يظهر المؤلف في هذه الحلقة تشيني كأحد أبرز الداعين إلى تعزيز السلطة التنفيذية على حساب التشريعية، وبخاصة عشية التحضير لحرب تحرير الكويت عام 1990، عندما دعا الى منح الرئيس الأميركي صلاحيات شبه مطلقة في السياسة الخارجية وقرار استخدام القوة. ويشدد المؤلف على سعي ديك المحموم للحصول على المزيد من السلطة واستخدام كل الوسائل بما فيها الكذب لتحسين فرص فوزه بمناصب قيادية كما حصل لدى تسلمه مهام وزير الدفاع في إدارة جورج بوش الأب.

ويلفت نظرنا كذلك إلى أنه لم يعمل أحد بجدية مثل تشيني على إضعاف سلطة الكونغرس على البيت الأبيض، ويشير إلى أنه شخص لا يؤمن بالسلام ويعتبر الحديث عنه كلاماً غير مسؤول، حيث يصر على استمرار الحرب الباردة رغم انهيار الخصم المتمثل في الاتحاد السوفييتي. لا يستطيع تشيني احتمال الفصل بين السلطات فهذا يقف في طريق الرؤساء عندما يريدون فعل ما يرضيهم.

في عام 1990 قبل حرب الخليج الأولى طلب تشيني من الرئيس عندئذ جورج هيربرت ووكر بوش ألا يسعى إلى موافقة الكونغرس على طلبه لشن حرب لإخراج القوات العراقية من الكويت. واختار الرئيس عدم الأخذ بنصيحة وزير دفاعه وخاض مجلس النواب ومجلس الشيوخ حوارات عميقة ومشحونة في بعض الأحيان قبل ثلاثة أيام من بدء الحرب. كانت الأصوات النهائية متقاربة بشكل غير مريح بالنسبة للحكومة حيث أعطى مجلس النواب موافقته بهامش 250 صوتاً مقابل 183 بينما أعطى مجلس الشيوخ موافقته بهامش ضئيل 52 صوتاً مقابل 47.

تعهد تشيني الذي رأى أن حوارات اللحظة الأخيرة ما هي سوى ابتعاد عن العمل الخطير للتوجه إلى الحرب بأنه عندما يدير البلد فإن الأمور ستكون مختلفة. في عام 2002 كانت حكومة بوش الابن تخطط لحرب الخليج الثانية وتصرف تشيني بشكل أكثر ليونة فلن يكون هنالك أي مشاورة حادة أو صادقة للكونغرس. ولن تجري أية حوارات عشية الحرب هذه المرة.

في أوائل 2002 عندما اجتمع مساعدو البيت الأبيض لمناقشة الطريق إلى الحرب دعا تشيني إلى إجبار الكونغرس على التصويت عاجلاً وليس آجلاً. واقترح إجبار الكونغرس على التصويت في أكتوبر 2002 على قرار كان مكتوباً لإعطاء الرئيس تخويلاً واسعاً سيّيء التحديد باستخدام القوة ضد العراق. وكانت الفكرة أن الكونغرس في ضوء ذكريات هجمات 11 سبتمبر الإرهابية على مركز التجارة العالمي والبنتاغون والتي كانت ما زالت حيّة في أذهان معظم الأميركيين وفي ضوء اقتراب انتخابات الكونغرس في نوفمبر يتوجب الضغط عليه للتخلي عن مسؤولياته الإشرافية في مرحلة مبكرة من النقاش. وعندئذ لن تضطر الحكومة إلى القلق إزاء الحصول على موافقة النواب والشيوخ على خطة الحرب الفعلية.

كان أعضاء حكماء من الكونغرس مثل جيم ماكديرموت وهو من المحاربين القدامى في فيتنام وديمقراطي من ولاية واشنطن يدركون ما ينوي تشيني ومخططو الحرب الآخرون أن يفعلوه. فقد قال جيم: إذا وافقنا على هذا القرار فإننا بذلك نقدم على سوابق سنندم عليها وتتمثل بأن أميركا تستطيع أن تبدأ حروباً استباقية وأن الكونغرس يمكن أن يتخلى عن الصلاحية ببدء الحرب للرئيس.

وحذّر سيناتور ويست فرجينيا روبرت بيرو وهو أشد المدافعين في الكونغرس عن الدستور من «أن هذا القرار يعطي للرئيس كل الصلاحيات باستخدام القوات العسكرية لهذا البلد كيفما ووقتما وحيثما يشاء ولأي فترة يريدها مهما طالت».

لكن معظم أعضاء الكونغرس جمهوريين وديمقراطيين لاحظوا موعد الانتخابات الذي يلوح في الأفق وصوتوا لإعطاء البيت الأبيض ما كان يريده. ونجح المخطط ومع اقتراب الحرب فقد تم تهميش الكونغرس فعلياً وهذا ما كان يريده تشيني.

حتى عندما كان يخدم في الكونغرس كان تشيني داعية للفرع التنفيذي على حساب الفرع التشريعي. ولم يعمل أحد بجدية أكثر منه لإضعاف سلطة الكونغرس على مراقبة البيت الأبيض. وكعضو جمهوري رفيع المستوى في لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ في عام 1987 كان تشيني يسعى إلى الدفاع عن تعاملات حكومة ريغان القذرة في فضيحة إيران ـ كونترا.

وكمساند متحمس لمخططات الحكومة إزاء «إدارة» أميركا اللاتينية مع الكونترا والانقلابات وكخصم شرس للقوانين التي يكتبها الكونغرس لحظر مبيعات الأسلحة للقوات الثائرة التي تسعى إلى الإطاحة بحكومة نيكاراغوا كان مطلوباً من تشيني تبرير أعمال الكولونيل أوليفر نورث واللواء البحري جون بويندكستر ومساعدين آخرين لحكومة ريغان كالذي يرسمون مخططات مفصلة للحصول على الأموال لما يسمون بالكونترا. وقام تشيني بواجبه بحيوية بالغة. وفي الحقيقة وكما يقول مستشار البيت الأبيض السابق جون دين انه «يتوجب أن نتذكر أنه خلال الفضيحة أصبح تشيني المدافع الرئيسي عن الرئيس ريغان في الكونغرس».

بعد أن تكشف أن أعضاء حكومة ريغان كانوا يبيعون أسلحة أميركية لإيران وكانوا يستخدمون العائدات في تمويل الكونترا ـ في خطة وضعت بهدف واضح يرمي إلى تجاوز صلاحية الكونغرس ـ بادرت لجان من مجلسي النواب والشيوخ بالتحقيق فيما كان الديمقراطيون وعدد من الجمهوريين يعتبرونها أزمة دستورية. لكن تشيني الذي كان يعمل نائباً لرئيس لجنة إيران ـ كونترا المنبثقة عن مجلس النواب لم يكن يرى أية أزمة. وبينما تحدّى أعضاء آخرون من اللجان نورث وبويندكستر ومتآمرين آخرين ليفسروا تصرفاتهم فإن تشيني قد تصدى لهم.

خلال إحدى الجلسات عبّر بويندكستر الذي كان قد خدم كمستشار أمن قومي لريغان عن التشكك في أن بالإمكان الوثوق بأعضاء الكونغرس إزاء معلومات حول الأعمال السرية. وردّ تشيني بالاقتراح بأنه «إذا أريد للعلاقة أن تنجح على المدى البعيد يتوجب أن يكون هنالك حفنة من أعضاء الكونغرس ذوي معرفة بالسياسة: ليفعلوا ما يتوجب القيام به في الكابيتول هيل لدعم وتعزيز جهود الرئيس».

وردّ بويندكستر قائلاً: «من المؤكد أنني أتفق معك يا سيد تشيني بأننا نحتاج إلى طريقة أفضل.» وأضاف: «يتوجب أن يكون هنالك تقبّل أكبر لحقيقة أن صلاحيات الرئيس وفق الدستور تجعل منه المهندس الرئيسي للسياسة الخارجية وأن لدى الأميركيين فرصة كل أربع سنوات لتأكيد أو التنصل من تلك السياسة الخارجية بعينها».

وقال بونيدكستر إنه إذا أمكن للكونغرس أن يوافق على ذلك المعيار، فإن عدداً ضئيلاً من الأعضاء يمكن أن يسيروا في الركب لكن يتوجب على الآخرين في الكونغرس أن يظلوا خارج القضية. وهزّ تشيني برأسه موافقاً وشكر الأميرال على العرض الذي قدمه.

وفر الحديث المتبادل مؤشراً لما سيأتي. فقد وقع معظم أعضاء لجنتي إيران ـ كونترا «المنبثقتين عن مجلسي النواب والشيوخ على تقرير إجماعي رأى دليلاً على السرية والخداع وازدراء القانون من جانب الحكومة ـ لكن تشيني وقع على تقرير أقلية رفض نتائج الأغلبية واعتبره «حرب عصابات سياسية».

إن النقطة الرئيسية كما ادعى تقرير الأقلية الذي قرن تشيني وسبعة جمهوريين آخرين أسماءهم به «أن أخطاء فضيحة إيران ـ كونترا لم تكن سوى أخطاء في التقرير وليس أكثر من ذلك. فلم يكن هنالك أية أزمة دستورية أو أي ازدراء متعمد بسيادة القانون ولا أية مؤامرة كبيرة ولا أي كذب أو تستر من جانب الحكومة» وفي الحقيقة فإن الدليل لن يدعم أياً من الاستنتاجات الجانحة التي يود تقرير اللجان أن يتوصل إليها.

وحتى الجمهوريون وجدوا أن تقرير الأقلية محرج باستسلامه الكامل للحكومة. فقد شجب السناتور الأميركي دارين رودمان وهو جمهوري من نيوهامبشاير خدم نائباً لرئيس لجنة إيران ـ كونترا المنبثقة عن مجلس الشيوخ تقرير الأقلية ووصفه بأنه محزن. واستشهاداً بتعليق أطلقه السفير السابق لدى الأمم المتحدة أدلاي ستيفنسون حول وثيقة مماثلة قال رودمان: «إن هذا التقرير بعينه واحد قام فيه كاتبوه بفصل القمح عن الزوان فظهر الزوان من سوء الحظ».

لكن تشيني الذي وصفته كاتبة الواشنطن بوست ماري ماكغروي بأنه «الزعيم المفكر لمجموعة لا تعرف شيئاً والتي قدمت لنا تقرير الأقلية حول فضيحة إيران ـ كونترا» لم يكن ليستسلم وقد مضى في حملة شرسة ضد المقترحات الخاصة بتجديد مبادئ الفصل بين السلطات بتقوية إشراف الكونغرس على السياسة الخارجية الأميركية.

وكنذير بولع حكومة بوش ـ تشيني برفض الانتقادات المشروعة لسياساتها على أنها هجمات حزبية رخيصة فقد اتهم تشيني الديمقراطيين «بتضخيم فضيحة إيران ـ كونترا خدمة لأهدافهم السياسية» متناسياً أن بعض أبرز الجمهوريين في مجلس النواب والشيوخ كانوا قد انضموا إلى الديمقراطيين في شجب اعتداء الحكومة على الدستور. ومن وجهة نظر تشيني فإن الذين سعوا إلى إعطاء الكونغرس دوراً أكبر في السياسة الخارجية «كانوا مستعدين لتقويض الرئاسة».

في أوائل عام 2003 وبينما طرح تشيني خطته لتهميش الكونغرس وشن حرب استباقية بلا مبررات ضد العراق عاد جون دين بذاكرته إلى تصرفات نائب الرئيس خلال التحقيق في فضيحة إيران ـ كونترا وقال: «يريد تشيني بكل وضوح صلاحيات أكبر للرئاسة».

وقال دين: «هنالك مشكلة واحدة وهي تظهر في هذه الصفحات من المخطوطة حيث وضع (المزارعون) نظام الحكم. فقد رفضوا الملكية بل رفضوا ملكاً مؤقتاً أو ملكة».

الحرب الباردة

كآخر وزير للدفاع في حقبة الحرب الباردة أتيحت لديك تشيني فرصة فريدة ليس فقط لتوجيه الولايات المتحدة بل توجيه العالم بعيداً عن شفا المحرقة النووية بعيداً عن الإنفاق العسكري المفرط الذي كان يؤدي إلى إفلاس القوى العظمى والدول التابعة سواء بسواء وبعيداً عن إثارة الخوف التي كانت تتلاعب بشعوب الأرض ليرى بعضها بعضاً أنها تشكل تهديداً وليس جيراناً.

لم يختر تشيني أن يعمل بذلك الخيار فالرجل الذي كان قد بذل كل ما في وسعه لنسف الوفاق خلال حكومة فورد كان مصمماً على أنه لن يسمح لتطور بسيط مثل انهيار الاتحاد السوفييتي بإنهاء الحرب الباردة. قام تشيني النفعي كما هو حاله دائماً باستعراض وضع العالم في أوائل عام 1989 وقرر أنه لا يمكن جني أية أموال من السلام ولا يمكن كسب أي فائدة سياسية من الهدوء ولا يمكن حشد أية قوة في عالم ما بعد القوى العظمى.

وبينما يوحي المؤرخون المغرّر بهم أن فترة تشيني كوزير للدفاع كانت فترة انتقال وتحول؛ فإنها في حقيقة الأمر كانت فترة سعى فيها الرجل المتربع على أقوى مجمع عسكري ـ صناعي في تاريخ العالم إلى الإبقاء على الاستمرارية. وكان نجاحه الذي تحقق رغم كل المفارقات سيفعل فعله لتحديد مستقبل المعمورة أكثر مما تفعله أفضل جهود الرؤساء ورؤساء الوزارات والأمناء العامين المتعاقبين للأمم المتحدة.

وفي ضوء التهديد المتربص بالسلام والازدهار أكدّ ديك تشيني بكلمات غور فيدال أن العقود القادمة سوف تتصف «بحرب دائمة». ومع أن تشيني كان مناهضاً للشيوعية كيميني قادم فإنه عندما لم تعد الحكومات التي يقودها الشيوعيون تشكل حتى أخف تحدّ للولايات المتحدة أو حلفائها طرح وزير الدفاع مبرر الحرب الباردة بينما أبقى على شكل الصراع وجوهره. هل كان تشيني يقدّر أنه حين يصبح وزيراً للدفاع ستفرز ولايته مثل هذه النتائج المثيرة بالطبع لا. فقد كان كما هو حاله دائماً يندفع نحو السلطة.

إن سقوط رئاسة رونالد ريغان في إرباكات فضيحة إيران ـ الكونترا والتشكك في انهيار سوق الأسهم في خريف 1987، قد أوضحا أن وعد الثورة الجمهورية الذي بدأ بانتخاب غيبر عام 1980 كرئيس قد فشل. حافظ الجمهوريون على السيطرة على البيت الأبيض في عام 1988، عندما هزم جورج هيربرت ووكر بوش الترشيح الديمقراطي سييء الحظ لمايكل دوكاكيس لكن سيطرتهم على مجلس الشيوخ ضاعت في عام 1987 وبدا أن احتمالات كسبهم لأغلبية في مجلس النواب أقل من أي وقت مضى في الأيام التي أعقبت انتخابات 1988 ولدى اقتناعه بأن رئاسة مجلس النواب التي أمضى عقداً فيها ستظل بعيداً عن متناول يده لسنوات قادمة فقد بدأ تشيني يفقد الاهتمام بالكونغرس.

وكان هذا في حقيقة الأمر أسوأ سوء تقدير سياسي منذ توجيهه لجيرالد فورد نحو استراتيجية عام 1976 الجنوبية المدمرة وخلال ست سنوات فقط كان الرجل الذي سلّمه تشيني مسؤولية تشكيل مقاومة جمهورية في مجلس النواب وهو أستاذ جامعي سابق من جورجيا اسمه نيوت غينغريش سيكون رئيساً للمجلس. وبطبيعة الحال لا توجد أي ضمانات بأن تشيني الذي كان يفتقر إلى ديناميكية غينغريش الشخصية ومعرفته السياسية كان يمكن أن يلعب بالأوراق التي كانت تتعلق بقيادة مجلس النواب الجمهورية في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات بالرشاقة التي تصرف بها الجورجي. لكن تشيني لم يغتنم الفرصة فقد كان يضرب يده على الطاولة التي كان يسعى إليها طوال عقد وكان يبحث عن لعبة تحقق مصالح أكبر.

فرصة تشيني

حانت فرصة تشيني للحصول على منصب وزاري رفيع عندما أثبت أول اختيار لبوش لوزير الدفاع أنه واحد من أكثر الشخصيات تطفلاً في السياسة الأميركية. كان الجميع يعرف أن سناتور تكساس جون ثاور وهو صديق منذ زمن طويل لعائلة بوش الذي كان قد خدم كرئيس للجنة الخدمات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ خلال سنوات ريغان كان يستمتع بشرب كأس أو خمس كؤوس.

لم يكن فريق بوش مهتماً في البداية لكن بوش الإبن كان مولعاً بالشرب المفرط. لكن تبين في الحال أنه كما قال ستيفن هيس من مؤسسة بروكنغز: «كانت قضية جون تاور كارثة» فقد ثبت أن متاعب تاور شديدة جداً حتى إنه عندما ظهرت تقارير عن شرب السناتور ومطاردته للنساء وعلاقاته الحميمة مع المتنفذين في صناعة الدفاع فإن أعضاء لجنة الخدمات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ أحبطوا فكرة تسليم شخص مشوش كهذا دوراً في اتخاذ القرارات حول نشر الأسلحة النووية. وعندما رفض أعضاء اللجنة ترشيح رئيسهم السابق بأحد عشر صوتاً مقابل تسعة أصوات قالت صحيفة «نيويورك تايمز» في «انطباع متزايد في واشنطن» إن الحكومة التي مضى على وجودها شهران «تسير على غير هدى».

أمر بوش مساعديه بطرح بديل موثوق ذي علاقات مع الكونغرس؛ لضمان التثبيت السريع. قام مستشار الأمن القومي لبوش الأب برينت سكوكروفت، الذي كان يعرف تشيني منذ أيامهما معاً في حكومة فورد بطرح السؤال المألوف حالياً: «ماذا عن ديك؟» ووافق الرئيس بسرعة على اقتراح اسم تشيني. ولم يجر أي حديث عن خبرة تشيني أو رؤيته للعالم المتغير بسرعة ـ ممثل ويومنغ الذي لم يخدم في الجيش أو في لجنة الخدمات المسلحة التابعة لمجلس النواب كان كأي مقاتل حرب باردة واضح يمكن العثور عليه في الكونغرس لكن اختياره كان يتعلق بإنهاء الحرج من عدم تعبئة منصب وزاري رفيع جداً لفترة طويلة. وتم الافتراض بأن تشيني كعضو في الكونغرس يمكن أن يحظى بالموافقة بسرعة. كان التفكير سليماً بشكل أساسي. وقد تمتم زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ بوب دول الذي كان لا يزال يتألم من رفض صديقه تاور: «في هذه المرة سيكون هنالك تثبيت وليس تنفيذاً».

ووقع الديمقراطيون في لجنة الخدمات المسلحة في مثال سوف يتكرر عندما رشح تشيني نفسه للتذكرة الجمهورية في عام 2000 ، وأساؤوا قراءة السلوك المعتدل للمرشح كمؤشر على سياساته.

لخص عرض في الواشنطن بوست لردّة فعل مجلس الشيوخ لاختيار تشيني الولع الديمقراطي بالتقليل من تطرفه بهذا السطر: «السناتور شارلس إس روب ديمقراطي من فرجينيا والذي صوت ضد تاور وصف تشيني بأنه اختيار ممتاز يحظى باحترام واسع». وبقوله إنه يعرف شيئاً قليلاً عن آراء تشيني إزاء السياسة الخارجية والدفاعية أضاف روب: «إنه محترم جداً حتى إنه إذا لم يكن هنالك فراغ كامل على الساحة فإن التثبيت ينبغي أن يتم بسرعة».

كانت جلسة تثبيت تشيني قضية جوفاء وردّاً على سؤال فاتر حول تجنبه للتجنيد بالقرعة خلال حرب فيتنام فقد كذب تشيني ببساطة وقال «إنني كان يمكن أن أكون سعيداً بالخدمة لو أنني استدعيت». وعلاوة على ذلك كانت الجلسة خالية جداً من الجوهر حتى إنه ـ كما يذكر دونالد رامسفيلد بعد سنوات «في مارس 1989 حين ظهر تشيني أمام هذه اللجنة لجلسات تثبيته لم يورد أي شخص كلمة العراق وفي غضون سنة كان يعدّ للحرب الأميركية ضد العراق».

وكما هو معهود؛ فإن رامسفيلد كان مخطئاً ومصيباً في الوقت ذاته. فلم يكن تشيني يعدّ للحرب مع العراق بعد عام من جلسة تثبيته ـ فاجتياح الكويت لم يحدث حتى أغسطس 1990 ـ لكن إهمال موضوع العراق الذي كان على وشك إنهاء حرب رهيبة مع إيران كان يمثل الصبغة العرضية لجلسات تشيني. استعرضت اللجنة عضلاتها بحرمان الرئيس من اختياره الأول لوزير الدفاع حتى يمكن لها أن تعطيه خياره الثاني.

وفقاً لمعظم الروايات كان بوش يملك توقعات متدنية نسبياً بالنسبة لتشيني، فقد كان الرئيس قد عيّن صديقه جيمس بيكر وزيراً للخارجية وصديقه سكاوكروفت مستشاراً للأمن القومي. وتمت تغطية القواعد المهمة وكانت جميع المؤشرات تشير إلى أن هذه الحكومة الجديدة ستكون أكثر ميلاً إلى الدبلوماسية منها إلى الحشد العسكري الذي اتصفت به حقبة ريغان.

شرطي المعمورة

أراد وزير الدفاع الجديد الذي وصفته صحيفة الواشنطن بوست بأنه «الأكثر تشدداً » بين مستشاري بوش المقربين أن يوضح للشعب الأميركي وللعالم وبشكل جيد أن الولايات المتحدة لن تتخلّى عن مهمة شرطي المعمورة. وحتى عندما كان النفوذ السوفييتي يتهاوى في أوروبا الشرقية وفي أرجاء العالم ليقضي على الحجة التي كانت تعطى وطوال عقود للمغامرة العسكرية الأميركية فقد ظهر تشيني أمام اجتماع لمجلس الشؤون العالمية في صيف 1990 ليقول: «لا أعتقد أن فكرة التهديد العسكري لمصالح الولايات المتحدة قد ابتكرها الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وأعتقد أن ذلك التهديد سيكون موجوداً بعد أن يتوقف الحزب الشيوعي السوفييتي عن توظيف الاهتمام الذي كان لديه في الماضي».

كان أعضاء آخرون في حكومة بوش الأب يدركون أن المخاطر تتضاءل. فقد قال رئيس هيئة الأركان المشتركة كولن باول لمجلة «آرمي تايمز» في عام 1991: «سوف أتخلص من الأشرار الأنذال. سوف أسقط فيدل كاسترو الكوبي وكيم ايل سونغ الكوري الشمالي». واقترحت شخصيات بارزة في الكونغرس ومن بينهم بعض الجمهوريين تحويل مئات المليارات من الدولارات من ميزانية البنتاغون لتمويل الاحتياجات الإنسانية على الجبهة الداخلية التي يطحنها الركود الاقتصادي لكن تشيني ما كان لينخرط في هذا الحديث عن فوائد السلام وشكا من أنه حين كان «انهيار النظام القديم» يقع وقال : «علينا أن نحصّن أنفسنا من الأمور غير المتوقعة».

وقال تشيني: «إن الحديث عن فوائد السلام كلام غير مسؤول».

كان التحصّن من الأمور غير المتوقعة سيكلّف قدر ما كلفته الحرب الباردة إن لم يكن أكثر. عندما اقترح سناتور ماساشوستس إدوارد كنيدي وآخرون ذوو ميول ليبرالية تقليص ميزانية الدفاع لتغطية تكاليف الرعاية الصحية والتعليم شكا تشيني من أعضاء الكونغرس الذين تجرأوا على الادعاء «بأن هنالك نوعاً من فوائد السلام الكبيرة التي سيتم جنيها لترصد لشراء جميع المواد التي يمكن أن تخطر على بال كل شخص في الكابيتول هيل لشرائها».

وفي الحقيقة كان هنالك فوائد كبيرة للسلام يمكن جنيها وقد اقترح كينيدي اقتطاع حوالي 210 مليارات دولار من ميزانية البنتاغون وتوظيفها في تغطية نظام رعاية صحية وطني واحتياجات أخرى. واقترح مؤتمر الأعضاء السود في الكونغرس اقتطاعات أكبر في النفقات الدفاعية كجزء من إعادة توجيه كبيرة للأولويات الوطنية. وبينما أمكن مناقشة الأرقام الدقيقة كان هنالك تساؤل ضئيل بأن فوائد السلام التي تنفق بشكل مناسب كان يمكن أن تقطع شوطاً طويلاً نحو ضمان الهدوء المحلي وتعزيز ذلك النوع من التنمية الدولية التي كان يمكن لها أن تعيق نمو الشبكات الإرهابية في التسعينات.

لكن تشيني الذي انتفخت حسابات حملته الانتخابية بأموال من متعهدي الدفاع مثل شركة لوكهيد وشركة مارتن مارتيا وماكدونل دوغلاس وتي آر دبليو ويونايتد تكنولوجيز لم يكن ليبدّد تلك العلاقات حيث خطط لاستغلال موقعه في البنتاغون كمنبر يطلق منه حملة رئاسية في عام 1996، تتطلب تمويلاً ضخماً من المصالح الخاصة.

كان تشيني مصمماً على أن يكون أفضل صديق لمتعهدي الدفاع بشكل لم يسبق لهم أن شهدوا مثله في البنتاغون ـ ليصنع من نفسه ـ وبكلمات كاتبه نيويوركر جين ماير مهندساً ومستفيداً من العلاقة الوثيقة بصورة متزايدة بين وزارة الدفاع ونخبة من أصحاب شركات الأمن الخاصة وحين كانت الاقتطاعات مطلوبة جعلها تشيني على المستوى الإنساني وقلّص عدد الجنود بنسبة 25% لكنه لم يقصد تقليص ميزانيات وزارة الدفاع بنسبة 25% فقد ظلت في حقيقة الأمر ثابتة حيث حوّل تشيني الأموال من جنود بأسماء مثل مارتينيز وكول إلى باعة بأسماء مثل بكتل وهاليبرتون. وجعل تشيني مهمته أن يضمن الإبقاء على الإنفاق العسكري وأن يبقى المتعهدون العسكريون مفيدين.

وقد نجح بوضع حق لوزارة الدفاع في أي بنس كان يمكن أن يذهب إلى فوائد السلام. لم يوجّه تشيني الولايات المتحدة بعيداً عن طريق السلام والتعاون الدولي بمفرده فقد عمل كجزء من حكومة مع أنها كانت أكثر ميلاً للدبلوماسية والتعاون من فريق ريغان لم تكن تصلح عملية الميزانية على الصعيد الداخلي أو تعيد وضع الولايات المتحدة في العالم بشكل دقيق كما كان يمكن أن تفعل حكومة ديمقراطي مثل مايكل دوكاكيس التكنوقراطي وغاري هارت الخيالي الذي كان قد جعل من نفسه خبيراً حول الاتحاد السوفييتي والسياسة الدفاعية بل أثبتت أنها أقل قدرة حين كان الأمر يتعلق بالزلاّت الإعلامية التي تحطم الحملات للرئاسة.

لكن قد يكون من الخطأ الاستهانة بأثر اختيار تشيني كوزير للدفاع في عام 1989 وتوجيهه للبنتاغون في السنوات الأربع التي تلت ذلك. لقد أكد موقع تشيني في مركز صنع السياسات الدفاعية خلال تلك الفترة أن أميركا بدلاً من توزيع «فوائد السلام» سوف تلزم نفسها بتنفيذ الرؤية التي وضعها تشيني في وثيقة استراتيجية دفاعية وطنية عام 1990 لم تعد فقط «بأن قوتنا العسكرية سوف تظل دعامة أساسية للتوازن العالمي» بل ستقوم الولايات المتحدة «بنشر القوة في المناطق التي ليس لدينا فيها أي وجود دائم».

ترجمة: محمود برهوم ورغدة محمد عزيزية