبشكل مألوف كانت التغطية الإعلامية فاترة، مع أن صحيفة بوسطن غلوب كتبت افتتاحية في فبراير 2004 تقول: «إذا كانت مثل تلك الدفعات قد تمت ووافق عليها تشيني؛ فإنه يمكن أن يكون مذنباً بانتهاك قانون الممارسات الفاسدة الخارجية الأميركي.

وإذا كانت الدفعات قد تمت ولم يكن يعلم بها، فما كان يمكن أن يكون رئيساً مطلعاً للتجمع. وعلى أية حال، فإن البلاد تستحق إجابات قبل أن تدلي بأصواتها في نوفمبر إذا كان الرئيس بوش، كما يقول، سوف يحتفظ بتشيني رفيقاً له إلى البيت الأبيض.»

3 ـ يمكن أن تكون الرأسمالية العالمية عملاً محفوفاً بالمخاطر، لا سيما بالنسبة لشركة تعمل في المناطق النائية غير المتحضرة من العالم، حيث يتم اكتشاف كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي وتطويرها بعدة مليارات من الدولارات. لكن علاقات ديك تشيني مع الناس المتنفذين جعلت من الممكن له القيام بكثير من المجازفات من خلال ارتباطات هاليبرتون العالمية.

وكما هو شأن أي شركة أخرى ذات علاقات مع أناس في مناصب رفيعة، ولديها ولع بتوزيع تبرعات سخية للحملة في وقت الانتخابات؛ فإن إيرنون - هاليبرتون وجدت بعض المقرضين بسخاء كانوا يريدون تقديم ضمانات قروض وتأمين مشاريع أجنبية لم تكن تبدو جيدة «على الورق».

فقد قدمت مؤسسة الاستثمار الخاص الأميركية في الخارج، وبنك التصدير والاستيراد، وكل منهما يموله دافعو الضرائب الأميركيون، حوالي 100 مليون دولار في قروض مباشرة وضمانات قروض للمشاريع الدولية، التي كانت هاليبرتون منخرطة فيها خلال السنوات التي جاءت قبل أن يصبح ديك تشيني رئيساً تنفيذياً للشركة. وخلال السنوات الخمس، التي كان فيها تشيني مسؤولاً، قفز الرقم إلى 5,1 مليار دولار.

بينما تنتظر بعض الشركات سنوات لتحصل على التمويل لدعم مشاريعها فيما وراء البحار، والتي تكون شريكة فيها، فإنه بعد وصول تشيني بدا أن الأموال تتدفق دائماً للمساعي الدولية التي أخذت تثري هاليبرتون. كان هنالك 88 مليون دولار لمشروع أنغولي في عام ،1996 و 150 مليون دولار لمشاريع في الجزائر في عام 1997 و531 مليون دولار لمشروع في المكسيك في عام 1998

و66 مليون دولار لمشروع آخر في أنغولا في عام ، 1999 و400 مليون دولار أيضاً لمشروع في المكسيك في 2000 و36 مليون دولار لدعم قرض سابق بقيمة 266 مليون دولار لمشروع في روسيا في عام 2000 و100 مليون دولار كتأمين لمشروع في بنغلاديش في عام 2000 وجميعها دعمت من دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، وليس من بنوك القطاع الخاص.

ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية