يكشف المؤلف في هذه الحلقة عن رغبة ديك تشيني في إبقاء جذوة الحرب الباردة مشتعلة على الرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين وتفكك ما كان يسمى بالكتلة الشرقية، فقد كان يتحين الفرص من أجل إيجاد هدف جديد لتلك الحرب، أي إبراز عدو جديد للولايات المتحدة، وما تمثله من قيم. وكان هو ومساعدوه من أمثال بول وولفويتز وسكوتر ليبي وزلماي خليل زاد من أنصار عرض العضلات العسكرية الأميركية والعمل على إبقاء الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم إلى الأبد، ومن هنا جاء مخططهم بعيد تحرير الكويت الذي يقضي بالزحف على بغداد وإسقاط نظام صدام، الأمر الذي يضمن لأميركا الهيمنة على المنطقة وثرواتها وفي مقدمتها النفط.
ويشير المؤلف إلى أن هذا المخطط لم يجد قبولاً لدى بوش الأب، ووزير الخارجية جيمس بيكر والجنرال شوارزكوف، فألقي في مزبلة التاريخ إلى أن جاءت إدارة بوش الابن، وتم إحياؤه من جديد.
يقول تشالمرز جونسون في كتاب «أحزان الامبراطورية» 2004 إنه خلال فترة تشيني كوزير للدفاع: استطاع المنظرون الأميركيون إقناع الشعب أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان شاهداً على انتصار أميركي كبير. وهذا الشعور بالانتصار خلق بدوره تحولاً حاداً في موقف الولايات المتحدة، الذي كانت قد أبقت عليه طوال سنوات الحرب الباردة، فلم تعد الولايات المتحدة تصوّر نفسها كقوة دفاعية تسعى فقط إلى ضمان أمنها وأمن حلفائها أمام عدوان سوفييتي أو شيوعي محتمل. وبدون قوة عظمى معادية، ظهر أول المؤشرات على الدور الامبراطوري الذي سوف تأخذه علانية وبفخر في القرن الجديد حين بدأت البنتاغون، بدلاً من إعلان النصر وتسريح الجنود، في اختبار المياه بعدد من القدرات الجديدة، بعضها سيتم توسيعه وبعضها يطرح في السنوات المقبلة.
قال جونسون إنه عندما أخذت الولايات المتحدة الطريق الذي اختاره تشيني «فإنها بدأت بممارسة المسؤولية ببطء، وبالتدريج إزاء التدخل الإنساني، نشر ديمقراطية السوق على النمط الأميركي من خلال العولمة، الحرب المفتوحة ضد اتحادات تجار المخدرات في أميركا اللاتينية، وحركات الإصلاح السياسي المحلية، عزل الدول المارقة، قيادة حرب لا نهاية لها على الإرهاب، وأخيراً التدخل الوقائي ضد أي قوة قد تكون غير ودية في أي مكان، تهدد بحيازة أنواع من أسلحة الدمار الشامل التي طورتها الولايات المتحدة أولاً وما زالت ترغب في احتكارها».
هل توقع تشيني مثل هذه التطورات المثيرة؟ ربما لا. فبعد عقدين من شق طريقه بصورة أقرب من أي وقت مضى نحو القوة الحقيقية، حصل عليها تشيني في نهاية المطاف. لكنه لم يعمل أبداً انطلاقاً من رؤية تتعلق بوضع الولايات المتحدة في العالم، واختار بدلاً من ذلك ترديد أقوال المنظّرين المحافظين بإثارة مخاوف الحرب الباردة، مثل جون أشبروك وجيسي هيلمز. وفي أيامه الأولى في وزارة الدفاع، بدا أن هدفه الرئيسي هو الإبقاء على مجمع عسكريـ صناعي يخدم مصالحه السياسية والمصالح التجارية للمساهمين في حملته ومستخدميه السابقين والمستقبليين. ولتحقيق هذه الغاية، أصبح وزير الدفاع «كاساندرا» ينسج، وباستمرار، التهديدات التي يتوجب التصدي لها.
وبدا تشيني في بعض الأحيان غير متماسك في شغفه بالإبقاء على الحرب الباردة، فقد كان يمكن له في الخطاب نفسه ان يتقلب بين اقتراحات بأن السوفييت ما زالوا يشكلون تهديداً ـ بعد فترة طويلة من توصل قادة العالم الآخرين إلى الاعتراف بخروج ميخائيل غورباتشوف على ممارسات الاتحاد السوفييتي السابقة، فإن تشيني ظل في معسكر أكثر المتشككين راديكالية ـ وبين المتولات بأنه إذا كانت موسكو لم تعد العدو الذي كان ذات يوم، فعندها كان لا بد من العثور على عدو آخر. قال تشيني إنه أمر أساسي للولايات المتحدة أن تزيل «أي شك في أذهان حلفائنا في كل أرجاء العالم حول قدرتنا ورغبتنا في استخدام القوة للوفاء بالتزاماتنا، لحماية مصالحنا ولحماية مصالح أصدقائنا وحلفائنا»، ولتحقيق هذا، حسبما قال تشيني، فإن على الولايات المتحدة أن تتخلى عن كرهها لإرسال جنود أميركيين لاحتلال بلدان تخرج عن الخط.
عندما افترض وزير الخارجية بيكر أن الحاجة قد تدعو إلى عمل عسكري للإطاحة بالديكتاتور البنمي مانويل نورييغا، وهو شرير توقف مؤخراً عن أخذ الأوامر من أسياده في «السي آي إيه» ووزارة الدفاع، الذين يصرفون له الراتب، قفز تشيني لاغتنام الفرصة، وهكذا غير موقف سلفه في البنتاغون، وزير الدفاع في حكومة ريغان، فرانك كارلوسي، الذي كان مع الأميرال وليم كرو، رئيس هيئة الأركان المشتركة، قد رفض الفكرة القائلة إن غزواً عسكرياً واسعاً للدولة الواقعة في أميركا الوسطى أمر ضروري أو حكيم.
تشيني والرئيس الجديد لهيئة الأركان المشتركة، وهو جنرال برتبة عسكرية رفيعة كان قد جنّده للمنصب واسمه كولن باول، وافقا على غزو بنما كفرصة لاستعراض العضلات العسكرية، التي خشي كلا الرجلين من أن تصبح لينة في فترة ما بعد الحرب الباردة.
كان تشيني وباول متعاونين قويين حول بنما، وكان كل منهما يساهم بطريقته في مناخ متغير فيما يتعلق برغبة أميركا في إرسال الجنود إلى صراع عسكري»، حسبما يقول جيمس مان، الذي يضيف أن «بنما كانت أيضاً أول عملية عسكرية تدار بمنطق ما بعد الحرب الباردة. عندما غزت الولايات المتحدة غرينادا قبل ذلك بست سنوات، كان الهدف المعلن منع انتشار الشيوعية أو الماركسية، وهو المنطق نفسه الذي كان يطرح في عمليات عسكرية أخرى منذ الحرب الكورية. لكن بالنسبة لبنما كان المبدأ مختلفاً: أرسلت أميركا جنودها بهدف إعادة الديمقراطية، والإطاحة بزعيم كان سلوكه مثيراً للاشمئزاز. وفيما يتعلق ببنما فإنها كانت نذيراً، للجهود الأميركية اللاحقة ضد صدام حسين في العراق».
انتصار تشيني
ما زال مراقبو التاريخ العرضيون يوحون بأن حرب الخليج عام 1991، التي نجحت في تحقيق هدفها المعلن بإنهاء احتلال دولة الكويت المنتجة للنفط، من قبل دولة العراق المنتجة للنفط أيضاً، كانت انتصاراً كبيراً لتشيني كوزير للدفاع، لكن دور تشيني كان في حقيقة الأمر ثانوياً، فقد نجحت حرب الخليج الأولى بسبب بناء تحالف محكم من قبل الرئيس بوش ووزير الخارجية جيمس بيكر، وبسبب ضبط النفس، الذي أظهره الرجلان عندما رفضا مع الجنرال الذي كان مسؤولاً على الأرض وهو نورمان شوارزكوف مقترحات «بمواصلة الزحف إلى بغداد» بعد أن أعيدت الأسرة الكويتية المالكة إلى السلطة. وبطبيعة الحال كان لتشيني دور، فبعد اجتياح الكويت في شهر أغسطس 1990، أعلن الرئيس بوش أن على العراق أن يرحل عن الكويت طواعية أو يجبر على الرحيل.
لكن بوش حتى يجعل التهديد باستخدام القوة حقيقياً، احتاج إلى أن يتمكن من نقل الجنود الأميركيين إلى الحدود السعودية مع الكويت. وهذا تطلب موافقة العائلة الملكية السعودية، التي اعترضت بشدة على السابقة التي شكلتها الإطاحة بالعائلة المالكة في الكويت، لكن السعوديين ثاروا من فكرة السماح لجنود غير مسلمين باستخدام تراب وطنهم كقاعدة للعمليات العسكرية. وتم إيفاد تشيني مع بول وولفويتز وكيل وزير الدفاع للسياسة، إلى السعودية، لاقناع الملك فهد بقبول القواعد الأميركية. كان تشيني مصيباً عندما قال بعد الحرب: «كانت مهمة هامة جداً، فمن وجهة نظر عسكرية لو لم نستطع الدخول إلى السعودية، لكان يمكن أن يكون من الصعب علينا أن نفعل أي شيء عسكرياً أكثر من ضرب حصار بحري، مثلاً».
أمضى تشيني كثيراً من وقته في الشهور التي سبقت حرب الخليج الأولى، يرسم مخططاً فاشلاً لاستغلال تحرير الكويت كذريعة للإطاحة بصدام حسين. كان أحد مساعدي تشيني، وهو هنري روين، أكاديمياً من كلية إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد، والذي كان يعمل كمساعد لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي، أصبحت تسيطر عليه الفكرة بأن الوقت مناسب لتغيير النظام في العراق. وأقنع وولفويتز بأنه طالما تواجد الجيش الأميركي وحلفاؤه في المنطقة، فإنها فكرة جيدة أن تتم الإطاحة بصدام حسين، الذي كان يُعدّ ضمن أمور أخرى، معادياً لإسرائيل بصفة خاصة. ولم يملك روين أن يتوقف عن الحديث عن لورنس العرب والجيش العربي، وعن يقينه بأن من الممكن إقامة ديمقراطية في العراق، ولم يستطع تشيني التوقف عن الإصغاء.
إلى جانب وولفويتز كان تشيني يحب تفكير روين الجريء. ففي مقابلة أجريت بعد عقد من السنوات، تذكر روين أن تشيني طلب منه أن يشكل «فريقاً لتمحيص الفكرة ولا تخبر باول أو أي شخص آخر». وفجأة، وكما قال جيمس مان «كان وزير الدفاع يقوم بهدوء بحملة من أجل خطة حرب تختلف عن الخطة التي قدمها رئيس هيئة الأركان المشتركة».
من المعروف أن تشيني طلب من كولن باول في هذا الوقت «أن يتمسك بالشؤون العسكرية»، لكن الحقيقة أن تشيني ومساعديه كانوا يوسعون أوصاف وظائفهم. وخرج فريق تشيني السري «بعملية العقرب»، وهي خطة محكمة شملت إرسال جنود أميركيين إلى المناطق النائية غربي بغداد، حيث يمكن لهم، حسبما هو مفترض، تهديد صدام. واشّتم شوارزكوف رائحة المخطط، وقال إنه سيكون من المستحيل تموين الجنود الذي يرسلون إلى الصحاري البعيدة من غرب العراق. وأيد بوش وبيكر، اللذان كانا يدركان الكارثة الدبلوماسية التي يمكن أن تخلقها خطة الإطاحة بزعيم عربي، أيّدا الجنرال، فتم إلقاء عملية العقرب وبسرعة في مزبلة التاريخ ـ مع أن تشيني وولفويتز أخذا يواصلان العيش مع الأوهام حول «ضرب عنق» صدام وفرض «تغيير النظام».
أثارت خطة عملية العقرب تساؤلات حقيقية حول قدرة تشيني على المساهمة في جهود الحرب. وأعرب شوارزكوف في وقت لاحق عن خيبة أمله من تخطيط تشيني لعملية العقرب، قائلاً: «كنت أتساءل فيما إذا كان تشيني قد خضع للظاهرة التي كنت ألاحظها بين بعض وزراء الجيش. أي وضع مدني مسؤول عن رجال عسكريين محترفين، ولن يطول الوقت حتى لا يعود قانعاً بوضع السياسة لكنه يريد أن يتغلّب على الجنرالات».
المحارب الرئيسي
في ضوء المطاردة التي يستحقها، فإن تشيني، الذي أخذت الواشنطن بوست تشير إليه بصفة «المحارب الرئيسي»، توارى عن واجهة الجهود العراقية. لكنه ظل جزءاً من الفريق، وظل يوبّخ بل يطرد المساعدين الذين كانوا يردون على أسئلة الإعلام، وظل يقدم الآراء السيئة، مثل رأيه بأن بوش لم يكن يحتاج إلى موافقة الكونغرس على شن الحرب. لكن، كما قال فيل ماكومبس في رؤية نشرها في أبريل 1991 في صحيفة الواشنطن بوست: «عندما انتهت الحرب، بدا أن أميركا تعيش ساعات ذهبية». وابتهج بوش بتأييد وصل إلى 91% بينما كانت تتم مفاتحة كولن باول ـ على الأقل ـ لمنصب نائب الرئيس، وكانت داران للنشر تخططان لكتب فورية حول نورمان شوارزكوف قائد عاصفة الصحراء. لكن أين كان تشيني؟ روت المقالة المفاجأة بالنسبة للاعبين الرئيسيين في واشنطن عندما سمعوا أن مراسلاً يهتم بكتابة مقالة عن تشيني، فصرخ أحد مساعدي وزير الدفاع السابق فرانك كارلوسي: «يا للعجب ! تشيني؟» وكان فرانك، مع تشيني وأديلمان ودونالد رامسفيلد، نيكسونياً شاباً لامعاً في مكتب الفرص الاقتصادية، حيث انطلقوا لتفكيك برنامج الفقر.
قال فرانك: «لقد تلقينا 500 طلب لإجراء مقابلات عن باول. وهذا هو أول طلب يتعلق بتشيني».
مثل كثير جداً من محاولاته الرامية إلى وضع بصمته على مسعى هام، من حملة إعادة انتخاب فورد إلى سياسة الطاقة في حكومة بوش الابن، كان تشيني يدور حول نفسه. لكن الحرب كانت تنال موافقة. فعلاوة على ذلك، فإن واشنطن مدينة تدفع مكافآت للولاء والتكتم أكبر مما تقدمه للرؤية والنجاح. لذلك فإن تشيني، الذي لم يتوقف أبداً عن البحث عن أي مجال سياسي يجد لنفسه فيه فائدة وفرصة، بدأ ينسج حكايات عن نفسه بأنه الفائز الحقيقي في حرب الخليج. وقد نجح إلى حدّ كبير. وبعد ذلك مباشرة، فإن عدداً قليلاً فقط من المطلعين على بواطن الأمور سيتذكرون أن وزير الدفاع قد ضبط وهو يروّج وراء الكواليس خططاً خطرة غير قابلة للنجاح. ففي إعلام اختزالي بشكل متزايد، كان تشيني يعرف أنه يمكن وسيتم تصويره بالطريقة التي يفضلها: على أنه المدير الهادئ التكنوقراطي الذي أنجز مهمته بأقل درجة من الجلبة. وبمثل لمح البصر، كانت صحف رئيسية مثل لوس أنجلوس تايمز تصف تشيني بأنه «عمود رئاسي».
من المؤكد أن تشيني كان يفكر بشكل رئاسي. لكن وزير الدفاع كان يعرف أنه يحتاج على المدى القصير إلى العودة إلى العمل الملحّ الذي استنزفه قبل دخول قوات صدام حسين إلى الكويت: حصد فوائد السلام. وسعياً وراء هذا الهدف الأوسع والأجزى، كانت حرب الخليج مجرد حاشية للمهمة المركزية بالإبقاء على مجمع عسكري ـ صناعي رأى تشيني فيه مصدراً للسلطة ولأموال الحملة الانتخابية، التي قد تجعل السعي إلى الرئاسة أمراً ممكناً. وبعد إنهاء الحرب، أخذ تشيني يعلن نوعاً مختلفاً من الانتصار عما رآه الآخرون ـ وبدلاً من الاعتراف بالسهولة النسبية التي نجحت معها القوات الأميركية في الكويت وما وراءها، كدليل على أن الولايات المتحدة كانت مستعدة بشكل كاف لمواجهة أي تحدّ، بدأ تشيني يتحدث عن الحاجة إلى التأكد من امتلاك الولايات المتحدة القدرة على إرسال قوة للدفاع عن مصالحنا ـ بكلمات كثيرة جداً، حتى إنه كان يتوجب على الولايات المتحدة أن تكون واصلت الزحف إلى بغداد لتنفيذ «تغيير النظام» الذي تصوّره الذين وضعوا عملية العقرب. وبدأ يقول إن على البنتاغون أن يملك القدرة على إكمال مثل هذه المشاريع في المستقبل. ورغم نجاح التحالف الذي جمعه بوش وبيكر، ورغم تأييد الولايات المتحدة، تصوّر تشيني مستقبلاً أكثر أحادية. كانت الولايات المتحدة تحتاج إلى خطة لشن الحرب حيثما تريد، وأينما تريد بموافقة بقية العالم أو بدونها.
ولتحقيق هذه الغاية، تلاعب تشيني بالكونغرس للحدّ من التخفيضات المقترحة في ميزانيات البنتاغون. ومما لا ريب فيه أن تخفيضات ضئيلة أجريت هنا وهناك. لكن تشيني أكدّ أنها مجرد جراح خفيفة. كتبت دانا ميلبانك في الواشنطن بوست قائلة: بعد سقوط جدار برلين، مارس تشيني، كوزير للدفاع، شكلاً من الألاعيب مع الكونغرس، ففي مواجهة تخفيضات معينة، قرّر تشيني وضع ثلاثة بنود على قائمة التخفيض بدلاً من السماح للكونغرس بالقيام بالتخفيض نيابة عنه. واقترح تخفيضات في الحرس الوطني، وإغلاق القواعد ومروحيات «في 22»، وهو مشروع مروحيات سيئ الصيت على نطاق واسع، وهو يدرك تماماً أن الكونغرس سوف يعاند. «وكسب الكونغرس المعركة برفض القيام بكثير من التخفيضات، لكن تشيني كان بالتالي يملك القدرة على حماية أولوياته».
لم تكن تلك الأولويات مفاجئة لرجل عمل جاهد لتجنب ارتداء الزي العسكري لبلاده: كان تشيني يرغب في التخفيض حين كان الأمر يتعلق برعاية الجنود، لكن سارع إلى الاعتراض حين واجهه المتعهدون الدفاعيون بفأس الميزانية. وبالنظر إلى تلك الأوقات فإنه نجح بشكل مذهل. ومع أن تشيني خسر «بعض» المعارك، حسبما قال ديفيد غريبن، الذي خدم كمدير تشريعي للبنتاغون، « إلا أننا حصلنا على 90% مما كنا نريد».
استهان غريبن بنجاحهما، فأي تخفيضات قصيرة الأجل فرضت على بنتاغون تشيني تم تعويضها على الفور بخطة يمكن أن تؤدي في الوقت المناسب إلى محو ذكريات فوائد السلام المقترحة في أوائل التسعينات.
بيان استعماري
وبحثّ من تشيني، بدأ وولفويتز وكبير مساعديه، أي لويس سكوتر ليبي، بالعمل مع عضو آخر من فريقهم وهو زلماي خليل زاده، لاستخدام العملية التي تستمر سنتين لتخطيط الاستراتيجية العسكرية، ووضع أولويات ميزانية وزارة الدفاع، توجيه التخطيط الدفاعي، كوسيلة لتعزيز تفسير راديكالي للدور المناسب للولايات المتحدة في عالم ما بعد الحرب الباردة. وبالعمل بسريّة، وضعوا وثيقة في عام 1992 لتوجيه التخطيط الدفاعي، بدت مثل بيان استعماري من واحدة من القوى الأوروبية الاستعمارية القديمة. وبينما كان آخرون يتحدثون عن توجه دولي جديد، كان طاقم تشيني يتصور أميركا على أنها القوة العظمى العسكرية المطلقة فالولايات المتحدة، التي في نظرهم لن تقوم فقط بالاستجابة للتهديدات من الخارج، بل سوف «تمنع أي قوة معادية من الهيمنة على منطقة يمكن أن تكون ثرواتها تحت سيطرة راسخة، كافية لخلق قوة عالمية».
كانت الوثيقة التي تسربت لأحد مراسلي نيويورك تايمز في عام 1992 فظّة في وصف الثروات، التي يمكن لأميركا الجديدة أن تذهب للحرب من أجلها: «في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، هدفنا الكلّي هو البقاء القوة الخارجية المهيمنة في المنطقة، والحفاظ على الوصول الأميركي والغربي إلى نفط المنطقة».
تسبّب تسرب وثيقة توجيه التخطيط الدفاعي غضباً، لاسيّما عندما أعلنت العناوين الرئيسية للصحف: إبقاء الولايات المتحدة أولاً: «البنتاغون سوف تعيق ظهور قوة عظمى منافسة» كان طيش الأيام والأسابيع التي تلت تحرير الكويت قد تلاشى، وبدا وكأن الرئيس بوش قد يواجه إعادة انتخاب أصعب مما هو متوقع أمام تحدّي حاكم جنوبي مندفع اسمه بيل كلينتون. لم يكن بوش وبيكر يريدان قضاء السنة في الحديث عن الامبراطورية والاستعمار. ففي 24 مايو 1992 طالعتنا صحيفة «نيويورك تايمز» بعنوان: البنتاغون تتخلى عن هدف الوقوف في وجه قوى عظمى جديدة.
لكن التايمز لم تكن في هذه المرة تقدم جميع الأخبار الملائمة للنشر، فقد رفض تشيني أن يتخلى عن المشروع. وفي الحقيقة أنه كان في ذلك الوقت أكثر حماسة من أي وقت مضى إزاءه. وحتى فيما سببه تسرّب الوثيقة من جدل، فقد قال خليل زاده ـ الذي عمل لاحقاً سفيراً لأميركا لدى أفغانستان في عام 2004، إن تشيني أثنى على مسودة توجيه التخطيط الدفاعي قائلاً لمساعده: «لقد اكتشفت مبرراً جديداً لدورنا في العالم».
سكوت ليبي، أحد رجال وولفويتز، بدأ في إعادة صياغة توجيه التخطيط الدفاعي بلغة أرق لكن بنية ليست أقل تهديداً. ووفقاً لجيمس مان، لم يكن ليبي ليخفف التصريح. أوضح مان أن مساعد تشيني كان يعتقد «أن الهدف الرئيسي ينبغي ألا يكون منع القوى المنافسة، بل إن تصبح الولايات المتحدة قوية عسكرياً ومهيمنة جداً، حتى لا يمكن لأي دولة أن تحلم بأن تصبح منافسة».
كان الهدف ضمان أن تكون الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم، ليس اليوم فقط أو لعشر سنوات من الآن، بل إلى الأبد.
رسم العالم
كانت وثيقة «الاستراتيجية الدفاعية للتسعينات» التي ظهرت فوق اسم تشيني في الأيام الأخيرة من رئاسة بوش، أكثر قبولاً، حسبما يبدو، لدى واشنطن الرسمية. لكنها بقيت بياناً أحادياً تحدث مرة بعد أخرى عن الحاجة إلى «رسم المستقبل ورسم العالم». كانت مساهمة ليبي الافتراض، بشكل غير مقنع، أن الولايات المتحدة سترغب في العمل مع «الدول الديمقراطية وذات العقلية المشابهة».
لكن الوثيقة كانت باستمرار تتساءل عن مصداقية المبادرات متعددة الجنسيات وقيمتها، بينما توحي بأن القيادة الأميركية قد تكون حاسمة في تحفيز مثل هذا العمل... « لذلك لن نتجاهل الحاجة إلى أن نكون مستعدين لحماية مصالحنا الهامة، واحترام التزاماتنا بمساعدات إضافية محدودة فقط، أو حتى وحدنا، عند الضرورة»، حسبما أعلنت.
وقالت: «سوف يحتاج أي رئيس مستقبلي إلى خيارات تسمح له بالقيادة، وأن يعمل باستقلالية، لحماية مصالحنا المهمة، حين تثبت الاستجابة الدولية أنها بطيئة أو غير كافية».
بعد عقد من السنوات، وكأقوى نائب رئيس في التاريخ الأميركي، أخذ تشيني يحدّد تلك المصالح الهامة على أنها موجودة في صحارى العراق، حيث أمل ذات يوم بإرسال القوات الأميركية إليها كجزء من عملية العقرب. ومع بداية عام 2003، لم تكن الاستجابة الدولية بطيئة وغير كافية فقط، بل كانت معارضة بشدة لمهمة تغيير النظام التي اقترحها تشيني. لكن في ذلك الحين، لم يكن هنالك أي شخص قوي ليقول لا لجنون تشيني. تساءل وزير الخارجية كولن باول عن الملف الذي قدمه سكوت ليبي ومساعدو تشيني الآخرون لطرح «الحجة» بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، لكن لم يكن هنالك أي سلطة أعلى يلجأ إليها. كان تشيني، وهو الرئيس الفعلي، قد زيف مبرراً جديداً للدور الأميركي في العالم، وكان مصرّاً على استخدامه.
كان تشيني يعتقد أن تزييف هذا المبرر الجديد للتدخل العسكري الأميركي والمغامرة في الخارج، أكبر إنجاز لحكومة بوش الأب، لأنه كان يعتقد أن تحويل ذلك المبرر إلى حقيقة حربية مع العراق سيكون أكبر إنجاز لحكومة بوش الابن. وعندما تاهوا في البراري السياسية لسنوات كلينتون، فإن تشيني ومساعديه أطلقوا على شغفهم اسماً: مشروع القرن الأميركي الجديد. كان لقباً مناسباً، لأن تجربتهم كانت قد قررت الاتجاه ليس فقط للسياسة الخارجية بل لسياسة داخلية في الوطن الأميركي. ومن أجل خلق مزيج من القوة العسكرية والإرادة السياسية، اللتين يمكن أن تمكّنا الولايات المتحدة من العمل في الخارج كما يحلو لها، قام تشيني وحلفاؤه المحافظون، في الفرعين التنفيذي والتشريعي للحكومات المتعاقبة، بالسطو على الخزينة العامة من الأموال المطلوبة للحفاظ على البرامج الاجتماعية المحلية، التي كانوا يمقتونها جداً.
إن الاتفاق الدفاعي، الذي لم تصبه التخفيضات، وذلك بفضل تدخلات تشيني كوزير للدفاع، والذي كان يتوقعها خلال حكومة بوش الأول، ازداد خلال حكومة بوش الثاني إلى أعلى مستوى في تاريخ الولايات المتحدة.
تنفق الولايات المتحدة في هذه الأيام على الأسلحة والجيوش وعقود الدفاع المخصصة أكثر من أي دولة في تاريخ العالم. وليس هنالك أي شخص في موقع سلطة يتحدث عن استخدام فوائد السلام لدفع تكاليف أمور، مثل الرعاية الصحية والتعليم. فكيف يمكنهم أن يفعلوا ذلك بعد أن سلب ديك تشيني فوائد السلام منذ فترة طويلة.
ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية