ربما يسأل الإنسان نفسه: ما هي خبرة الحياة؟ وفي أي الجامعات والمعاهد نستطيع أن نتعلمها؟ فنعرف بالتجربة أنها لا تدرس سوى في جامعة واحدة اسمها «جامعة الحياة» وأنها الجامعة الوحيدة في العالم التي لا يستطيع أحد أن يزعم أنه أنهى دراساته العليا فيها.. فكم هي ثمينة تجارب الحياة وكم هو حالم من يدعي أنه قد فهم أسرارها وجمع خبراتها.
مشاهد لم تغب في حديثنا مع الدكتور فهد السبهان أستاذ القانون الجنائي عن مواقف وخبرات وأحداث مرت في حياته وتذكرها في السطور التالية: يقول: معاناة الانسان وتجربته في تكوين نفسه هي التي تجعله عضوا فاعلا في جامعة الحياة ويعد نجاحه فيها افرازاً لمعطيات الآلام والحرمان والصبر والمثابرة، فيما لا يمكن للمرء الذي تدفع به المقادير إلى العلياء دون أن يذوق مرارة الألم أن يكون خريجا من هذه الجامعة.
وأضاف قائلا : لوعادت بي الأيام سأكرر دراستي الجامعية وسألتحق بكلية الشريعة والقانون مرة أخرى وسأسعى ثانية للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، مشيرا إلى أن الشيء الوحيد الذي ندم عليه تضييعه سنوات كثيرة من عمره في احترام أناس لا يستحقون الاحترام، لأنه آنذاك كان تحت تأثير الكلام المزيف وضحية للتحزبات والتكتلات في وقت من لا يتكتل أو يتحزب فيه يطحن،
لافتا إلى أن خبرة الحياة اكتسبها من والدته الأمية التي يدين لها بانها أكبر جامعة تعلم منها في حياته ثم ايمانه بأن لن يصيبه الا ما كتب الله له وان رزقه محسوم أمره عند من بيده مقادير العباد ولذلك على حد قوله فهو لا يخاف فقدان كرسي المناصب ويتجرأ في قول الحق والمواجهة في أدب واحترام الآخرين. "أحداث لا تغيب" وعن الأحداث التي مرت في حياة الدكتور السبهان وأبدا لا تغيب بدءا بالطفولة قال: القرآن أول شيء قرأته في حياتي وختمت قراءته في سن السادسة تقريبا، وحفظت أجزاء منه ما انعكس ايجابا على حياتي المستقبلية، مؤكدا انه لم يضع سيجارة في فمه إلى الآن ماعصمه عن فعل ماهو أكبر من ذلك.
وفي الابتدائي والاعدادي والثانوي كان ذا علاقة وثيقة بمجالس الطلاب ولطالما كان رئيسا لمجلس طلاب دبي، ثم انتخب بعد ذلك نائبا لرئيس اللجنة التنفيذية على مستوى مدارس الدولة في العام 1982. وفي الجامعة كان صاحب الأغلبية الطلابية المطلقة في انتخابات اتحاد الطلبة إلى ان وصل إلى نائب رئيس اتحاد الطلبة في الدولة.
ومن روايات الجامعة اللامنسية، عندما تنقل بين ثلاث كليات، علوم سياسية وادارية سائلا نفسه: ماذا سأفعل بهذه الكلية؟ وجاءه الرد: ممكن أن أكون رجلا اداريا أو سياسيا ناجحا دون شهادة ما جعلني افكر في الالتحاق بكلية الآداب التي كررت معها سؤالاً مغايراً وامكانية أن أكون شاعرا بالفطرة دون حصولي على ليسانس الآداب، وساءلت نفسي في النهاية : هل يمكن أن أكون رجل قضاء دون شهادة ما ؟ وجاءني الرد: لا، ما أقنعني بالتوجه إلى كلية الشريعة والقانون.
وكيل نيابة بالفطرة
ومن المفارقات في الجامعة أن حب النيابة العامة كان مزروعا كالنبتة في كيان الدكتور السبهان منذ السنة الأولى، فكثيرا ما كان يوقفه الدكتور هنداوي أستاذ القانون الجنائي في ذلك الوقت ليقول له: يافهد أنت وكيل نيابة بالفطرة، قم واشرح لزملائك هذه القضية، فأقوم وأشرحها.
ويعتبر أستاذ القانون الجنائي الدكتور مأمون سلامة رئيس جامعة القاهرة سابقا والمشرف على رسالته للدكتوراه الأب الروحي له في القانون نظرا لأنه أخذ منه أخلاق وتواضع العلماء قبل ان ينهل من علمه الغزير.
وعن سنوات الغربة من أجل تحصيل العلم أشار إلى ان الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله ابتعثه على نفقة امارة دبي لدراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة القاهرة، وكانت زوجته حاملا في ابنه البكر عبد الرحمن، فاضطر لتركها والسفر للانتظام بالدراسة هناك، ورجع قبل ولادة عبد الرحمن للاطمئنان عليها وعليه واضطر مجددا للسفر ثانية إلى القاهرة،
وكان يحتفظ بصورة عبد الرحمن ويضعها في كتابه الدراسي وينظر اليها بين الفينة والأخرى وهو جالس على مدرجات جامعة القاهرة يتابع محاضراته، فتدمع عيناه ويتذكر قول الله تعالى «وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا »، فقلت في نفسي: انني أظلمهم معي لكن عزائي أن هذا الكفاح في النهاية لهم.
مواقف متعددة
ولعل أقوى ما في تكوين الدكتور السبهان ثقته بالله التي لا تفارقه انطلاقا من أنه سبحانه وتعالى يثبت أقدامه برضاء أمه أطال الله في عمرها عنه ودعواتها الدائمة، مشيرا إلى أن الدعاء الذي لم يفارقه في صلاته وحياته منذ كان في الخامسة من عمره هو «اللهم إني أسألك ايمانا كاملا ويقينا صادقا حتى اعلم انه لا يصيبني الا ماكتب لي».
ويتذكر أستاذ القانون الجنائي مواقف كثيرة مرت في حياته خلال ست عشرة سنة من عمله في النيابة العامة ومنها تجربته فيها التي جعلته يرى آلام الناس من خلال مجهر مكبر، وكذا انكسار الرجال والمحبوسين ظلما، ولديه الكثير من الروايات التي تدمع عيناه كلما تذكرها، موضحا ان قصيدة صرخة الموجودة بديوانه «صرخة» صدى لمثل هذه الذكريات.
وقال الدكتور السبهان انه نشأ في أسرة متوسطة الحال ذات دخل محدود ولم تكن غنية ولا فقيرة، واعتمد على نفسه في كل شيء، ولم يكن له ظهر يدعمه في مواجهة الحياة سوى يقينه بالله تعالى والآن يقف على تراث كبير ومعنوي، حامدا الله أنه أول رئيس ومحام عام مواطن يتقلد هذا المنصب في السلطة القضائية بدبي، وكذلك سعادته بحصوله على درجة الدكتوراه وجلوسه امام طلبته الجامعيين، واصفا الدنيا بأنها لا تساوي عنده شيئا أمام هذا المشهد.
مجلس أعلى للتعليم
وقال الدكتور السبهان: اذا أردنا أن ننشئ جيلا متعلما متحضرا فعلينا بمخرجات التعليم ولايمكن أن نعطي وزارة التربية والتعليم لوزير ثم نقول له: اخلق لنا نظاما تعليميا متطورا، مطالبا بضرورة تبني هذا الموضوع على أعلى المستويات وانشاء مجلس أعلى للتعليم يضم بين صفوفه أعلى المناصب السياسية بالدولة وتنبثق عنه لجان فنية متخصصة، متسائلا:
لماذا نهتم بالثروة البترولية على سبيل المثال ونجعل لها مجالس عليا في كثير من الإمارات؟ ولماذا لا يكون للتعليم مجلس أعلى؟ مؤكدا أننا مازلنا نراوح أنفسنا في هذا الجانب ولا يملك وزير التربية والتعليم أيا كان اسمه أو كفاءته عصا سحرية يطور بها التعليم دون دعم حقيقي
حوار: يحيى عطية



