المشهد في ساحات مدارسنا يبدو أغرب وأعقد مما يتصوره الكثيرون، فالطلاب يؤكدون أن التدخين في مرافق مدارسهم بات أمراً شبه اعتيادي، ولا يمكن لإدارة مدرسة أن تضبطه وتتخلص منه في فترة قصيرة، حتى أن بعض الطلاب يتعاطون «النسوار» داخل فصول الدراسة ناهيك عن «المدواخ» والأشكال «والماركات» المتجددة من وسائل التدخين.

مواقف أخرى أشبه بالغرائب رواها الطلاب أنفسهم، فالذين يمارسون عادة التدخين داخل أسوار المدرسة يلجأون إلى المستخدمين لمساعدتهم في الحصول على السجائر، إذ إن دراهم قليلة تغري بعض المستخدمين لشراء السجائر للطلاب من البقالات القريبة من المدارس، والتي كما أجمع الطلاب والإدارات المدرسية تشجع وتحفز الصغار خصوصاً على التدخين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود عن طريق بيع السجائر فرادى.

مواقف أخرى أشبه بالغرائب رواها الطلاب أنفسهم، فالذين يمارسون عادة التدخين داخل أسوار المدرسة يلجأون إلى المستخدمين لمساعدتهم في الحصول على السجائر، إذ إن دراهم قليلة تغري بعض المستخدمين لشراء السجائر للطلاب من البقالات القريبة من المدارس، والتي كما أجمع الطلاب والإدارات المدرسية تشجع وتحفز الصغار خصوصاً على التدخين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود عن طريق بيع السجائر فرادى.

إذن «فالمدواخ» أداة لها فعلها في التدخين، وعدد لا بأس به من الطلاب يتعاطونه وتحديداً في المرحلة الثانوية، وفي عجالة من أمرهم يفرغون منه، فتدخينه لا يأخذ من الوقت دقيقة واحدة، إذ تفي سحبة نفس أو اثنتين بالغرض وتكون العملية سهلة وبعيدة عن أعين المراقبين، سواء حدثت في الحمام أو في إحدى زوايا المدرسة البعيدة.

ولعل ما ذهب إليه معالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم في حديثه مع برنامج البث المباشر عبر إذاعة دبي مؤخراً حول ظاهرة التدخين في المدارس، بعد أن بادر أحد الطلاب إلى الشكوى للبرنامج والتحذير من تفشيها بين زملائه، يؤكد أن تربية الأبناء مسؤولية جماعية على الوزارة والمدرسة والبيت ولا بد من تضافر جهودهم كون التدخين مرضاً تجب معالجته.

وقال: سأتابع هذا الأمر من خلال الزيارات الميدانية للمدارس، إذ أن السكوت عن حالات التدخين سيشجع الآخرين لانتهاج طريق زملائهم، وهذا أمر خطير سنعطيه أولوية كبرى، حتى إن اضطررنا إلى فصل طالب، رغم أن ذلك عقاب بعيد وقاسٍ، ولكن سنأخذ بكل الحلول الكفيلة بعلاج هذا المرض.

«خلّك ريّال»

وفي سبيل إغراء الزملاء بعضهم لبعض للانغماس في هذا المرض، يتداول الطلاب المدخنون مصطلحات عدة تحث الآخرين على الانضمام إلى قافلتهم، وكما اعترف الطلاب أنفسهم فإن رفقاء السوء يتلفظون بجمل تحرج زملاءهم حتى يخوضوا في بحر مؤلم لا يرى من داخله شاطئ.

«خلك ريال» و«جرب مش حتندم» و«دوخ جدام الناس ولا تخاف» و«شوف الهيبة والكشخة»، مصطلحات يتنادى بها رفقاء لا يتطلعون إلا إلى أن يقع زملاؤهم في فخ مؤلم وخبيث، ناهيك عن تأكيد الطلاب بأن الشقيقين يدخنان معاً داخل وخارج المدرسة، ويخفيان ما يفعلانه عن عائلتهما.

الطالب محمد منصور من مدرسة الصفا للتعليم الثانوي لم يخش إخفاء أنه أحد المدخنين، وتغريه خلوة داخل أسوار المدرسة ليدخن سيجارته، رغم تأكيده بأن الكثير من زملائه يدخنون في الحمامات، كون المراقبة في مدرسته ضعيفة بحسب رأيه، وبالتالي فإن الطلاب لا يخشون عواقب فعلتهم.

ويضيف أنه يقدر نسبة الطلاب المدخنين في المدرسة بأكثر من ثمانين في المئة، إذ أن الأخوين يدخنان معاً، والمدخنون عامة يواصلون حملات الإقناع لزملائهم للسير في نهج التدخين، مشيراً إلى أنه لا يمكن للمدرسة أن توقف التدخين داخل أسوارها قطعاً لوجود أكثر من وسيلة وأداة للمدخن، وبعضها لا يمكن الإحساس به حتى داخل الفصل مثل «النسوار».

إغراءات الأصدقاء

أما زميله الطالب أحمد عيسى من المدرسة نفسها فيرى أن أغلب المدخنين في مدرسته من طلاب الصف الأول الثانوي، ويؤكد أن كثيراً من المدخنين يفعلون ذلك داخل أسوار المدرسة، وهو شخصياً سار في هذا الطريق بفعل إغراءات أصدقائه، حيث ان الطلاب عادة يحصلون على السجائر من المحال التجارية القريبة من المدارس، وتحديداً التي تساعدهم ببيعها للسيجارة الواحدة.

ويذهب أحمد إلى أبعد من ذلك إذ يقول ان المستخدمين في مدرسته يحضرون السجائر للطلاب من البقالات القريبة مقابل منحهم درهماً أو درهمين، أما أماكن تدخينهم فكثيرة كما يقول، ومنها الحمامات والصفوف الفارغة والصالة الرياضية وفوق السطح، وفي زوايا بعيدة من الساحة.

الطالب عيسى سالم من ثانوية دبي قال إنه يدخن السجائر، ولكنه لم يفعل ذلك داخل أسوار المدرسة، وبالنسبة لمعظم المدخنين من الطلاب فيفعلون ذلك إما في الصباح قبل قرع الجرس أو بعد خروجهم من بوابة المدرسة، مشيراً إلى أن بعض الطلاب يذهبون معاً لتدخين الشيشة في المقاهي الخارجية.

ملل وفراغ

ويؤكد الطالب منذر يوسف، وهو كما يدعي أحد المدخنين سابقاً واستطاع الخلاص من التدخين، أنه يعرف حالياً سبعة طلاب من مدرسته يدخنون «المدواخ»، والذي كما يقول يحوي مادة قوية جداً، وصعب على الكثيرين تدخينها، ولكنه يبرر بأن الملل والفراغ يدفعان المراهق للتدخين، علاوة على البقاء أو الخروج مع المدخنين.

الطالب محمد الصافي من الصف الثالث ثانوي أدبي بثانوية دبي يوضح أنه يعرف طلاباً كثيرين يدخنون «النسوار» أو ما يعرف ب«شمة» و«المدواخ» والسجائر، إذ يوجد أكثر من مئة طالب في مدرسته من المدخنين، يلجأون إلى الحمامات كمكان يبعدهم عن أعين المراقبين، علاوة على أن بعض الطلاب يتعاطون «النسوار» داخل فصول الدراسة أو في الساحة.

ويؤكد أن المدرسة تحاول بشتى الطرق القضاء على هذه الظاهرة سواء عن طريق الجولات اليومية في ساحة المدرسة وفي الحمامات، أو بالتوعية والإقناع أو بالتحذير والترهيب أو باستدعاء أولياء الأمور، مضيفاً أن معظم المدخنين يأتون من مدارس الحلقة الثانية، وبالتالي صار من الصعب حملهم على ترك التدخين كونهم أضحوا شبه مدمنين.

حملات تفتيش

هذه الصورة لم تكن نفسها التي تحدث عنها عبد الغفور يوسف وكيل مدرسة دبي الثانوية، حيث قال ان عدد المدخنين في مدرسته لا يتجاوز الخمسة عشر، وبعضهم من رواد الشيشة خارج المدرسة، وتوجد أكثر من طريقة لمنع التدخين داخل المدرسة مثل حملات التفتيش للفصل وللمقاعد وللجيوب وتفقد الحمامات،

إذ لا يوجد حالياً أي أثر للتدخين في الحمامات. وأضاف أن ظاهرة تدخين «المدواخ» كانت موجودة لدى بعض الطلاب وتم علاجها، ولكن للأسف توجد محلات متخصصة لبيع أدوات التدخين من سجائر ومدواخ وشيش وبأنواع فاخرة، وهذه تؤثر على الطلاب الصغار والمراهقين الذين يسيرون مع كل جديد.

ولفت إلى أن الطالب المدخن يكون في الغالب متأثراً بأحد أفراد عائلته من المدخنين، فالبيئة المحيطة بالطالب ورفقاء السوء بكل تأكيد ستجره للوقوع في فخ التدخين، رغم أن المدرسة تحاول جاهدة القضاء على هذه الظاهرة.

معتز غباشي، الاختصاصي الاجتماعي بمدرسة الصفا للتعليم الثانوي تحدث عن وجود ما يسمى بجماعة الإقلاع عن التدخين في مدرسته، والتي تتكون من الطلاب أنفسهم، وخصوصاً من كان لهم أسبقيات مع التدخين، وهم يعرفون المدخنين ويسعون جاهدين للتخفيف من عددهم، وحثهم على عدم ممارسة هذه العادة داخل المدرسة.

وقال ان الطالب في هذه المرحلة يعامل كرجل، وإذا ضبط يدخن في المدرسة لا يجدي حينها إعلام ولي الأمر، كونه لا يأبه بسماع كلام عائلته في هذه المرحلة المراهقة، وبدلاً من ذلك ينضم إلى جماعة الإقلاع عن التدخين، حيث العلاج والرقابة والنصائح والوقاية.

عادة سيئة

وأضاف غباشي أن المدخن اكتسب عادة سيئة من المجتمع، ولا يمكن للتهديد أو الضرب أن يسلخه عنها، لافتاً إلى أن البقالات القريبة من المدارس تساهم بشكل كبير في تقريب الطلاب وخصوصاً الصغار وذوي الدخل المحدود من التدخين، لأنها تبيع سجائر متفرقة، وهي عملية مربحة بالنسبة للبائع ومغرية بالنسبة للطفل.

أما طاهر درويش مدير مدرسة آل مكتوم للتعليم الأساسي فأوضح أن الطالب يخطئ في هذه المرحلة، وهو أمر طبيعي والتدخين أحد هذه الأخطاء، لذلك يجب أن يكون العقاب مدروساً وفيه العلاج والتوعية بعيداً عن التشدد، فتعاون ولي الأمر مع المدرسة يخفف من هذه الظاهرة.

ولفت إلى أن المستوى المعيشي للطلاب بشكل عام يدفعهم إلى اختيار أدوات محددة في التدخين، فجميع من ضبطتهم المدرسة يدخنون السجائر، ومنهم من يشتريها من البقالات القريبة التي تمنحهم سجائر وبأعداد متفرقة حسب ما يملكون من الدراهم، وهذا دافع للصغار ولذوي الدخل المحدود.

محمد عجينة مدير مدرسة البنين في الاتحاد الخاصة بالممزر أكد على وجود مشرفين يتابعان ويراقبان سلوك الطلاب في المدرسة، حيث لم يتم ضبط أي طالب يدخن منذ بداية السنة الحالية، رغم أنه تم ضبط مدخنين «للمدواخ» في السنة الماضية. وتطرق عجينة إلى دراسة أعدها مركز الخليج العربي للاستشارات التربوية على طلاب مدرسته هذا العام، وأوضحت أن 56 في المئة من الطلاب أبدوا انزعاجهم من ظاهرة التدخين، رغم أن الاستبيان أثبت أن ربع الطلاب من المدخنين، مشيراً إلى أن أكثر من 60 في المئة من الطلاب لا يعتبرون التدخين ظاهرة متفشية بين طلاب المدرسة.

عجز إداري

خليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية بالإنابة قال ان المتعارف عليه أن التدخين في المدارس ممنوع، فالطالب يدخن بالسر وهو يعرف عقوبته، ونحن دائماً نحاول بالإرشاد والتوجيه عن طريق المحاضرات والإذاعات المدرسية، رغم أن الجميع يعرف بوجود نسبة كبيرة من الطلاب المدخنين، وبعض إدارات المدارس واعية في تعاملها مع هذه الفئة من الطلاب.

وأكد أن العجز الموجود في الهيكل التنظيمي للإدارة سواء في قلة عدد الاختصاصيين أو نتيجة لإلغاء الإشراف الإداري، أثر كثيراً في عملية متابعة الطلبة وانضباطهم، خصوصاً وأن العصر الذي نعيشه عصر انفتاح وتغيرت فيه أبجديات تربية الأبناء، ولا بد من زيادة الإشراف في المدارس، إذ لا تزال الكثير من الإدارات المدرسية تعيش المعاناة نفسها.

طلاب المدارس الخاصة أكثر مجاهرة

أكد مدير تعليمية دبي بالإنابة أن ظاهرة التدخين موجودة في المدارس الخاصة أكثر منها في الحكومية، وذلك يتجلى في امتحانات الثانوية العامة إذ يجاهر كثير من طلبة المدارس الخاصة بالتدخين أمام اللجان، خلافاً للمدارس الحكومية التي يحافظ طلابها على التدخين سراً وبعيداً عن أعين الملاحظين، موضحاً أن لوائح ونظم المدارس الخاصة غير مفعّلة كما في مدارس الحكومة.

وأوضح أن التعاون مع المراهق أمر مطلوب، بحيث يكون مبنياً على الإرشاد والتوجيه، كذلك فإن دور البيت في هذا الجانب كبير، أما المدرسون فيتحتم عليهم عدم التدخين في أي مكان من المدرسة، لأن المعلم جزء مهم في ضبط ساحات المدرسة وعندما يراه الطلاب أو يشموا رائحته بعد انتهائه من السيجارة فإنهم يتحفزون أكثر للتدخين داخل أسوار المدرسة.

تحقيق: عنان كتانة