يسرد المؤلف في هذه الحلقة قصة توطد العلاقة بين تشيني وشركة هالبيرتون التي تعرف عليها بينما كان لايزال يشغل منصب وزير الدفاع في حكومة بوش الأب.

وبعد فشل بوش الأب في الانتخابات أمام بيل كلينتون في 1992، توجه تشيني إلى هالبيرتون التي كانت بحاجة إليه لكي يوظف علاقاته التي وطدها خلال فترة عمله وزيراً للدفاع من أجل تأمين عقود الشركة.

وهذا ما حصل بالفعل حيث تضاعفت أرباح الشركة، واستطاع تشيني أن يجني ثروة طائلة في فترة قياسية.ويشير المؤلف مجدداً إلى أن نائب الرئيس تشيني يكذب ويستمرئ الكذب، فقد صرّح عقب هزيمة بوش الأب في 1992 أنه سيعتزل الحياة السياسية.

ويتفرغ للأمور الحياتية الأخرى، ولكنه سرعان ما تراجع عن ذلك وخاض الانتخابات في عام 2000 إلى جانب بوش الأبن، فمصالحه وتطلعاته إلى إدارة شؤون البلاد هي التي تحكم في نهاية المطاف.

جورج دبليو بوش لا يقرأ الصحف ولا يشاهد كثيراً من الأخبار التلفزيونية. يقول إنه يعتمد على مساعديه في تزويده بالمعلومات التي يحتاج إليها.

وبطبيعة الحال، فإن ديك تشيني هو المستشار المسؤول. لهذا عندما «جعل» تشيني، بوش يقرر أن أفضل مرشح في التذكرة الجمهورية يمكن أن يكون ديك تشيني، لم يكن ذلك إلا ليملأ نائب الرئيس الفجوات الكبيرة في قاعدة معارف الرئيس بالاسم فقط، ويعينه على تحقيق غاياته.

ليس تشيني أحمق بهذا الخصوص. فإدراكاً منه لحقيقة أنه شخصية غير محبوبة داخل الحكومة وفي البلد بأسره، فإنه يذهب إلى مدى بعيد في تعزيز الوهم بأن بوش يتم تسليمه بانتظام ملفاً حافلاً بالمقترحات، يفترض بالرئيس أن يختار منها الخطة التي تتفق مع مزاجه.

لكن الملف لا يقدم خيارات حقيقية، كما يجب أن يتضح الآن. فقد أشار وزير المالية السابق، وبتفصيل مضنٍ إلى أن هذا ليس بيتاً أبيض يحظى بتخاطب فكري حيوي، وهذا يعود إلى حدّ ما إلى أن تشيني يلعب دور المفوض الأيديولوجي، يحدّد ويتلاعب بتدفق المعلومات والأفكار بما يتفق مع أهدافه السياسية والشخصية.

لكن المهم أن نتذكر أنه بينما يقرأ تشيني الصحف والمجلات، ويصغي للإذاعة، ويشاهد البرامج الإخبارية التلفزيونية؛ فإنه يفعل ذلك بتحيّز، فهو يحب أن يكون إعلامه طيعاً وغير متسائل.

ومثال ذلك، قال نائب الرئيس مؤخراً، لمجموعة من الصحافيين إنه في أعقاب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 على مركز التجارة العالمي والبنتاغون.

عندما بدأ مراسلو التلفزيون يضعون على صدورهم الدبوس الذي يحمل العلم، وعندما كانت نوعية التغطية سخيفة جداً، حتى إن معظم الأميركيين اعتقدوا فعلاً أن عراق صدام حسين كان مرتبطاً إلى حدّ ما بالعنف: «أنتجت الصحافة الأميركية بعضاً من أروع أعمالها».

لا يستسيغ ديك تشيني الإعلام الذي قد يتحدى أفكاره التي تراوده بشكل مسبق، ولم يوافق أبداً على الالتقاء بمراسلين يعتقدون أن على البيت الأبيض واجباً لإيصال المعلومات المهمة إلى الشعب الأميركي. وتشيني لا يمزح عندما يقول : «من السهل أن تشكو من الصحافة؛ فأنا أفعل ذلك منذ وقت طويل في حياتي المهنية».

إنه مقاتل حين يتعلق الأمر بالسرية في البيت الأبيض، ولتشيني تاريخ طويل بمعاقبة المساعدين الذين يتعاونون مع المراسلين، فقبل حرب الخليج ،1991 قام تشيني، وكان حينها وزيراً للدفاع، باقالة رئيس أركان سلاح الجو، الجنرال مايكل دوغان، لأنه ناقش المخطط العام للحرب مع الواشنطن بوست.

لكن وفي حين يبدو تشيني خشناً مع مرؤوسيه؛ فإنه يكون أكثر خشونة مع الصحافي النادر الذي يسعى إلى أن يكون أكثر من مختزل للبيت الأبيض.

لخصّ تشيني موقفه عندما لاحظ بوش الذي لا يقرأ الصحف خلال توقفه في نابرفيل في ألينوي، خلال الحملة الانتخابية في عام 2000 أحد المراسلين القلائل الذين كان يعرفهم بالاسم.

شكا بوش قائلاً: هنالك أدام كلايمر من النيويورك تايمز.

قال تشيني: أجل، إنه عظيم!

لم يكن كلايمر أول صحافي ينتهي به الأمر ليصبح على قائمة تشيني السيئة، فقبل ربع قرن من حادثة 2000 حين كان تشيني يعمل كرئيس لطاقم البيت الأبيض في عهد جيرالد فورد، رتب نقاشاً في الجناح الغربي حول كيفية إطلاق تحقيق جنائي مع الصحافي سيمور هيرش وصحيفة «النيويورك تايمز»، التي كان هيرش يكتب لها.

ففي شهر مايو ،1975 كان هيرش قد كتب مقالة تكشف حقيقة أن غواصات البحرية الأميركية كانت تعترض البيانات العسكرية السوفييتية على مستوى رفيع، بالتنصت عبر أسلاك اتصالات تحت الماء.

وبعد أن علم أن السوفييت لم يفاجأوا بالتجسس - ربما كانوا يتوقعونه - تراجع تشيني عن مناقشة أفضل طريقة لملاحقة واحد من ألمع صحافيي التحقيقات في أميركا.

إن اهتمام تشيني بحماية عمليات جمع المعلومات عرضي؛ فبينما كان ينسق المواد حول كيفية ملاحقة هيرش في السبعينات، لم يعقد أي نقاش كهذا في عام ،2003 حين ثار القلق حول احتمال أن يكون تشيني أول واحد من طاقمه قد كشف عميلة السي آي إيه، فاليري بليم، زوجة السفير السابق جو ويلسون، التي كانت قد كشفت الاستخدام المشكوك فيه للاستخبارات من قبل بيت أبيض كان ميالاً لاصطناع ذريعة للحرب على العراق.

* الصحافيون الأعداء

ما كان هيرش وكلايمر بحاجة إلى الشعور بالإهانة؛ فطوال حياته المهنية كان تشيني ينظر عموماً إلى الصحافيين على أنهم أعداء.

ففي أبريل 2003 بعد فترة قصيرة من اجتياح العراق، ردّ نائب الرئيس على التقارير بأن القوات الأميركية قتلت ثلاثة صحافيين في يوم واحد، بعد إطلاق النار على مكتب شبكة الجزيرة في بغداد، وعلى فندق فلسطين .

حيث كان كثير من المراسلين العالميين يقيمون، حيث قال تشيني بشكل عرضي إن هذا النوع من الأمور يحدث في الحرب. وقال تشيني : «لا بدّ أنك غبي إذا اعتقدت أن الهجمات كانت مقصودة».

لكن قادة المنظمات الصحافية والدبلوماسيين والشخصيات السياسية البارزة في كل أنحاء العالم عبروا عن ذلك القلق بالذات.

لكن استهانة تشيني بالسلطة الرابعة ليست شاملة، فهو كان له دائماً صحافيون مفضلون، وبعضهم مؤرخون قادرون لقضية المحافظين، مثل لو كانون من الـ «واشنطن بوست»، لكن معظمهم يختزلون المعلومات وينشرون نقاط حديث البيت الأبيض على أنها أخبار.

يقسم تشيني مجتمع الصحافة إلى معسكرين: حمقى مقابل موظفين في الإمبراطورية الشاسعة للقطب الإعلامي الأسترالي المولد، روبرت مردوخ. قد لا يحظى لسان حال مردوخ الأيديولوجي، صحيفة ويكلي ستاندرد، بكثير من القراء خارج الدائرة الضيقة للمحافظين الجدد، الذين لا يزالون يعتقدون أن الحرب على العراق فكرة جيدة، ولكنها تحظى بتوزيع كبير داخل البيت الأبيض.

يودّ المحرر وليم كريستول أن يوصي بأن دورية الاستعمار غير البارع قد أغرت تشيني وآخرين بتبنّي إيمان مطبوعته بأن أميركا ملائمة بشكل مثالي لملء الفراغ الذي خلفه انحسار الامبراطورية البريطانية.

يحب المحررون دائماً أن يتصوروا تأثيرات قد تكون أو لا تكون موجودة. لكن في هذه الحالة فإن كريستول يمكن أن يشير إلى دليل قوي راسخ على إخلاص تشيني لرؤية الويكلي ستاندرد، وكما يقول كريستول:

«يرسل ديك تشيني شخصاً لأخذ 30 نسخة من المجلة كل يوم اثنين.»لكن تشيني ليس نخبوياً حين يتعلق الأمر بمنتجات مردوخ، فكمشاهد كبير للبرامج الحوارية التي تزخر بها قنوات الكوابل مع انتقادات ليلية محافظة، يسعد تشيني بالبرامج على قناة فوكس نيوز التي يملكها مردوخ، فهو في الحقيقة مغرم بقناة فوكس بشكل منتظم.

إن تشيني الذي قال في مارس 2004 باعتزاز «إن آخر مؤتمر صحافي ناضج لي عندما كنت وزيراً للدفاع في أبريل 1991»، ربما لم يكن لديه وقت كاف لمعظم وسائل الإعلام.

لكن قناة فوكس نيوز لصاحبها مردوخ، القناة المعتمدة لدى حكومة بوش، تستطيع أن تعتمد دائماً على مقابلة، أو تسريب، أو كما حدث في ابريل 2004 على وثيقة رسمية من نائب الرئيس.

قال تشيني للنشطاء الجمهوريين الذين كانوا يتذمرون من الإعلام: «إن ما أفعله هو محاولة التركيز على عناصر الصحافة التي أعتقد أنها تقوم بعمل كفؤ وتحاول أن تكون دقيقة في تصويرها للأحداث.

ومثال ذلك أنني أقضي كثيراً من الوقت في مشاهدة فوكس نيوز؛ لأنها - من خبرتي - أكثر دقة في تلك الأحداث التي أنخرط فيها شخصياً من كثير من الوسائل الإعلامية الأخرى.» لذلك، دعونا نكون واضحين حول المكان الذي يحصل منه البيت الأبيض على «تأكيد مستقل» لأخبار الساعة.

حيث أن بوش لا يقرأ الصحف ولا يشاهد الأخبار، بينما يقوم تشيني بقراءة الويكلي ستاندرد ومشاهدة فوكس. وما عليك إلا ان تفكر في الأمر، فقد لا يكون تشيني مسؤولاً فعليا، وربما يكون روبرت مردوخ هو الرئيس.

في الأيام الأخيرة من رئاسة جورج هيربرت ووكر بوش، شغل وزير الدفاع ديك تشيني نفسه بمشروع جديد وجريء. وافترض خاطئاً بأن الرئيس، الذي كان قد حقق تأييداً بنسبة 91% خلال حرب الخليج.

لا يمكن هزيمته على يد بيل كلينتون، الديمقراطي الذي سخر منه الجمهوريون على أنه «حاكم غير معروف لولاية لا يستطيع أحد أن يجدها على الخريطة». أثبتت نزعات تشيني السياسية مرة أخرى أنها حافلة بالأخطاء.

لكن نزعاته المتعلقة بآفاق إعادة جعل المجمع العسكري الصناعي في أميركا كياناً أكثر تكاملاً، أكثر قوة لكن أقل خضوعاً للمساءلة، كانت في محلّها. خلال أوائل التسعينات، كان الشعار السياسي لتلك الفترة «إعادة ابتداع الحكومة».

ففي ضوء وجود ركود اقتصادي يأكل العائدات، ومحافظين يتوقون إلى الحفاظ على امتيازاتهم دون ضرائب جديدة، كانت كل وكالة في واشنطن تبحث عن طرق للاقتصاد في مصاريفها مع زيادة الكفاءة.

وخرج تشيني بمشروع «إعادة ابتداع الحكومة» في نهاية المطاف. سوف يخصخص عمليات الجيش اللوجيستية. فقد كان هذا في نظر تشيني، سيناريو رابحاً.

في وقت من الأوقات، عندما كان الجيش يتعرض للضغط لتقليص حجمه، فإن خصخصة كل شيء، من بناء المراحيض إلى إدارة مطاعم الجنود، يمكن أن تسمح لوزارة الدفاع بتخفيض مئات الآلاف من الوظائف - مما يلغي الحاجة إلى توفير ليس فقط الأجور، وإنما الإسكان والتعليم والرعاية الصحية، ومزايا التقاعد للعسكريين وعائلاتهم.

وفي الوقت ذاته؛ فإن الخصخصة ستؤدي إلى توجيه مليارات من الدولارات الإضافية إلى حسابات المتعهدين الدفاعيين، الذين يمكن أن يشكلوا قوة متنفذة بما يكفي لضمان ألا تواجه ميزانيات الدفاع مرة أخرى تهديد فوائد السلام.

وعلى عكس الجنود والبحارة، فإن المتعهدين كانوا في وضع يقومون معه بتقديم مساهمات كبيرة للحملة الانتخابية، وإرسال جيوش من رجال الضغط إلى الكابيتول هيل، مما يعني أن البنتاغون سوف يحظى بدعم مهم في معارك الميزانية التي ستحدث بشكل مؤكد.

* مقارعة دان كويل

بالنسبة لتشيني، الذي افترض أنه سيخدم كوزير للدفاع في ولاية ثانية لبوش، وبينما كان يستعد لمقارعة دان كويل سيء الحظ للترشيح الرئاسي الجمهوري عام ،1996، كان إغراء مشروعه للخصخصة واضحاً:

سوف يكون متعهدو الدفاع مسرورين وممتنين بشكل مؤكد حين يتعلق الأمر بفتح دفاتر شيكات المساهمة للحملة الانتخابية. لكن ترويج الفكرة بأن على الجيش أن يقايض هذا العدد الكبير من المسؤوليات لن يكون سهلاً.

فقد كان هنالك جنرالات قلقون من زعزعة هيكل القيادة، وأعضاء من الكونغرس تذمروا من إيجاد مجالات جديدة لإساءة استخدام عمليات الشراء، وحركات المصلحة العامة، التي رأت إمكانية حدوث فساد حكومي وسياسي على نطاق كبير.

كان تشيني يعرف أنه كان لا بدّ له أن يقدم الحجة لتغيير كبير في الطريقة التي كان الجيش يقوم بها بعمله. وحتى يفعل هذا، سوف يحتاج إلى دراسة جادّة، وثيقة تقدم الحجة بأن الخصخصة لن تؤدي فقط إلى توفير الأموال، بل ستجعل أميركا أكثر أمناً.

لكن من الذي سيضع مثل هذه الدراسة. وأي مجموعات مستقلة ونزيهة وفوق الشبهات، يمكن الاعتماد عليها لتقييم كامل ونزيه لمثل هذه القضية المهمة. هل هي فرق البحث والتحليل في البنتاغون.

هل هو مكتب الموازنة التابع للكونغرس. كلا.. ربما مؤسسة فكرية ذات تاريخ عريق لمراقبة النفقات والبرامج العسكرية. كلا.. كان لدى تشيني فكرة أفضل. ماذا عن هاليبرتون.

إن هذا صحيح، ففي عام 1992 دفعت وزارة دفاع ديك تشيني لفرع شركة هاليبرتون للإنشاءات، وهي براون أند روث سيرفيسيز، مبلغ 9 ,3 ملايين دولار لتحليل مكامن قوة وضعف الحجة، بالسماح لشركات خاصة مثل براون اند روث، بتقديم دعم لوجيستي للعمليات العسكرية الأميركية في المناطق الساخنة في أرجاء العالم.

وكان من الواضح أن تشيني ومساعديه مقتنعون بالتقرير السري الذي تلقوه من براون أند روث. وقبل انتهاء تلك السنة، رصدوا خمسة ملايين دولار أخرى لجعل الشركة تعزّز دراستها.

قالت جين ماير، من نيويوركر في دراسة متميّزة لنائب الرئيس ومستخدميه السابقين: «في حقيقة الأمر، تم الطلب من الشركة أن تخلق سوقاً لها، وخلال عقد أخذت (السوق) تساوي أكثر من 150 مليار دولار في السنة، لمتعهدي الدفاع. لكن أول خطوة مهمة لفتحها للعمل قد اتخذت بلا إشعار تقريباً.».

وحتى عندما كان يجري استعراض دراسات براون أند روث وتحديثها، كانت وزارة دفاع تشيني تتحرك نحو تنفيذ توصياتها. وفي الشهور التي سبقت نقل البنتاغون إلى حكومة كلينتون المقبلة، قامت البنتاغون، بقيادة تشيني، بإعادة تشكيل ساحقة للحكومة.

وفي أغسطس 1992 تم منح شركة براون أند روث، وبسرعة، عقداً لوجيستيا من سلاح المهندسين التابع للجيش الأميركي، والذي يسمح لها بالعمل إلى جانب الجنود في هاييتي والصومال والبلقان، وفي كل مكان آخر يوجد فيه الجيش.

في تلك الأيام التي حفلت بالركود الاقتصادي، عندما كان كثير من شركات الإنشاءات تكافح حتى تحافظ على بقائها، بدا أن الاتفاق سيكون جيداً جداً لشركة براون آند روث.

وبالتالي لشركة هاليبرتون، ففي مقابل عملها في البلقان وحدها، جلب عقد الشركة مع وزارة الدفاع مبلغ 2 . 2 مليار دولار في دفعات من الخزينة الأميركية خلال منتصف التسعينات.

وحتى التجربة الأميركية الكارثية في الصومال، التي شكلت أساساً لفيلم «سقوط الصقر الأسود»، كانت جيدة لهاليبرتون، فقد غرفت الشركة مبلغ 109 ملايين دولار بدل توفير الدعم اللوجستي وإعداد جثث القتلى للدفن. ومع فتح خط أنابيب البنتاغون ازدادت قوة هاليبرتون.

وابتسم الحظ أيضاً لديك تشيني، الذي انتقل بسرعة من صرف شيكات وزارة الدفاع إلى جمع أموالها كرئيس لهاليبرتون.

استمرت علاقة ديك تشيني الرسمية مع هاليبرتون خمس سنوات فقط، من 1995 إلى 2000، لكن تلك السنوات جعلت منه رجلاً غنياً جداً وذا صلات جيدة جداً. وأخذ يبدأ بالتنقل في دوائر النخب المؤسسية التي تحلق عالياً، والذين كانوا أنصاف آلهة العقد - رجال مثل كير لاي، من إنرون.

وبينما جمع تشيني 44 مليون دولار من أموال القطاع الخاص، فقد أصبح، بفضل موقعه على سدّة إحدى شركات العقود الدفاعية الرئيسية في البلاد، اللاعب المحوري حتى انه اعتقد أن عليه أن يكون في الحوارات حول توجه السياسة الخارجية الأميركية.

وفي الحقيقة، وبينما بدأت عملية الخصخصة، التي حرّكها تشيني خلال تلك الأيام الأخيرة في البنتاغون، تتسارع، كان في موقع فريد ليشارك في أهم الحوارات حول مستقبل البلاد، ودون أن يضطر إلى الاعتماد على راتب حكومي مهين.

«إن الخصخصة طريقة للتحايل على الكونغرس وعدم إخبار الجمهور»، قال الكولونيل بروس غرانت في تقرير خاص عام 2002 بعنوان «السياسة الخارجية تحت المجهر»، والذي استعرض القضايا الإشرافية الناجمة عن الاستخدام المتزايد للشركات الخاصة للقيام بالعمل، الذي كان قبل سنوات قليلة فقط مسؤولية العسكريين.

شكا غرانت قائلاً: «إن السياسة الخارجية تصاغ غيابياً من قبل مستشارين عسكريين خاصين تحركهم الأرباح النهائية».

وفيما كان محللون مثل بيتر سينغر من مؤسسة بروكنغز قلقين من «أننا نحوّل شريان دفاعنا إلى السوق»؛ فإن المتنفذين أمثال تشيني وضعوا أنفسهم عن حكمة في تلك السوق. وهم يدركون أنهم يمكن لهم أن يمارسوا نوعاً جديداً من السلطة، ليست العامة تماماً ولا الخاصة تماماً.

أدرك تشيني هذه الحقيقة بشكل أفضل من أي شخص آخر في إعادة التشكيل السريعة للمجمع العسكري الصناعي، لكن مركبة الرئيس التنفيذي في هاليبرتون لم تكن الغاية النهائية لتشيني. كان فقط يجمع ديوناً عندما انحرفت خططه الموضوعة على أفضل نحو عن مسارها، مثلما كان قد حدث من قبل.

ومع أن منصب تشيني في هاليبرتون كان مجزياً كما كان يتوجب، فإن هذا المنصب لم يكن سوى انعطافة بالنسبة لرجل كانت لا تزال تراوده الأحلام بالحصول على منصب رئيس تنفيذي يفوق كل المناصب الأخرى، وهو القائد العام للقوات المسلحة.

* أوهام الأبهة

عندما أعطى الناخبون الأميركيون قسائمهم الزهرية لجورج هيربرت ووكر بوش وديك تشيني في عام 1992، أدرك الأب بوش أن حياته المهنية الطويلة في الخدمة الحكومية قد وصلت إلى نهايتها.

لكن تشيني، الميال دائماً لأوهام الأبهة السياسية، لم يرد أن يشغل مثل هذا المنصب التنفيذي. فقد كان يريد المكتب البيضاوي. لقد انتهى بوش الأب، ولم تكن الأسرة قد رعت الابن الوحيد القادر، للرئيس السابق، جب، لخوض المعركة لاستعادة البيت الأبيض.

كان هنالك فرصة أمام مرشح مؤسسة يمكن أن يحظى بمصداقية بقبول الكوادر المحافظة التي أخذت تهيمن على صميم الحزب الجمهوري. وكان عدد كبير من المرشحين يطرحون أنفسهم لانتهاز تلك الفرصة، لكن تشيني اعتقد أنه على المسار الداخلي، وعلاوة على ذلك.

وبوضع واجباته كوزير للدفاع وراء ظهره، كان قد أكمل سيرة ذاتية جمهورية كلاسيكية - رئيس طاقم البيت الأبيض، زعيم في الكونغرس، لاعب رئيسي في مجلس وزاري حربي.

- كما أن أية ذكريات لارتباطاته بجيرالد فورد والجناح المعتدل من الحزب الجمهوري؛ قد تم إخفاؤها بسجل تصويت كشخص ذي قسوة، مثل أولئك من أكثر اللاعبين غموضاً في الحزب.

لم يكن ديك تشيني ذلك الشخص الجيد في السياسات، لكن بعد ربع قرن من القيام بكل شيء، من حمل حقيبة الأزرار لوارين نوليز، إلى سوء إدارة حملة إعادة انتخاب جيرالد فورد، إلى كسب سباقاته إلى مجلس النواب في ويومنغ، فقد أصبح يفهم، على الأقل، بعض أساسيات شن حملة رئاسية.

كانت الخطوة الأولى العثور على منبر يطلق منه تصريحات متغطرسة حول مزاياه ونقائص الرئيس كلينتون.

مؤسسة انتربرايز الأميركية، المرنة سياسياً دائماً، وهي مؤسسة فكرية تمول من الشركات وتقدم أجوراً ومساحة مكتبية لسياسيين عاطلين عن العمل ومنظرين مخبولين، مثل المرشح المرفوض للمحكمة العليا، روبرت بورك، ومؤلف «بل كيرف»، شارلس موراي، قد منحت ديك ولين تشيني زمالة فيها. كتبت لين كتاباً بعنوان «قول الحقيقة» بينما شرع ديك في فعل عكس ذلك.

إن ديك تشيني وزوجته لم يرقيا للحملة الرئاسية إلى ما هو أكثر من كومة من الخطب وإيصالات جمع التبرعات للحملة. كان المنطق وراء ترشيحه واضحاً لتشيني.

فقد قال للاري كنغ في برنامج «أنا متوفر» على شبكة سي إن إن بعد يومين من تنصيب كلينتون في يناير 1993: «من الواضح أنه شيء سوف ألقي نظرة عليه، من الواضح أنني عملت مع ثلاثة رؤساء، وراقبت اثنين آخرين عن كثب، لذلك فهي فكرة خطرت على بالي».

لكن لم يبد ذلك واضحاً هكذا لأي شخص آخر. فقد تجول تشيني في كل أنحاء البلاد طوال فترة طويلة من السنتين، يزور أربعين ولاية، يلقي خطباً في عيد لينكولن، ويتقبّل مكافآت على حضوره مناسبات محلية.

كان هنالك بعض التساؤلات الهادئة بين كبار رجال الحزب، حول ما إذا كان الجمهوريون يريدون فعلاً تحدي بيل كلنتون ،الذي لا يزال شاباً نسبياً، والرجولي بزميل عانى من ثلاث نوبات قلبية خلال ثماني عشرة سنة ومن آثار عملية جراحية.

جمع تشيني ما يكفي من الأموال ليظل ظاهراً على الساحة، فقد جمع مليون دولار، بما فيها شيكات من مديري الشركات التي استفادت من فترة وجوده كوزير للدفاع، مثل هاليبرتون، بكتل، والمؤسسة العالمية للاستخدامات العلمية، حيث استطاعت كل هذه الشركات الثلاث الفوز بعقود ضخمة لإعادة بناء العراق خلال ولاية بوش الابن الثانية.

وبرز تشيني كشخصية متنفذة أكثر مما كان في الحكومة الأولى. لكن الأموال الطائلة لم تأت على طريقة تشيني، فالجمهوريون الأساسيون نبذوه على أنه الكسندر هيغ مملّ، والمتطرفون أعطوا تشيني تقديراً كبيراً إزاء قسوته على كلينتون.

فقد رفض القلق حول الوصول إلى الرعاية الصحية على أنه «أزمة مصطنعة»، وأعلن أن المشكلة الحقيقية في أميركا هي : «نظام عدل جنائي يسلّم أحكاماً بالسجن لفترات طويلة لضباط مسؤولين عن تطبيق القانون ممن يستخدمون القوة المفرطة».

لكن الاستجابة لحملة تشيني كانت في معظمها تثاؤباً. وكما كانت الشكوى منذ خوضه لانتخابات الكونغرس أول مرة، فإن هذا المرشح يمكن أن يدخل غرفة من المتحمسين ويحولهم إلى نقاد.

وبدلاً من خطبة حافلة بالتحدي فإنه ألقى محاضرة: «إنني قلق لأننا كبلد وضعنا السياسة الخارجية والدفاعية كآخر بند على الأجندة العامة.

في اللحظة هذه بالذات التي يحتاج العالم فيها إلى قيادة أميركية أيّما حاجة،» هكذا تذمّر في خطاب ألقاه في ديسمبر 1993 قبل أن يدخل في أطروحة مطولة حول آخر التطورات في مولدوفيا وأرمينيا.

كانت حملة تشيني ذات صفة فاترة وكثيرة النزوات تقريباً، فقد كان يقول بعد التجول في البلاد: «لقد قدت سيارتي مسافة ثمانية آلاف ميل عبر البلاد، وبنفسي، وكنت أقرّر بشكل بديهي أي طريق أسلكه، أتوقف عند محلات ماكدونالدز للهامبرغر ومواقف الشاحنات، أسلك الطرق الخلفية وأتنقل بين الولايات. كنت خلال رحلتي ألقي الخطب...».

* شركاء صيد السمك

وفي الوقت ذاته كان بوب دول يتجول عبر البلاد، يكسب تأييد الحكام الجمهوريين، ولم يستطع تشيني أن يجعل حتى الحاكم الجديد لتكساس، جورج دبليو بوش، يهتم بترشيحه، وفي أوائل عام 1995 فإن الطامح مخيب الرجاء طوى صفحة تشيني لحملة الرئيس، وذهب يصطاد السمك في نيو برونسويك، كندا.

وكما جرت الأمور؛ فإن شركاء تشيني في صيد السمك كانوا مجموعة من كبار رجال الشركات الذين كانوا قلقين من التحول المقبل في شركة هاليبرتون، وهي شركة كانت بصدد تغيير في الإدارة. وجاء في إعادة سرد للأحداث نشرت في نيويوركر:

«بعد أن قال تشيني: تصبحون على خير، بدأ الآخرون يتحدثون عن حاجة هاليبرتون إلى رئيس تنفيذي جديد. لماذا لا يكون ديك. مع أنه لم يكن له أية خبرة في إدارة الأعمال، إلا أنه كان ذا علاقات قيمة مع أناس متنفذين جداً».

لم يكن افتقار تشيني للخبرة في إدارة الأعمال مشكلة، حيث انه لم يكن ليخوض الإدارة، بل ستكون مهمته البناء على العلاقات التي كان قد بدأ بتطويرها حين كان وزيراً للدفاع. وإذا كان هنالك من يعرف كيف يأتي بمزيد من دولارات وزارة الدفاع إلى حسابات هاليبرتون، فإنه الرجل الذي اعتاد على إدارة وزارة الدفاع.

ومن وجهة نظر هاليبرتون، بدا هذا مثل زواج يعقد في الفردوس. وبالنسبة لتشيني، بدا هذا كمنصب يقرّبه من مركز المجمع العسكري - الصناعي الذي كان قد سعى جاهداً للحفاظ عليه، ومن السلطة التي يمكن لذلك المنصب أن يوفرها له.

وبطبيعة الحال، لم يكن هنالك التقديرات التي وصفت على الملأ عندما تم الإعلان عن اختيار تشيني في مؤتمر صحافي في شهر أغسطس 1995 في دالاس. كان التوجه الرسمي أن تشيني أخذ يخرج من عالم السياسة. وقد أوضح الرئيس التنفيذي الذي اخترع مؤخراً: «حين اتخذت القرار في أوائل هذه السنة بعدم خوض المعركة لمنصب الرئيس وعدم السعي إلى البيت الأبيض؛ فقد كان ذلك في واقع الأمر قراراً بإغلاق حياتي السياسية والانتقال إلى أمور أخرى».

كان تشيني يكذب، فقد كان ينضم إلى هاليبرتون لمساعدة الشركة على إكمال الصفقات التي كان قد أبرمها كوزير للدفاع. وفي لحظة غير حذرة، كشفت صحيفة الـ «واشنطن بوست»، على الأقل، جزءاً من الخطة، وقالت: «كوزير للدفاع خلال حرب الخليج، أجرى تشيني اتصالات دولية، والتي أمل مديرو هاليبرتون في أن تدفع بالشركة إلى مقدمة الصناعة.».

لم يكن هنالك أي التباس حول سبب استخدام تشيني، فقد كانت مهمته أن يستغل علاقاته في مساعدة هاليبرتون على جني أكبر قدر من الأموال بسرعة كبيرة جداً، وتقوم هاليبرتون بدورها بمساعدة تشيني على جني مبلغ كبير بسرعة كبيرة جداً.

لم تكن هذه العلاقة لتكون دائمة، فعندما تم النفي الجمهوري من البيت الأبيض، كان الرئيس التنفيذي يتوقع تماماً العودة إلى واشنطن، فأي شخص اعتقد أن تشيني قد تخلّى عن الحلم بإدارة الولايات المتحدة فإنه لم يكن يعرف ديك تشيني.

وجاء جانب جني الأموال من المعادلة جيداً كما هو متوقع. وأثبت تشيني فعلاً أنه يساوي وزنه ذهباً. فقد تضاعفت عائدات هاليبرتون خلال الفترة التي عمل فيها كرئيس تنفيذي، إلى أكثر من 15 مليار دولار سنوياً.

كما أن الشركة، التي كانت تسعى جاهدة للبقاء في «الدرجة الثانية» من صناعة الطاقة، كبرت ونمت لتصبح أكبر شركة نفط وغاز في العالم.

وحصل تشيني على قدر كبير من الثقة، ونسب إليه الفضل إزاء ذلك النمو، وبعد وقت قصير من وضع نفسه على التذكرة الجمهورية لعام ،2000 صدر تقرير «المال» لشبكة سي إن إن بعنوان: تشيني يحصل على امتياز كرئيس تنفيذي.

لكن لا تعتقدوا أن تشيني كان نوعاً من العبقري التجاري، فالاندماج الرئيسي الوحيد الذي أشرف عليه تشيني، وهو تملّك دريسر أند ستريز عام ،1998.

وهي المنافس الرئيسي لهاليبرتون، ضاعف حجم الشركة وبدا ذلك عظيماً حسب الظاهر، لكن الواقع كان مشوشاً. فالتلفيق الرسمي يقول إن تشيني رجل يدقق في التفاصيل، ويقرأ أكواماً من التقارير.

ولا يكف عن طرح الأسئلة. وفي الحقيقة فإنه مشهور بعدم الدقة حين يتعلّق الأمر بالبحث، وهو ذو تاريخ طويل في تقرير ما يريد أن يفعله، ثم يفرض الحقائق لتتوافق مع أهوائه إزاء كل شيء، من السياسة إلى مجال الأعمال، إلى العلاقات الخيالية بين أسامة بن لادن وصدام حسين.