ينقلنا المؤلف هنا إلى أجواء المكائد والمؤامرات التي دبرها الثنائي رامسفيلد ـ تشيني من داخل البيت الأبيض لتقويض سلطة هنري كيسنجر الذي كان يضطلع بمهام وزير الخارجية ومستشار الرئيس فورد لشؤون الأمن القومي، حيث رأى الثنائي في هذا الرجل الداهية تهديداً لأطماعهما في الوصول إلى المناصب السياسية الرفيعة.

ولم تقتصر ضحايا المكائد المدبرة على كيسنجر الذي أقصاه فورد عن منصب مستشار الأمن القومي، فقد شملت القائمة كلاً من روبرت هارتمان، مستشار الرئيس فورد وجيمس شليزنغر، وزير الدفاع ونيلسون روكفلر المرشح في تذكرة فورد كنائب للرئيس في حملته الرئاسية الثانية.

المهم أن الثنائي استطاع أن يحقق بعضاً من مآربه من خلال استغلال الطريقة الميكيافيلية، حيث عين رامسفيلد وزيراً للدفاع في حكومة فورد بينما عين تشيني رئيساً لطاقم العاملين في البيت الأبيض ليكون بذلك أصغر من يتولى هذا المنصب في التاريخ الأميركي.

شكان رامسفيلد وتشيني، من وجهة نظر المؤرخ جيمس مان، «زوجين يكمل أحدهما الآخر، ويوفر أحدهما المزايا التي لا يملكها الآخر». كان رامسفيلد مفعماً بالطاقة، بينما كان تشيني متمالكاً لنفسه. كان رامسفيلد يفيض بالكلمات والأفكار، بينما لم يكن تشيني، الغربي المقتضب يستخدم كلمة تتجاوز ما يستدعيه الوضع. كان رامسفيلد، دائماً يبدو راغباً في المزيد: المزيد من السباقات، مهمات واسعة، وظيفة أكبر.

بينما ظهر تشيني للعالم كشخص متواضع وصبور جداً. وبطبيعة الحال، وكما تعلم رامسفيلد عندما أخرجه تشيني من منصب نائب الرئيس، كان صبر الرجل الأصغر سناً، صبر أفعى سامّة تنتظر أن توجه ضربتها. لكن في عامي 1974 و1975، كان رامسفيلد وتشيني يستعدان لضرب آخرين، وليس لضرب أحدهما للآخر.

وإدراكاً لحقيقة أن فورد كان ضعيفاً، وأن أشخاصاً آخرين غير الرئيس سوف يسيطرون على هذا البيت الأبيض، انطلقا ليتأكدا من أنهما وحلفاءهما سوف يتولون المسؤولية ـ بشكل أدى بهما في وقت لاحق ليتحدا وليتوليا مسؤولية البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش.

لكن عدداً من الناس وقفوا في طريق مخططاتهما، بمن فيهم روبرت هارتمان، وهو مراسل صحافي سابق كان قد خدم في طاقم فورد في الكونغرس ونيابة الرئيس. كان هارتمان، الذي حمل اللقب الرسمي «مستشاراً للرئيس» موالياً جداً لفورد، ورأى في رامسفيلد وتشيني رجلي نيكسون، الذي كان قد نجا من انهيار الرئاسة السابقة، عن طريق الحظ أو المكر.

أشار هارتمان إلى رامسفيلد وتشيني على أنهما «الحرس البريتوري» أو «البريتوريان الصغيران» إشارة إلى حرس القصر الذي أدى تصميمهم على إدامة سلطتهم إلى تقويض آخر قياصرة الإمبراطورية الرومانية.

كان فورد يحب هارتمان ويثق به، وكان يتمتع بتبادل الأفكار مع مساعده المطلع والمتوازن جداً. وبهذا استغل الرئيس ومستشاره ميزة الانعطاف الفعلي للبيت الأبيض. كان هنالك غرفة إلى جانب المكتب البيضاوي، وانتقل هارتمان إليها. وقد جعله هذا مساعد فورد الوحيد، الذي كان يستطيع الوصول الفوري والمستمر إلى الرئيس، دون أن يضطر إلى المرور عبر السكرتيرات وواضعي المواعيد. وكان هذا غير مناسب لرامسفيلد وتشيني، وكانت خططهما تفشل في أحيان كثيرة عندما كان هارتمان يصل إلى فورد قبلهما. فما العمل؟

تولّى تشيني مسؤولية التفاصيل الدقيقة لتخطيط البيت الأبيض، حتى إرسال المذكرات التي يمكن العثور عليها في صناديق الملفات في مكتبة جيرالد فورد حول «مشكلة مصرف المياه في حمام الطابق الأول» وكان هذا تصرفاً نموذجياً لتشيني، الذي جعل شغله الشاغل أن يحضر مبكراً ويبقى إلى وقت متأخر، ويدسّ أنفه في كل قرار، وإن بدا ذلك خارجاً عن السياق.

أثبت إتقان تفاصيل تدبير شؤون البيت الأبيض أنه تصرف استراتيجي ذكي، حيث مكّن تشيني ورامسفيلد من إبعاد هارتمان من الطريق، فعلياً وسياسياً. وكما يقول جيمس هارتمان: «تعامل رامسفيلد مع هارتمان عن طريق مناورة تدبير المنزل: كان يقول إنه يتوجب تحويل مكتب هارتمان إلى مكتب رئاسي خاص، فخرج هارتمان منه، وفقد قربه من فورد ليصبح مهمشاً بالتدريج».

بعد التخلص من هارتمان، قام رامسفيلد وتشيني بملاحقة لاعب أكثر بروزا في البيت الأبيض، وهو هنري كيسنجر، الذي كان قد خرج من حكومة نيكسون بجائزة نوبل للسلام لا يستحقها، وسمعة لا يستحقها أبداً كأستاذ في فن الحكم، وكان في ذروة سلطته خلال السنوات الأخيرة من رئاسة نيكسون، واستطاع أن يحافظ على تلك السلطة في السنة الأولى من رئاسة فورد.

وقد استغل إدراك فورد لمعرفته عمّا يجري في غراند رابيدز أكثر مما يعرف عمّا يجري في موسكو أو بكين. فقد أقنع كيسنجر الرئيس الجديد أن يتخلى عن المسؤولية إزاء السياسة الخارجية له كوزير خارجية ومستشار أمن قومي لفورد.

وفي كتابيه عن إدارة فورد في عام 1975، قال الروائي جون هيرسي: «إن هذا الرئيس، الذي كان يملك حدّا أدنى من الإطلاع على الشؤون الخارجية قبل أن يصل إلى المنصب، يستمع، كما يقال لي، إلى صوت واحد فقط، هو هنري كيسنجر».

* المقعد الخلفي

رامسفيلد وتشيني اللذان كانا رغم افتقارهما إلى الخبرة الكبيرة في الشؤون الخارجية، قد بدآ في تخيّل نفسيهما كلاعبين على الساحة العالمية، لم يحظيا بصلاحية مسلّم بها لمثل هذا القطاع الجوهري للإيجاز الرئاسي لأي شخص. وكانا غير سعيدين بشكل خاص إزاء التخلي عن تلك الصلاحية لنيكسون، الذي أخذ تشيني بصفة خاصة يعدّه ليّناً أكثر من اللزوم في مواجهة ما تصور أنه ما زال تهديداً سوفييتياً كبيراً.

ومع أن تشيني كان يسعى إلى البقاء بعيداً عن الأنظار، وهو موقف أكسبه اسمه الرمزي في الجهاز السري في منتصف السبعينات: (المقعد الخلفي)، أخذ يتضح بصورة متزايدة أنه (شخص يميني)، لا سيّما حين كان الأمر يتعلق بالحرب الباردة. وهنا قال روبرت هارتمان: «حين كانت أيديولوجيته الخاصة تتكشف، كان يبدو إلى حدّ ما على يمين فورد، أو رامسفيلد أو جنكيز خان».

لم يكن اليمينيون يوافقون على جهود كيسنجر الرامية إلى تخفيض التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والصين. وحين بدأ كيسنجر ونيكسون يبشران بمبدأ الوفاق في أوائل السبعينات، واجها ثورة طفيفة بين الجمهوريين المحافظين.

وفي عام 1972 قام عضو الكونغرس، جون آشبروك من أوهايو، وهو مقاتل حرب باردة بلا هوادة، بتحدي نيكسون في الانتخابات الجمهورية الأولية، وحظي باهتمام ضئيل وببضعة أصوات. لكن بعد سنوات، تعمّد تشيني كوزير ونائب للرئيس الأميركي أن يحضر مناسبات تكريم آشبروك.

فأثناء رئاسة فورد، قام تشيني بتكريم آشبروك بطريقة أخرى: بمهاجمة كيسنجر والوفاق في كل مناسبة. وفيما وصفه السكرتير الصحافي الأسبق للبيت الأبيض، رون نيسن صراع خلف الكواليس للحدّ من سلطة كيسنجر، أصبح تشيني مرّوجاً لأيديولوجية ولطموح رامسفيلد. أرسل مذكرة يتذمّر فيها من مدى ما خلّفه إحجام فورد عن لقاء الكاتب السوفييتي الكسندر سولز نتسين في عام 1975 من تغذية للوهم بأننا أصبحنا فجأة في أحضان الروس. وساعد رامسفيلد على تضخيم الأحداث التي يمكن أن تحرج كيسنجر، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، لتصبح أزمة.

وانضم إلى رئيس طاقم البيت الأبيض في الإيماء بأن كيسنجر يسيء إدارة الانسحاب من فيتنام، وفي القول إن فورد، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 1976، كان يحتاج إلى تعزيز الانطباع بأنه كان هو، وليس كيسنجر؛ مسؤولاً عن سياسة البلاد الخارجية.

ونجح الانتقاد المستمر، فبالنسبة لفورد، كما أوضح جون نيوهاوس في كتابه بعنوان «الحرب والسلام في العصر النووي»: «التقت السياسة والسياسات الرئاسية»، ونتيجة للتحذيرات من رامسفيلد وتشيني بأن تحدياً في الانتخابات الأولية الجمهورية من جانب حاكم كاليفورنيا السابق، رونالد ريغان، يمكن أن يعصف بالحكومة لاختيارها للوفاق فوق الأمن، بدأ فورد يرى كيسنجر كعبء.

وفي أوائل تشرين الثاني،1975 قبل أسابيع فقط من إعلان ريغان الرسمي للترشيح، طلب فورد من كيسنجر أن يتخلى عن مسؤولياته كمستشار للأمن القومي، ويعمل فقط كوزير للخارجية. كان ذلك يعني أن كيسنجر لم يعد يفصح عن نواياه حول شؤون الأمن والاستخبارات الخارجية. وكجزء من التعديل، حصل فورد أيضاً على استقالة وزير الدفاع الصقوري جيمس شليزنغر وحتى يستبدل شليزنغر، اختار فورد رامسفيلد، الذي كان منذ عام 1968 يتطلع إلى منصب وزاري.

ومع أن تصوّر السيطرة على البنتاغون كان مغرياً لرامسفيلد ـ وفقاً لجون أوزبورن من نيو ريببلك، «كان رامسفيلد يريد منصباً ذا مستقبل سياسي» وكانت وظائف طاقم البيت الأبيض، مهما كانت رفيعة، نادراً ما توفر ذلك» ـ فإن رئيس الطاقم كان قلقاً إزاء ترك الجناح الغربي، في الوقت الذي هزم فيه كيسنجر في النهاية وأبطأ وتيرة الوفاق.

قدر رامسفيلد بسرعة أنه يستطيع التمتع بكلا العالمين، بإقناع فورد باختيار تشيني، الذي كان عندئذ في الرابعة والثلاثين فقط، كأصغر رئيس لطاقم البيت الأبيض في التاريخ، وهكذا عندما وصل الحديث إلى من يمكن الحلول محلّه كرئيس للطاقم، تساءل رامسفيلد: ماذا عن ديك؟

بعض مساعدي فورد تندروا قائلين إن الإعلام سوف يسأل: من هو ديك تشيني، بحقّ السماء؟ لكن تشيني، الذي بدأ أخيراً يخرج من ظل رامسفيلد، ابتهج بسلطته الجديدة وهيبته. عندما سافر فورد إلى الصين، ذهب كيسنجر وتشيني معه. وبعد سنوات، في نقاش تاريخي شمل رؤساء طاقم البيت الأبيض السابقين، تحدث تشيني بابتهاج قائلاً : كان الفريق المتقدم، الذي عمل معي قد أعطاني غرفة نوم أكبر، جناحاً أكبر مما كان هنري قد حصل عليه. كان المكان أقرب إلى الرئيس ولم يحبّ هنري ذلك.

إن طعن تشيني بكيسنجر والحليف رفيع المستوى لوزير الخارجية في الحكومة، نائب الرئيس نيلسون روكفلر، أثار المخاوف أن رئيس الطاقم غير المجرّب أبداً لم يكن اللاعب السياسي الأكثر تمرّساً بالضبط. كانت المخاوف في محلّها. وكما قال جيمس مان في صعود آلهة النار، فإن صعود تشيني في بيت أبيض فورد خدم كدليل على كيف يمكن لشخص أن يصعد إلى القمة بفضل رغبته في الاهتمام بالأعمال الدنيوية، التي يتجنبها أناس ذوو نفسيات أكبر، وبالتالي ترسيخ المصداقية، ومعرفة جميع الأعمال الداخلية لأي منظمة. كان تشيني أقرب إلى كاتب يصبح رئيساً تنفيذياً، المحرر الذي يصبح رئيس تحرير، المحاسب الذي يتولى ستوديو الأفلام.

وكما هو حال أي كاتب يغتنم الفرصة ليشق طريقه إلى المكتب المنزوي، فقد أتقن تشيني وبسرعة الطريقة الميكيافيلية بمكافأة الأصدقاء ومعاقبة الأعداء. ونسق المناقشات الداخلية حول ما إذا كان عليه استخدام التهديد بالإدانات الجنائية لتخويف النيويورك تايمز إزاء القصص عن إخفاقات الاستخبارات، في وقت كانت فيه السي آي إيه والشبكات المبهمة لدعاة الحرب الباردة التي كانت مرتبطة بها، قد أصبحت تحت مراقبة دقيقة متزايدة.

وتآمر مع مستشار شاب كان رامسفيلد قد جاء به، وهو الاقتصادي آرثر لافر، لإقناع الرئيس باقتصاد جانب العرض - ليحول دونه كبير مستشاري فورد الاقتصاديين، آلان غرينسبان، المتعذر اجتذابه، الذي ظل مفتوناً بالميزانيات المتوازنة. وعلاوة على ذلك، فإن تشيني واصل الهجوم المستمر على الوفاق، فعندما كتب روبرت هارتمان مسودة خطاب حالة الاتحاد في عام 1976، والذي عبّر عن توجه حكومة فورد الرسمي بتأييد الجهود لتحسين العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، أعاده تشيني إلى هارتمان مع مذكرة تقول: «إن الجزء المتعلق بالسياسة الخارجية قاس جداً على الكونغرس، وليس صارماً بما يكفي نحو الروس».

* تشيني في النعيم

بالحصول على أجنحة أرفع منزلة من تلك التي أعطيت لوزير الخارجية، والتخطيط لمعاقبة الصحافة، وتأمين وظائف للأصدقاء السياسيين، وتقديم مخططات اقتصادية ودبلوماسية غبيّة، كان تشيني في النعيم. ومن سوء الحظ، أنه كان يفشل بشكل تعيس في المهمة الوحيدة التي كانت مهمة فعلاً.

إن المسؤولية الرئيسية، وكما يمكن للبعض أن يتولوا «المسؤولية الوحيدة» لرئيس طاقم البيت الأبيض في التمهيد لانتخابات رئاسية، هي أن يتطلع إلى بقاء رئيسه في البيت الأبيض. ومن سوء الحظ أنها كانت لا تتناسب مع تشيني، الذي لم يرشح نفسه أبداً لمنصب عام، والذي لم تتجاوز خبرته في الحملات الانتخابية حمل «حقيبة الأزرار» لوارين نوليز في تلك الجولات حول ويسكونسن.

والأسوأ من ذلك هو أن تشيني كان مسؤولاً عن إدارة الحملة لرئيس ورث المنصب بعد تعيينه نائباً للرئيس، وهو الرئيس الذي لم يرشح نفسه لأكثر من مقعد جمهوري مأمون في مجلس النواب. وأثبت ذلك أنه مزج قاتل سياسياً. وفي ضوء عدم مهارته في الشؤون الانتخابية وعدم نضجه أيديولوجياً، ارتكب تشيني غلطة بالوقوف بغرائزه، وكانت المشكلة أنها كانت خاطئة باستمرار، فالمذكرات الطويلة التي كتبها رئيس طاقم البيت الأبيض الشاب في حكومة فورد عن الاستراتيجيات الأساسية، وإدارة المؤتمر الجمهوري الوطني، وخوض المعركة ضد جيمي كارتر الديمقراطي، توثّق محاولات تشيني المضنية لتوجيه الحملة بالتعبير عن الأمور الواضحة، مع إغفاله المستمر للدقائق الضرورية للحظة ما بعد ووترغيت الملتهبة سياسياً.

ومثال ذلك أن تشيني كان يعتقد فعلاً بأن تقليص دور كيسنجر في البيت الأبيض يمكن أن يرضي المحافظين، الذين كانوا يمقتون وزير الخارجية بشكل خاص والوفاق عموماً. لم يدرك تشيني إلا متأخراً أن كيسنجر، بحمّى سعيه لترويج نفسه، كان لا يزال يبدو مسؤولاً. فوفقاً لهوارد «بو» كالاواي، مرشح حاكم جورجيا الفاشل، الذي كان الرئيس الأول لحملة فورد، فإن الجمهوريين قد أساؤوا فهم التعديلات الوزارية، والتي أجراها فورد بناء على رأي رامسفيلد وتشيني، على أنها هزيمة للمحافظين.

ومع كل ذلك، كان كيسنجر لا يزال يدير وزارة الخارجية، وكان جيمس شليزنغر، وهو داعية حرب باردة ذو شعبية لدى كوادر الحزب الجمهوري، قد أخرج من وزارة الدفاع. تساءل رونالد ريغان قائلاً: «كيف يمكن لنا أن ندافع عن مرشح طرد الدكتور شليزنغر وقال إنه سيحتفظ بالدكتور كيسنجر إذا انتخب رئيساً؟» وبدلاً من صدّ تحدي ريغان في الانتخابات الجمهورية الأولية، فإن التعديل الوزاري قد قوّى اليمين.

* استعراض عضلات

وعندما حمي وطيس الحملة في أواخر شتاء وربيع،1976 قام ريغان بترويج علني للوهم بأن فورد وكيسنجر قد سمحا للسوفييت بأن يحققوا تفوقاً عسكرياً، وقال: «يطلب منا السيد فورد والسيد كيسنجر بأن نثق بقيادتهما. لكنني أجد صعوبة متزايدة في فعل ذلك.» فقد تصادفت قيادة هنري كيسنجر الأخيرة للسياسة الخارجية الأميركية مع فقدان التفوق العسكري الأميركي. كان تشيني ومساعدون آخرون ينصحون فورد بتجنب المعركة حول القضية. وفي اللحظة نفسها، التي احتاج فيها فورد إلى استعراض أية عضلات تملكها السياسة الخارجية، تم دفع الرئيس إلى الخطب المضجرة لشخص يفترض أنه صاحب الحظّ الأوفر.

وبينما كان ريغان يجوب الجنوب، يشجب فورد وكيسنجر على الإعداد للتخلي عن قناة بنما، ظهر فورد في شارلوت ليعلن قائلاً: إنني آسف لأن بعض الناس في هذا البلد يحطوّن من قيمة دور ربّ البيت. إنني أقول ـ وأقول بتأكيد وقناعة ـ أن تدبير البيت جيد لأميركا». كان تحدي ريغان، الذي كان يتوجب الإجهاز عليه بسهولة، يزداد قوة. وفي مواجهة تصوره بأنه يدير الرئيس نحو الهزيمة - قال الكاتبان المحافظان البارزان روبرت نوفاك ورونالد إيفانز: «المحيطون بفورد يلومون رئيس طاقم البيت الأبيض ريتشارد تشيني على سلسلة تخبّطات الحملة». ـ بدأ تشيني في مسار أخذ يستخدمه كثيراً في المستقبل: كان يشير بإصبع الاتهام للآخرين.

حيث أن بو كالاوي سيئ الحظ، الذي كان يتوجب تنحيته من رئاسة الحملة قبل شهور، طرد من المنصب في النهاية على يد تشيني، لكن رئيس الطاقم أفسد التغيير، وعُرض المنصب على ستوارت سبنسر، وهو استراتيجي رفضه، ليخلق ما وصفه مؤلف سيرة ريغان، لو كانون، بأنه «عملية إلهاء وضعت البيت الأبيض وليس حملة ريغان في موقف الدفاع».

وبدأ ريغان يفوز بالانتخابات الأولية الرئيسية، بدءاً باندفاعة ملحوظة حملته في النهاية إلى المؤتمر الجمهوري الوطني في مدينة كنساس، حيث تفوق فورد بنسبة ضئيلة، بأصوات بلغت 1187 مقابل 1070. وبينما كان موعد المؤتمر يقترب، سعى تشيني إلى تهدئة الثورة لدى اليمين، باستبعاد سياسات فورد الخارجية في محاولة غير مجدية لإرضاء الجنوبيين المحافظين.

وعندما طالب سناتور نورث كارولينا، جيسي هيلمز ببرنامج سياسي واضح يشجب اتفاقية هلسنكي عام 1975، التي كان فورد قد وقع عليها، شكا الرئيس من أن التحرك «لم يضف أي شيء أقل من شجب ماكر لسياسة الحكومة الخارجية». لكن تشيني أقنعه بقبول ذلك البند. وفي الحقيقة، وكما أشار كانون: «فإن رجال فورد يستسلمون ببساطة حول كل قضية كان يمكن أن تكون الصحافة قد فسرتها على أنها انتصار للمحافظين».

وهكذا، بينما كان يجري ترشيح فورد، انتهى المؤتمر بما اعتبر على نطاق واسع بأنه انتصار رمزي لريغان واليمين ـ ومع أن هذا لم يلاحظ كثيراً في حينه، فإن رأي تشيني كان أن فورد المعتدل فعلاً يمكن أن يفوز فقط كمحافظ. وفيما أشار إليه روبرت هارتمان «كخلاف أساسي بين البريتوريين وبين حفنة منا ممن قاوموهم بعناد» كان تشيني قد انتصر. حيث سيخوض فورد، نجم كرة القدم القديم، الانتخابات معتمداً على اليمين وليس على الوسط.

هنالك أولئك الذين يعرفون أيديولوجية جنكيز خان، التي يعتنقها تشيني، لايزالون يشتبهون أنه خطط سراً لتوجيه فورد والحزب الجمهوري إلى اليمين، لكن تلك قراءة خاطئة لكيفية رؤية تشيني لنفسه في عام 1976، وإلى حدّ ما على الأقل لرؤيته لنفسه اليوم. فهو منظّر عنيد، لكن رغم كل ذلك، فإن ديك تشيني شخص يسعى إلى السلطة. فلا يوجد أي سجل له يشير إلى أنه يضع المبدأ قبل الولاء لتقدمه السياسي. لذلك لم يقفز تشيني مع المحافظين الآخرين إلى مركبة ريغان في عام 1976، أو للشأن نفسه في عام 1980.

فقد كان يعمل بالخفاء، وأراد أن يبقى كذلك. لكن هذا لا يعني أن آراء تشيني المتطرفة لم تلعب دوراً كبيراً في خسارة فورد لجيمي كارتر الديمقراطي في الخريف. وكما ظهرت الأمور؛ فإن التوجه المحافظ لتشيني قد أدى إلى فشل فورد. كان رامسفيلد وتشيني يعتقدان، وكانا مخطئين، أن نائب الرئيس روكفلر كان عبئاً سياسياً. حيث أن روكفلر وهو أبرز جمهوري ليبرالي في البلاد، كان قد فاز بمنصب حاكم ولاية نيويورك أربع مرات، هزم أفيريل هاريمان، فرانكلين روزفلت الابن، وقاضي المحكمة العليا الأميركية الأسبق، آرثر غولدبيرغ، من بين أشخاص آخرين.

وكان قد شنّ حملات كبيرة للترشيح الجمهوري للرئاسة في عام 1964 وعام 1968، واستطاع أن يظهر قاعدة تأييد وطنية تتجاوز نيويورك، كما بيّن سجله كسب الأصوات الديمقراطية والمستقلة بما يتجاوز حدود الحزب الجمهوري. وعندما تولى فورد الرئاسة، استقبل اختياره لروكفلر كنائب له بترحيب كبير، ووصفته نيويورك تايمز بأنه «عمل سياسي بارع». وكان الأمر كذلك فعلاً.

ومن سوء الحظ أن رامسفيلد وتشيني اعتبرا روكفلر منافساً داخل إدارة فورد. وكما اغتاظا من هيمنة كيسنجر على حوارات السياسة الخارجية؛ فإنهما كانا يخشيان من إمكانية توجيه روكفلر للأجندة الداخلية للحكومة. كان تشيني مهووساً بتقويض روكفلر. وقد قال تشيني بعد سنوات: كنا في حكومة فورد نواجه مشكلات كبيرة في إدارة علاقة مع منصب نائب الرئيس... فالرئيس فورد وضع نائب الرئيس مسؤولاً عن جميع أعمال صنع السياسات المحلية، ووضعه مسؤولاً عن «المجلس المحلي» وكلفه بمهمة رسم السياسات، وسمح له باختيار الموظفين للتنفيذ.

كلما تقدم روكفلر بخطة لمخاطبة الرعاية الصحية أو التعليم أو القضايا الاقتصادية، قال تشيني إنه كان يرى «أن مسؤوليته تكمن في إفشال مقترحات نائب الرئيس».

قال تشيني أمام منتدى نظمته (واشنطن مونثلي): «شاركت في عدد من المناسبات في مناكفات بالصراخ مع نائب الرئيس. وقد قال روكفلر أخيراً لفورد في وقت من الأوقات إن الطريقة الوحيدة، التي يمكن له بها أن يخدم كنائب في حكومة ثانية لفورد، إذا أصبح أيضاً رئيس طاقم البيت الأبيض». لكن رامسفيلد وتشيني كانا قد قررا أنه لن يكون هنالك أي مكان لروكفلر في حكومة فورد ثانية.

* تصرف جبان

صمم البريتوريان الصغيران على إخراج روكفلر من تذكرة 1976، وكانا يشبعان فورد، باستمرار، بتقارير توصي أن روكفلر سوف يدفع بالمحافظين الجمهوريين إلى معسكر ريغان، وبالتالي يضعف التذكرة في الجنوب في نوفمبر. وفي الحقيقة أن المحافظين كانوا فعلاً مع ريغان، وكان يمكن لروكفلر أن يفيد التذكرة في نوفمبر. لكن فيما أخذ يصفه لاحقاً أنه واحد من التصرفات القليلة الجبانة التي قمت بها في حياتي، وافق فورد المتردد في خريف 1975 على مطالبة روكفلر بسحب اسمه من الاعتبار للترشيح لنائب الرئيس الجمهوري. وقد أوضح روكفلر إنني لم أسحب اسمي من التذكرة، كما تعلمون، فقد طلب مني ذلك.

وبدلاً من تعزيز موقف فورد؛ فإن أرقام الاستطلاعات المؤيدة للرئيس انحسرت وفقاً لجون أوزبورن، مراقب البيت الأبيض لصحيفة «نيو ريببلك»، خلال سنوات فورد، أخذ روكفلر دائماً، يلوم تشيني ورامسفيلد ليس فقط إزاء إخراجه من التذكرة بل إزاء ضمان هزيمة فورد. كانت الكراهية متبادلة. فقد رتب تشيني لإغلاق أجهزة مكبرات الصوت عندما كان نائب الرئيس يخاطب التجمعات الجمهورية.

وفي المؤتمر الجمهوري الوطني، قام نواب المنطقة الشمالية الشرقية الذين جمعهم روكفلر، بتأمين ترشيح فورد أخيراً، حاول تشيني حرمان نائب الرئيس من مكان على المنصّة مع فورد. وكان غضب روكفلر شديداً من تشيني، حتى إنه أعلن قائلاً: «لن يكون لي أية علاقة مع حملة فورد.. لقد انتهيت». لكن، كما تبيّن؛ فإن ما انتهى هو التذكرة التي شكلت من فورد وزميل محافظ، هو بوب دول. كانت استراتيجية تشيني لتحويل الحزب إلى اليمين لضمان الجنوب فشلاً كاملاً. فالديمقراطي جيمي كارتر، الحاكم السابق لجورجيا، فاز بكل ولايات الاتحاد القديم فيما عدا فرجينيا. لكن الانتخابات ظلت الأكثر تقارباً في التاريخ الأميركي. فرغم حملة خريف اتصفت بزلاّت متكررة ومحرجة؛ فإن فورد حقق نصراً كاسحاً في الغرب وفي ولايته نيو انجلاند، وولايات البحيرات العظمى.

وفي الانتخابات الكلية زحف وراء كارتر، 297 مقابل 240. وكان يمكن لفورد أن يفوز لو أنه قلب خسارته الضيقة في ولاية واحدة بواحد وأربعين صوتاً انتخابياً: وهي ولاية نيويورك، ولاية نيلسون روكفلر. وكان تشيني قد نسفها، وقاد فورد إلى هزيمة كان بالإمكان تجنّبها.

وقد قال فورد فيما بعد عن استبعاد روكفلر: كانت أكبر غلطة سياسية في حياتي. وفي الحقيقة أنها كانت ثاني أكبر غلطة في حياته السياسية، فقد كانت الأولى ثقته بديك تشيني والبريتوريين، بدرجة أقل، لتوجيه حملة عام 1976.

في عام 2004، عندما تم حثّ قاضي المحكمة العليا الأميركية أنتونيو سكاليا على الانسحاب من قضية تشمل فريق عمل الطاقة، التابع لنائب الرئيس ديك تشيني، أعلن سكاليا قائلاً: «حيث أنني أعتقد أن حياديتي ونزاهتي لا يمكن التساؤل حولهما، فإنني لا أعتقد أن من المناسب نبذهما».

ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية